Welcome to Souriaty Club Sign in - دخول | Join - الاشتراك | Help

غرفة سوريا الثقافية

Started by soukrat at 11-14-2007 01:30 PM. Topic has 49 replies.

Print Search
Sort Posts:    
   11-14-2007, 01:30 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة

صور وخرائط نادرة من مكة والمدينة والقاهرة

كنوز وذكريات محمد أفندي سعودي وأحمد محمد حسنين باشا في مزاد بلندن

من تصوير محمد أفندي سعودي، منظر عام للحرم المكي في صورة يعود تاريخها الى الفترة ما بين 1904 و1908
صورة داخلية للحرم النبوي
من مجموعة أحمد محمد حسنين باشا صورة للزعيم المصري سعد زغلول في إحدى المناسبات الرسمية
المحمل المصري بعدسة محمد أفندي سعودي
المصور محمد الغزولي أمام قصر الملك فؤاد في عام 1926 (الصور: حاتم عويضة)
أحمد محمد حسنين باشا في الزي العربي أثناء إحدى رحلاته لليبيا
لندن: عبير مشخص
في غرفة الكتب في قاعة مزادات سوذبي بوسط لندن تقبع مفاجأة لهواة كتب الرحلات والتاريخ. فالقاعة التي امتلأت اركانها بخزانات الكتب بينما احتلت احد الحوائط مجموعة من الخرائط القديمة للعالم، تضم في داخلها صور تاخذ المشاهد لها إلى أماكن وأزمنة بعيدة لم يبق منها الكثير.

في المزاد الذي يقام غدا تعرض مجموعة متميزة ونادرة من كتب السفر والرحلات والصور والخرائط التي يعود تاريخ بعضها الى القرن الخامس عشر الى جانب مجموعة من الصور والكتب النادرة والتي تصور رحلات لاقطيها الى الاراضي المقدسة والصحراء الكبرى.

ورغم تعدد المعروضات الا ان مجموعتين منها تبرزان وتجذبان الاهتمام بشكل واضح. وسر الجاذبية هنا من الصعب تلخيصه في عامل واحد فالمجموعتان تضمان مجموعة نادرة من الوثائق والصور ما يأخذ الالباب وكلاهما ترتبطان بالعالم العربي والاسلامي. المدهش في المجموعتين انهما نتاج جهد رجلين اخذتهما رحلاتهما الى الجزيرة العربية وليبيا وسجلا انطباعاتهما بالقلم والصور فيما اصبح بالنسبة لنا الان قطعة فريدة من التسجيل الحي لتاريخ قريب.

محمد أفندي سعودي، موظف بوزارة العدل المصرية تخصص في فحص الوثائق المزورة، قد يكون عمله هذا روتينيا ولكنه أعطاه عينا مدربة أحبت الكاميرا. وعند قيامه برحلة الحج مع المحمل المصري في بداية القرن التاسع عشر برفقة إبراهيم رفعت باشا، قام محمد أفندي سعودي بالتقاط صور لمكة والمدينة أبرز فيها الطراز المعماري السائد وطبيعة المباني حول الحرمين. ورغم أن الصور قد تعتبر تسجيلية بحتة الا أنها تعكس أيضا عيني فنان. فاللقطات التي أخذها محمد أفندي للمحمل ولمسجد الرسول الكريم في المدينة، تمثل لقطات بارعة تحمل قيمة فنية الى جانب قيمتها التاريخية الواضحة لنا الان. جالت كاميرا محمد أفندي داخل الحرمين وحولهما مسجلة للتاريخ مواقع اختفى معظمها الان وصور أشخاص غير معروفين وإن كان يمكن للمرء استخلاص الكثير عن الفترة والظروف التي عاش فيها هؤلاء الاشخاص. ويعرض المزاد أيضا نسخة لكتاب «مرآة الحرمين» الذي ألفه رفعت باشا ويسرد فيه وقائع رحلاته الى مكة والمدينة في الفترة من 1901 الى 1908 كذلك الكتاب الذي ألفه علي بك حافظ بعنوان «الاصلاحات اللازمة لمرافق الحرمين الشريفين» وعليه إهداء من المؤلف لمحمد أفندي.

من الصور البديعة والتي تؤرخ لرحلة الحج التي قام بها محمد أفندي صورة نادرة للمحمل المصري والذي كان يحمل كسوة الكعبة الشريفة ويرسل كل عام من مصر الى الحجاز. وفي الخزانة الزجاجية التي عرضت فيها الصور التي التقطتها عدسة سعودي وضعت كاميرا صغيرة عتيقة الطراز لا يوحي مظهرها بجمال وابداع ما رأته عدستها والتقطته.

ويبدو أن كنز الذكريات الذي تركه محمد أفندي سعودي سيكون محط الانظار في المزاد المرتقب فإلى جانب الكتب والصور الي أرخت لرحلة في العشرينات من القرن الماضي للحجاز هناك أيضا مخطوطات نادرة بخط اليد للمفكر الاسلامي محمد عبده أهداها الشيخ الى محمد أفندي سعودي وهناك أيضا صورة فوتوغرافية تجمع بين الرجلين.

تتضمن مخطوطات الشيخ محمد عبده ترجمة لكتاب الجمهورية لأفلاطون ونصوص أخرى تتضمن كتابه الشهير «رسالة التوحيد» وأعدادا من «العروة الوثقى» وهي المجلة التي أصدرها الشيخ محمد عبده بالاشتراك مع المفكر الاسلامي جمال الدين الافغاني. ويشير ريتشارد فاتوريني من قسم المخطوطات والكتب بدار سوذبي الى أهمية المخطوطات التي ترجع للشيخ محمد عبده، خاصة ان عدد المخطوطات الموجود حاليا للشيخ محمد عبده هو أربعة فقط لكن مع اكتشاف المخطوطات الجديدة الثلاث فإن ذلك سيمثل «أمرا رائعا للدارسين والمكتبات المتخصصة» ويذكر فاتوريني أن عائلة محمد أفندي سعودي التي احتفظت بمخطوطات الشيخ محمد عبده لم تدرك مدى ندرة تلك المخطوطات التي ستتخاطفها الايدي عند بيعها ويتوقع لها سعر ما بين 12 و 18 ألف جنيه استرليني.

والشيخ محمد عبده ولد في عام 1849 في عائلة متواضعة في دلتا النيل وتعلم في الأزهر قبل ان يصبح أحد أهم الداعين لتجديد الفكر الاسلامي اعتمادا على الاجتهاد، مقتفيا في ذلك أثر جمال الدين الافغاني الذي قابله محمد عبده في المنفى في باريس.

رجل آخر حلت ذكرياته ضيفا على دار سوذبي في مجموعة انيقة متكاملة من الصور وقصاصات الصحف تروي سنوات قضاها أحمد محمد حسنين باشا في خدمة ملكي مصر السابقين الملك فؤاد والملك فاروق. المعروف عن أحمد محمد حسنين باشا أنه كان رئيسا للديوان الملكي في عهد الملك فاروق وكان رائدا للملك ومستشاره. ولكن حسنين باشا كان أيضا رحالة يعشق الصحراء وسجل وقائع احدى رحلاته الى ليبيا بالصور وأيضا بكتاب «الواحة المفقودة» الذي صدر بالانجليزية عام 1926. يقول فاتوريني إن حسنين باشا كان رجلا متنوع الاهتمامات فهو رحالة ومستكشف، تخرج من جامعة أكسفورد وقام برحلة مشهورة بالطائرة من لندن الى القاهرة.

ويتضح للمتصفح في مجموعة الصور التي تركها حسنين باشا كم من الاهتمام والعناية التي حفظت بها وكذلك المجلدات الانيقة والتي تحمل قصاصات الصحف التي تحمل صوره وأخباره، سواء أكان ذلك في مهامه الرسمية في مصر أو رحلته مع الملك فؤاد الى بريطانيا في عام 1927 والتي أرخ لها حسنين باشا بمجلدين من القصاصات من الجرائد العربية والبريطانية والتي عكست الحفاوة التي استقبل بها الملك في بريطانيا. هناك أيضا البوم يصور حسنين باشا مع أفراد العائلة المالكة المصرية وبرفقة الملك فاروق في المهام الرسمية والاحتفالات. وبالنسبة للكثيرين ممن يهتمون بتاريخ مصر الحديث فإن تلك الصور ترسم صورة قريبة من البلاط الملكي والملك فاروق الذي اختلفت حوله الروايات.

والطريف في مجموعة صور حسنين باشا هو وجود صورة للمصور محمد الغزولي الذي قام بالتقاط الصور له حاملا الكاميرا امام احد القصور الملكية.

مجموعة حسنين باشا يتوقع لها سعر يتراوح ما بين 25 الف الى 35 الف جنيه استرليني.

وفي جانب آخر من حجرة العرض بسوذبي تقبع مجموعة «أبو نظارة» وهي المجلة الساخرة التي أصدرها يعقوب صنوع في القاهرة في عام 1877. وعرف صنوع بسخريته الحادة وهو ما أهله للقب «موليير مصر» الذي عرف به. وصنوع هو أحد رواد المسرح المصري والصحافة المصرية الساخرة. ومن الصحف التي أصدرها تعتبر «أبو نظارة» هي الاشهر. وفي مرحلة من حياته نفي يعقوب صنوع الى باريس والتقى هناك مع جمال الدين الافغاني والشيخ محمد عبده ومصطفى كامل وغيرهم.

وعلى الرغم من الجانب العربي من المعرض قد يستحوذ على اهتمام الزائر المهتم الا انه من عدم الانصاف إغفال بقية الاقسام التي تضم مجموعة بديعة من الخرائط المرسومة باليد والمصورة باشخاص وأشكال تدل على كل بلد وطبيعتها. الى ذلك هناك العديد من كتب الرحلات والمجلات المتخصصة في التاريخ الطبيعي والتي تحفل برسومات شديدة الدقة والندرة لا يمل المشاهد من النظر اليها.

ويبقى القول بأن كل التوقعات تشير الى أن المزاد في الغد سيغلب عليه الحماس والترقب وتوقع الاسعار المفاجئة.


http://bsam.4t.com/
   Report 
   11-14-2007, 04:42 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة

«الشرق الأوسط» تعثر على مفكرة مواطن فلسطيني تعود إلى عام 1940

يهوى ركوب الدراجات النارية وينتظر أغاني الحبيبة من القدس

من الرسوم الساخرة في المفكرة
القدس: أسامة العيسة

عثرت «الشرق الأوسط» على مفكرة مواطن فلسطيني سجل عليها ملاحظاته، وتفاصيل أيامه خلال الحرب العالمية الثانية. وان كانت اهتمامات هذا المواطن العادي مهمة وذات مغزى، فربما الأهم منها هو الطريقة التي طبعت بها هذه المفكرة، وكم الدعايات الهائل المبثوث على صفحاتها والموظف لتأييد الإمبراطورية البريطانية ودورها في العالم العربي. كيف كان يفكر مواطن عربي فلسطيني عام 1940، وأي ظروف كان يعيش؟

ما الذي كان يهم مواطناً فلسطينياً في الحرب العالمية الثانية؟ بعد أن هدأت، نسبيا، الثورات العديدة، التي خاضها الفلسطينيون، طول العقود التي سبقت الحرب، حيث كانت بريطانيا المنتدبة على فلسطين، ودول عربية أخرى، أحد أطراف تلك الحرب.

ربما تقدم مفكرة شخصية لمواطن فلسطيني، من عائلة قعوار، تعود لعام 1941، حصلت عليها «الشرق الأوسط»، ملامح وظلال عن تلك الهموم، في سنوات الانتظار لما هو قادم. أول ما نلحظه أن صاحب المفكرة يتحرك في فضاء مكاني واسع، مقارنة بوضع مواطن فلسطيني أو عربي اليوم. بل تصعب المقارنة، بين تلك الظروف، ومثيلاتها الآن.

صاحب المفكرة يرتب جداول ديونه ومشترياته، ويتطرق إلى مشاكله مع البلدية، يبتاع أغراضه، من مدن فلسطينية عديدة، كحيفا، ويافا، والقدس، وبيت لحم، ويتنقل بينها، ويمتد نشاطه إلى مصر، التي يبدو تحركه فيها طبيعيا، مثل تحركه في فلسطين. في المفكرة عناوين لأصدقاء ومعارف في مصر، يشير إلى انه أرسل لهم مكاتبات، أو دل آخرين عليهم. وتتطرق المفكرة، إلى قضايا خاصة وحميمة، مثل انتهاء «العلاقات الأخوية» مع «دار...» (يقصد عائلة كذا) ويذكر إحدى العائلات، والسبب هو «السمسرة». وتبقى هذه الكلمة الأخيرة المفزعة غامضة على نحو كبير، فلا يعرف بالضبط المقصود منها. ومثلما تقلق صاحب المفكرة «السمسرة»، تقلقه أيضا أشياء أخرى مثل بحثه عن سم للفئران، يشير إلى اسمه بالأحرف اللاتينية، ويذكر أسماء أدوية باللاتينية أيضا مثل دواء لمرض (السلطعان)، ويقصد السرطان.

ويحدد في مفكرته مواعيد، ليسمع فيها أغاني معينة، ينتظر بثها من الإذاعة «طلبتها الحبيبة من القدس» ويرمز إليها بالحرفين: أ. ف. من هذه الأغاني: بحب من غير أمل، والصبا والجمال، يا ورد من يشتريك. بالإضافة إلى الأغاني، فإن صاحب المفكرة، يهوى قيادة الدراجات النارية، ويذكر في اكثر من موضع، الزمن الذي اصدر فيه رخصا لقيادة هذه الدراجات ومتى تنتهي، ومقدار الرسوم.

وتحوي المفكرة، عناوين عديدة لمعارف فلسطينيين مهاجرين إلى أميركا، وآخرين من الأجانب، مع إشارات إلى مراسلات معهم، تؤكد حلمه المبكر بالهجرة، من هذا الشرق الأوسط الصاخب، بالحروب والثورات.

ونجد، ما يمكن تسميته، تنبها مبكرا لديه، لضرورة تعلم اللغة العبرية، التي ستصبح بعد سنوات قليلة، اللغة الرسمية لدولة إسرائيل، من خلال إشارة في مفكرته إلى كتاب «اسهل طريقة لتعلم اللغة العبرية بدون معلم، تأليف محمد عطية».

وسيكون من الصعب على أي باحث يتصفح هذه المفكرة الصغيرة (7سم x 10سم) أن يفهم كيف كان صاحبها يدون تفاصيل حياتها وسط زحام صفحاتها بالرسوم الكاريكاتورية، والصور، وخطب الزعيم البريطاني تشرشل، والتصريحات والمقالات، التي لا تناسب عادة، وضعها في مفكرة شخصية بهذا الحجم.

المفكرة التي طبعت عليها كل هذه التفاصيل الدعائية، منتجة في مصر، ونستطيع أن نقدر بأنها نموذج لمفكرات انتشرت تلك الفترة، وكان بإمكان الفلسطيني أو المواطن العربي ابتياعها في بلده، لتسجيل ملاحظاته، ومواعيده، وعناوينه، عليها.

واضح أن الدعاية المبثوثة داخل المفكرة تتوجه للرأي العام العربي، ففي الصفحات الأولى، إحصائية عن عدد المسلمين في الإمبراطورية البريطانية «الموالين لحكومتها، والمؤيدين لها في حربها من اجل الحق والحرية». وعددهم هائل وفقا للمفكرة وهو (222718000) ولا يتضمن ذلك عدد المسلمين في دولتين إسلاميتين حليفتين هما مصر والعراق. ففي مصر كانوا 15 مليونا، وفي العراق 4 ملايين.

وتتجاهل دعايات المفكرة معتنقي الأديان الأخرى تحت لواء الإمبراطورية البريطانية، مثل صاحب المفكرة نفسه، وهو مسيحي.

وتحت عنوان الإذاعات العربية التي يجب أن تسمعها، تورد المفكرة، الترددات الإذاعية وأوقاتها، وما تبثه محطات الراديو الرسمية البريطانية، للسكان في مدن معينة مثل القاهرة، ولندن، وأنقرة، وبغداد، وعدن، والقدس.

ومن ضمن ما طبع على المفكرة رسوم كاريكاتيرية، تستعين بشخصية المصري أفندي، لإيصال خطابها الدعائي، مثل رسم يظهره وهو يعلق على الأسطول الإيطالي الذي اصبح «طعمة للأسماك في قاع البحر الأبيض»، فيعلق على ذلك قائلا: «اهو ده احسن مكان يختبئ فيه الأسطول الإيطالي». ويمثل رسم آخر غرفة صف، يسأل فيها المعلم تلاميذه: ما هو الجوع؟، فيرد أحدهم: هو ما يشعر به الإيطاليون والألمان الآن.

ولا تخلو الرسوم من فجاجة، واستهتار بعقول المتلقين، وبعضها يمثل هتلر نفسه وهو يردد يائسا:

* «يا موت خذ ما أبقت

- الآلام والأحزان مني

* بيني وبينك خطوة

- إن تخطها فرجت عني».

وتمتلئ المفكرة بالصور الفوتوغرافية، للقوات البريطانية بمختلف اذرعها، وللقادة البريطانيين، والملك جورج السادس، والأمراء والأميرات. وجهد كاتب التعليقات على الصور، يبدو بسيطا. كأن نقرأ مثلا: «البساطة والتواضع ماثلتان في هذه الصورة الرائعة التي تضم صاحبي الجلالة وولية عهدها الأميرة اليصابات وشقيقتها الأميرة مارجريت روز»، و«المستر انتوني ايدن وزير الحربية البريطانية الفتي يتلطف في الحديث مع احد الجنود البريطانيين أثناء زيارته التاريخية لمصر»، و«جنود الأتراك المرحون بطبعهم، ساعة وصولهم إلى الشواطئ المصرية وقد راح أحدهم يطرب بعض الصيادين المصريين بأنغام مزماره».

وتعرض المفكرة صورة لمدفع تحتها التعليق التالي: «مدفع بريطاني جبار من طراز هاوينزر، وقد ربض كالليث الهصور متأهبا لبعث زئيره الناري الذي يفتك بما في طريقه»، وصورة أخرى لبعض جنود فرقة بريطانية وهم «يتدربون على استخدام مدفع رشاش، تأهبا لاستقبال صبيان المظلات النازية احسن استقبال».

وطبعت على المفكرة آراء، على شكل مقالات وتصريحات لشخصيات سياسية وعربية، تدعم بريطانيا في حربها مثل د. احمد ماهر باشا الذي يقول في مقال مطول: «رأيي الحازم الجازم أن انتصار إنجلترا في الحرب الراهنة اكبر فائدة لمصر من الناحيتين السياسية والاقتصادية». أما الدكتور محمد حسين هيكل باشا فيكتب «انظر إلى حالة مصر اليوم، وهي تنعم بنعمة الديمقراطية مع حليفة قوية وتعيش هانئة في نظامها السياسي، وتبدي رأيها في أعمال الحكومة بواسطة البرلمان، أو بواسطة الصحافة الممثلة للرأي العام، وتنفذ هذه الأعمال بكل حرية وترفض منها ما لا تريده». ويصل إلى نتيجة «لا اشك أن كل مصري يود انتصار الديمقراطية التي تدافع عنها إنجلترا وتنفق الملايين في سبيلها».

ويدافع الدكتور حافظ عفيفي باشا، عن «ما في المعاهدة الإنجليزية المصرية من ميزات»، وهو الذي وقع عليها قائلا: «انني اعتقد ليس في القيود التي تضمنتها ما يضع أية عقبة غير قابلة للتذليل أمام حكومة رشيدة تريد أن تسير بمصر في طريق الإصلاح والتجديد والرقي».

ولكن المثير في المفكرة هو «الخطاب الديني» المؤيد لبريطانيا إلى درجة الإيحاء بأنها دولة إسلامية. وفي هذا الشأن نقرأ للشيخ محمود أبو العيون قوله: بأن هناك علاقات سياسية وثيقة تربط الإسلام ببريطانيا العظمى. ولا يمكن لهذه العلاقات ان تنفصم نظرا لمتانتها وقوتها وإدراك كل من بريطانيا العظمى والدول الإسلامية حقيقة ذلك الشعور الذي يربطها جميعا. ويقرر أبو العيون، في مقاله المسهب، بأن فرنسا: «هي كذلك دولة إسلامية كبيرة». ويضيف «وفي مصلحة مثلنا الأعلى أن يرجو المسلمون جميعا، في مشارق الأرض ومغاربها، رجاء صادقا بكل قوتهم، انتصارا حاسما ونهائيا لبريطانيا العظمى وفرنسا».

وطبعت على المفكرة أيضاً مقالات طريفة، تصب في مجرى الدعاية لبريطانيا، مثل مقال لجوستاف لوبون يقارن فيه بين ثلاثة من العلماء أحدهم ألماني، وثانيهم بريطاني، وثالثهم فرنسي، طلب منهم أن يكتبوا مقالا في وصف الجمل، وماذا فعلوا لإنجاز المقال.

ويصل إلى نتيجة أن البريطاني وهو «رجل بسيط في طبعه» هو من بزه زميليه، عندما نجح بسفره إلى الصحراء موطن الجمل ليكتب عنه، بعكس الألماني «المتعلم الدقيق» الذي عمد إلى كافة المراجع العلمية التي تحدثت عن الجمل، والفرنسي «الرقيق اللطيف» الذي عمد إلى سحر الخيال، وجمال البيان، ورقة اللفظ، وعذوبة اللحن ليكتب عن الجمل.

وتصف المفكرة في صفحاتها رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ونستون تشرشل بـ «المستر تشرشل قائد الديمقراطية الجريء».

ولا يوجد ما يؤكد إلى أي مدى كان صاحب المفكرة، متأثرا بهذه الجرعة الزائدة جدا من الدعاية. ولكن من المؤكد أن الظروف التي عاشها كانت طاردة، جعلته يهاجر، من العالم العربي إلى غير رجعة. ومن المؤكد، أيضا، بأن الدعايات الفجة المطبوعة على المفكرة والتي تعتبر المواطن قاصراً وساذجا، بقيت ملازمة لسنوات طويلة، الخطاب الرسمي العربي، وما زالت ذيولها موجودة حتى الآن. أما بالنسبة لبريطانيا التي غادرت المنطقة، تاركة وراءها هذا الخطاب، مثل أشياء أخرى كثيرة، فأعادت بناء نفسها بعد الحرب، وآخر ما كانت تحتاجه هو استغباء مواطنيها أو عدم احترام عقولهم.


http://bsam.4t.com/
   Report 
   04-12-2008, 03:14 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
سورية في عهد الملك فيصل ج 1..... بقلم : المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

كان لسوريا ملك في الخامسة والثلاثين من العمر ، هو الملك فيصل بن الحسين ، الذي زار أوربا وأمضى فترة فيها ، وعندما استقبله ملك بريطانيا جورج الخامس ، آمن فيصل بوجوب ان تكون سوريا مملكة مشابهة للمملكة البريطانية، الملك فيها يملك ولا يحكم ، وتسمى هذه الحالة ( الملكية الدستورية ) .


للمملكة مجلس لوردات ( شيوخ ) يعين من قبل الملك ، ومجلس عمومي ( نواب ) يمثل كافة مواطني المملكة ، ويضع القوانين العامة .

 والمملكة مؤلفة من مقاطعات ، لكل مقاطعة حاكم يعين من قبل الملك ويكون عضوا في مجلس الشيوخ ، ولكل مقاطعة مجلس محلي منتخب يضع القوانين الخاصة بالمقاطعة .

 أٌُعلن فيصل ملكا على سوريا ، في الثامن من آذار عام 1920 ، كما جاء في مقالنا السابق ( الاحتلال البريطاني لسوريا ) ، بعدما انسحبت القوات البريطانية من الأراضي السورية .

عقد المؤتمر السوري في ربيع عام 1920 اجتماعه، وهو أول برلمان سوري منتخب ( يسمى أيضا جمعية تأسيسية ) ، وقرر إعلان استقلال سوريا بحدودها الطبيعية ، وإعلان الأمير فيصل ملكا عليها ، وعلى الرغم من الشكوك الكبيرة التي أحاطت بعمل فيصل واتصالاته الدبلوماسية وتوقيعاته السرية ، فإن رجال العمل العربي رأوا فيه وعداً فاتناً بالاستقلال العربي.

 كانت سوريا الطبيعية التي تضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن تسمى بلاد الشام ، وكانت مقسمة إداريا زمن العثمانيين ، تقسيما مختلفا تماما عن التقسيم الحالي ، فقد كانت ولاية حلب : تضم حلب وإنطاكية وعنتاب وكلس وأورفة وميناؤها الاسكندرونة .

و ولاية الشام : تضم دمشق وحماه وحمص وتدمر ودرعا وتضم أيضا بعلبك وعمان عاصمة الأردن الحالية وتمتد جنوبا حتى العقبة .

و ولاية بيروت : تضم اللاذقية وطرطوس وطرابلس وبيروت وتمتد جنوبا حتى حيفا .

و كانت هناك منطقتين ذات وضع خاص تحملان اسم سنجق ، وهما سنجق القدس ويضم القدس ويافا وغزة ، وسنجق جبل لبنان ومركزه بعبدا .

و كان الحاكم العام العسكري لسوريا هو الدمشقي علي رضا الركابي وقد كان ضابطا سابقا في الجيش العثماني ، ثم خلفه الزعيم - وهو الاسم الجديد للرتبة - مصطفى نعمة بك العباسي وهو من حلب وكان متزوجا من سيدة تركية وهو ضابط سابق في الجيش العثماني ، وبقي حاكما عاما عسكريا ، حتى إلغاء هذا المنصب بإعلان الاستقلال وقيام الملكية .

بعد قرار المؤتمر السوري بإعلان الاستقلال وقيام الملكية ، قام وفد يمثل أعضاء المؤتمر السوري ، شارك فيه هاشم الاتاسي رئيس المؤتمر ، وعبد القادر الكيلاني مندوب حماة ، وتيدوري إنطاكي وسعد الله الجابري مندوبي حلب ، وفاتح مرعشي مندوب اعزاز ، والشيخ عبد القادر الخطيب وعبد الرحمن اليوسف مندوبي الشام ، وغيرهم ......بإبلاغ الأمير فيصل قرار المؤتمر .

و توجه الأمير فيصل مع حاشيته إلى مقر المؤتمر ، وأُعلن في الساعة الثالثة بعد الظهر في الثامن من آذار عام 1920 ،استقلال سورية بحدودها الطبيعية وإعلانها مملكة ، وتنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً عليها ، ورُفع العلم السوري بعد ان تقرر أن يكون العلم العربي في الحجاز علماً للبلاد ، مع إضافة نجمة بيضاء على المثلث الأحمر ، لأول مرة في التاريخ المعاصر في حلم تحقق لكل وطني عاش تلك الفترة ، على شرفة بناء البلدية في ساحة المرجة ، وعلى مشهد من جموع الجماهير السورية المتحمسة ، وأطلقت المدافع مائة طلقة ابتهاجا ، وتجمعت الجماهير في شارع النصر وطريق الصالحية وتوجهت سيرا على الاقدام ، الى ساحة الشهداء ، وخصصت بلدية العاصمة بناية مسرح زهرة دمشق للمتفرجات من السيدات ودامت الاحتفالات ثلاثة أيام.

و تشكل بلاط ملكي لفيصل ، ترأسه الحلبي إحسان الجابري ، والذي كان يعمل سابقا رئيس أمناء ( ياور ) في قصر السلطان في اسطنبول ، وهو الشقيق الأكبر لسعد الله الجابري وقد طبق الجابري المراسم السلطانية التركية العثمانية على الملك العربي.

 وأعلن الملك العفو العام ، وتشكلت الوزارة الأولى برئاسة رضا باشا الركابي في شهر آذار عام 1920 ، وتألفت من سبعة وزراء ، وكان وزراؤها : من دمشق فارس الخوري نقيب محاميي دمشق وزيرا للمالية ، ومن حلب ساطع الحصري لوزارة المعارف وجلال زهدي القاضي الحلبي لوزارة العدل ، ومن اللاذقية يوسف الحكيم وهو والد المحامي الأستاذ الكبير جاك الحكيم وزيرا للتجارة والزراعة والنافعة ..و غيرهم ، وتم تعيين علاء الدين الدروبي رئيسا لمجلس الشورى .

و طلب المؤتمر ، في أول اختبار لمعرفة حقيقة من سيحكم سورية في الأيام القادمة رجال المؤتمر أم الملك ، ان تقدم الوزارة بيانها أمامه حتى يمنحها الثقة ، فلم يقبل فيصل بأن تكون الحكومة مسؤولة أمام المؤتمر السوري ، وقال ان مهمة المؤتمر تنتهي بتتويجه ملكا .

و تصدى لفيصل الشيخ رشيد رضا ( من طرابلس ) وهو الكاتب والأديب الكبير صاحب مجلة المنار تلميذ الشيخ محمد عبده ، قائلا : ان المؤتمر هو الذي أوجدك ، فقد كنت قائدا من قواد الحلفاء فجعلك المؤتمر ملكا ، ورضخ فيصل وصارت الوزارة مسؤولة عن الحكم وتحاسب أمام المؤتمر السوري ، ولم تعد علاقتها المباشرة مع الملك .

أما البريطانيون والفرنسيون فقد رفضوا الاعتراف بالمؤتمر السوري وبقراراته ، وبتنصيب فيصل ملكا على سوريا وبقيت مراسلاتهم للملك تعنون باسم الأمير فيصل وليس الملك فيصل .

و بعد شهرين في أيار عام 1920 وصلت لسوريا أنباء مقررات مؤتمر سان ريمو ، واتفاق البريطانيين مع الفرنسيين على وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي ، وفلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني .

و ثار المواطنون السوريون ، واستقالت الحكومة وترك هاشم الاتاسي رئاسة المؤتمر للشيخ رشيد رضا ، وشكل وزارة مهمتها الدفاع عن استقلال البلاد ، وعين الاتاسي وزيران جديدان في هذه الوزارة مقربان من الوطنيين والمؤتمر ، وهما وزير الحربية يوسف العظمة ود عبد الرحمن الشهبندر وزيرا للخارجية ، وبقي فارس الخوري وزيرا للمالية وساطع الحصري وزيرا للمعارف ، وكان أغلب الوزراء ممن عرفوا بعدم موالاتهم للفرنسيين وبوطنيتهم الشديدة .

و من الأمور الطريفة التي قامت بها هذه الحكومة الناشئة ، إعلان جباية رسم الاستهلاك على باكيتات الدخان، وذلك بإلصاق طابع مالي لا يمكن فتح الباكيت دون تمزيقه ، وما زالت بعض الباكيتات الوطنية تحمل هذه اللصاقة التي تمثل الطابع حتى هذا التاريخ رغم بطلان استعماله ، وكذلك وضعت طابع مالي على أوراق اللعب ( الشدة والاسكامبيل ) .

و قامت الحكومة بجهود جبارة وخلال بضعة أشهر فقط ، فقد أُعلن عن عزم الحكومة طرح الدينار السوري الذهبي ، ووزنه حوالي ستة غرامات ونصف ، وقسم الدينار لمائة غرش سوري ، وطرح فئة نصف دينار .

و كذلك عزمها على طرح الريال السوري الفضي ووزنه خمس وعشرون غراما فضة ، مع الاستمرار في تداول واعتماد الليرة العثمانية ، وقبول الليرة الانكليزية والجنيه المصري الذهبي اللذين دخلا مع القوات البريطانية إلى سوريا.

و أُعلن التجنيد الإجباري لكل من بلغ العشرين من العمر ولم يتجاوز الأربعين ، ولمدة خدمة تبلغ ستة أشهر ثم تقرر التمديد لسنة كاملة ، وتقرر انه يمكن لمن لا يرغب بالخدمة دفع بدل نقدي قدره خمسون دينار سوري ذهبي ، واستثني رجال الدين من جميع الطوائف من خدمة العلم ، وكان الشاب الوحيد لعائلته يخدم خدمات خفيفة في الجيش ، وتقرر إعطاء الجندي راتب شهري قدره نصف دينار ذهبي إضافة لطعامه ولباسه .

و أعلنت الحكومة انه يجوز للمجرم المحكوم بالحبس ، إبدال حبسه بعد دفع حقوق الناس ، بمبلغ يتراوح بين نصف الدينار الذهبي والدينارين عن كل يوم ، ويعود التقدير للقاضي حسب حالة المحكوم .

و أحدثت محكمة تمييز ( تسمى حاليا محكمة النقض ) في دمشق ، كما أُحدث مجلس شورى الدولة، للبحث وإعطاء القرار في الأمور الإدارية للدولة .

و أحدثت الجامعة السورية في دمشق وسميت الجامعة العربية في بداية الأمر ، وكانت فيها كليتين فقط هما كلية الطب وكلية الحقوق وسميت في البداية مدرسة الحقوق ثم معهد الحقوق العربي بدمشق ، ودُرّس الطب باللغة العربية وللمرة الأولى ، وسوريا هي الدولة الوحيدة في العالم التي تدرس الطب باللغة العربية حتى هذا التاريخ .

و تم تعريب أسماء الرتب العسكرية للجيش بالكامل ، وكذلك تعريب الاصطلاحات العسكرية ، بينما بقي ضباط الجيش بمصر يحملون رتبا بأسماء تركية إلى ما بعد ذلك الزمن بمدة طويلة .

و قررت الحكومة تعريب جميع المعاملات في الدولة والدواوين والمدارس وكافة الكتب الرسمية بعد ان كانت تكتب باللغة التركية العثمانية ، وكان لوزير المعارف ساطع الحصري الدور الأكبر في تعريب التعليم .

و تقرر ان تكون المدرسة الظاهرية بدمشق داراً للكتب ، أي مكتبة عامة .

يتبع ...........

 

المراجع :

- الإيضاحات السياسية ، غالب العياشي طبعة عام 1954

- مقررات حكومة سوريا : يوسف صادر ،طبعة عام 1933

- تاريخ سورية 1918-1920: الدكتور علي سلطان مدرس التاريخ الحديث في جامعة بروفانس بفرنسا ،طبعة عام 1987.

- يوم ميسلون : ساطع الحصري.

 

 

 

http://www.syria-news.com/listrelated.php?sy_related=343

 

تاريخ الاحتلال البريطاني لسوريا 1918 ... بقلم : المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

ان المعلومات المتوفرة لدينا عن أحداث دخول الجيوش البريطانية للأراضي السورية من الجنوب ، ووصولها حتى حلب شمالا ،و بقائها جاثمة على الأراضي السورية فترة تزيد عن العام ، تكاد تكون معدومة  .


عند انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 ، انسحبت القوات التركية وحلفاءها الألمان من سوريا ، وقد كان تعدادهم قد وصل إلى عشرة آلاف جندي ألماني ، وخمسة عشر ألف جندي تركي ، وحوالي اثنا عشر ألف جندي عربي موالين للعثمانيين ، وقد أقام الجنود الألمان بحلب ما سمي وقتها قشلة الألمان في منطقة مساكن السبيل الحالية ، وهو موقع عسكري تحول إلى ثكنة طارق بن زياد حاليا ، ويجري العمل على تحويله إلى فندق ومنتجع في المستقبل القريب .

عندما انسحب الأتراك من دمشق ، سارع الأمير سعيد الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، إلى إعلان قيام حكومة عربية بدمشق على كامل أراضي سوريا الطبيعية برئاسته وتحت راية الشريف حسين، ، وكان مقيما في دمشق ويتبع له حوالي الخمسة عشر ألف رجلا من المغاربة والجزائريين ،.

و طلب الجزائري من رئيس بلدية بيروت عمر الداعوق رفع العلم العربي فقام برفعه ، كما طلب من بطريرك الموارنة تشكيل حكومة في جبل لبنان مركزها بعبدا ورفع العلم العربي عليها ، فتلكأ بانتظار الدعم الفرنسي الموعود.

كان العلم العربي يحمل ألوانا أربعة ، الأخضر رمزا للفاطميين ، والأبيض رمزا للامويين ، والأسود للعباسيين ، وأما الأحمر فهو شعار أسرة الحسين الهاشمية .

و في شتاء عام 1918 ، دخلت من الجنوب قوات الثورة العربية التي تحمل راية الشريف حسين وبقيادة الشريف ناصر شقيق الشريف حسين وعم الأمير فيصل ، والمؤلفة من رجال عدة عشائر عربية أهمها عشيرة الرولا من فخذ عنزة ، بزعامة الأمير منير الشعلان ، وعشيرة الجبور بزعامة الأمير طراد الملحم والمتواجدة حتى الآن في حمص ، وعشيرة عنزة في وادي سرحان في العقبة بزعامة الشيخ عودة بن حرب وغيرها من قوات عشائرية ، وبقيادة غير مباشرة من الضابط البريطاني لورنس ، الشهير بلورنس العرب .

 ثم دخل الجنرال البريطاني اللنبي سوريا ، قادما من القدس ، بعدما صرح فيها تصريحه الشهير ( الآن انتهت الحروب الصليبية ) ، والتقى الجيشان في دمشق .

لم يطل عمر حكومة الأمير سعيد الجزائري إلا يوما واحدا فقط، فقد قام لورنس بخلعه ، وتعيين الدمشقي شكري باشا الأيوبي ، وهو من سلالة صلاح الدين ، حاكما عسكريا ، وكان في السبعين من عمره في ذلك الوقت .

دخل الأمير فيصل دمشق وكان شابا في الثالثة والثلاثين من عمره ، على جواد ابيض يحيط به ألف وخمسمائة فارس ، واستقبلته الجماهير بحماس منقطع النظير .

أفهم الجنرال اللنبي الأمير فيصل بأنه هو القائد العام ، وفيصل هو مجرد قائد في القوات المتحالفة ، وافهمه ان سلطته تنحصر فقط على المناطق الداخلية ، ولا علاقة له بالساحل وببيروت وجبل لبنان وفلسطين ، ورضخ فيصل أمام الأمر الواقع ، كان قرار اللنبي هو النافذ .

و قد عرف عن فيصل تردده وضعف إرادته وسرعة تغيير رأيه ، وعدم قبوله الرأي والمشورة ، وتساهله وتسامحه الشديد ، ونبله مع أعدائه ،كان مسرفا مبذرا في إنفاق المال ، محبا لمظاهر التفخيم ، لقد كانت شخصيته أثرة تسحر من حوله ، ولم يعرف عنه انه غضب أبدا ، يأكل قليلا ويدخن كثيرا .

 انسحبت القوات التركية شمالا ، واجتمع القواد الأتراك في فندق بارون بحلب كمقر لقيادة الجيش ، وقام الأتراك بتوزيع كميات من الأموال الذهبية ، مرسلة إليهم من الحكومة التركية بغية دفعها للعشائر العربية قصد كسب ولائها ، وزعوها على جنودهم بدلا من رجال العشائر ، وتنتشر قصة شعبية بين أهالي منطقة كفر حمرة قرب حلب ، ان الجيش التركي دفن هذه الأموال الذهبية في تلك المنطقة ، للعودة إليها لاحقا ، ويأمل الكثير من أهالي المنطقة حتى الآن بالعثور عليها .

و استمرت القوات البريطانية في التقدم شمالا ، حتى التقت بآخر القوات التركية الخارجة من سوريا بقيادة القائد التركي مصطفى كمال الذي لقب لاحقا بأتاتورك ، وقامت معركة عنيفة ، بينها وبين الجيش البريطاني قرب حلب في منطقة سميت فيما بعد قبر الإنكليزي ، وضمت القوات البريطانية المقاتلة جنودا إنكليز وهنود واستراليون .

 وقبر الإنكليز هو في الحقيقة نصب تذكاري لجنود اللواء الهندي الخيال الخامس عشر ، الذين توفوا في تلك المعركة في نهاية عام 1918 ، مع قائدهم الجنرال هولدين ، وذلك النصب معروف باسم قبر الإنكليزي رغم عدم وجود قبر فيه ، وتلك المعركة كانت آخر معارك الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط .

و قد دفن قتلى الجيش البريطاني في مدفن خاص ، يقع حاليا أمام معمل العوارض الإسمنتية بداية حي الشيخ مقصود ، وكان من بين القتلى جنود هنود مسلمين ، دفنوا إلى جانب الجنود الإنكليز والاستراليين ، مع وضع إشارة الهلال على قبورهم لتمييزها .

و تقوم الجالية البريطانية سنويا حتى هذا التاريخ، وبحضور السفير البريطاني ، في الساعة الحادية عشرة في يوم الحادي عشر من الشهر الحادي عشر ، وهو تاريخ إعلان نهاية الحرب العالمية الأولى بزيارة هذه القبور ووضع الزهور عليها.

عندما دخل الشريف مطر قائد القوات العربية حلب ، عين كامل باشا القدسي واليا عليها ، وهو من أشراف حلب ، ومن ذات العائلة التي أنجبت الدكتور ناظم القدسي الذي تسلم لاحقا رئاسة الجمهورية السورية ، أما الجنرال اللنبي ، فقد عين الضابط العراقي الموالي للبريطانيين جعفر العسكري حاكما عسكريا فعليا بدلا من كامل باشا القدسي .

أما في منطقة الاسكندرونة فقد قام إبراهيم هنانو ، وكان أمين سر ولاية حلب بتشكيل حكومة وجيش صغير تحت علم الشريف حسين في بلدته كفر تخاريم وتقع على الحدود التركية الحالية ، ودخلت قواته إنطاكية ورفعت عليها العلم العربي .

 وحمى هنانو ، الذي كان متزوجا من سيدة تركية ، الجنود الأتراك المنسحبين ، ومنع تمزيق العلم التركي ، وقال : ( ان هذا العلم أظل العرب والمسلمين ستة قرون ويجب ان يبقى محترما ، والشعب التركي أخ للشعب العربي وان تفرقا ) ، وقد قدر له الأتراك موقفه هذا لاحقا ودعموا ثورته ضد الفرنسيين .

وفي حماه تشكلت لجنة من الوجهاء وانتخبوا بدر الدين الكيلاني رئيسا لحكومة محلية ريثما يدخل الجيش العربي حماة ، وطلب الكيلاني من سامي الحراكي تشكيل حكومة عربية في معرة النعمان التي كانت تابعة إلى حماة ، وفي حمص تشكلت حكومة محلية برئاسة عمر الاتاسي ، وكان من أعضائها رجل الدين المسيحي الوطني : الخوري عيسى اسعد .

و كانت القوات الفرنسية قد بدأت بالوفود إلى سواحل سوريا واستلام المواقع من الجنود الإنكليز ، وتمركزت قيادتها في جزيرة أرواد ، واستقرت في ميناء اسكندرونة شمالا، واحتلت بيروت جنوبا ، ولم تدخل العمق السوري .

 أما الجنرال اللنبي فقد أمر بإنزال العلم العربي المرفوع في بيروت وكافة المدن الساحلية بعدما احتلتها القوات الفرنسية، فاحتج فيصل على هذه الإهانة وهدد بالاستقالة ، فنصح مستشارو اللنبي بمهادنة فيصل ، خوفا من إثارة المتاعب مع الأهالي ، فأبلغ اللنبي فيصلا ان هذه الإجراءات مؤقتة وسينظر بالأمر لاحقا ، وانطلت الخدعة على فيصل .

و طلب اللنبي من فيصل إصدار الأوامر لهنانو كي تسلم الحكومة العربية في إنطاكية المدينة للفرنسيين ، فامتثل هنانو لأوامر فيصل بعدا اقنعه ان الوجود الفرنسي مؤقت .

و شكل فيصل أول حكومة عربية صورية لم تكتب لها الحياة الفعلية ، ورئسها الضابط السابق في الجيش العثماني ، الدمشقي علي رضا الركابي ، وضمت ثلاثة وزراء من جبل لبنان ، ووزير من بيروت ، ووزير من دمشق ، وساطع الحصري من حلب ، ووزير الدفاع من العراق ، محاولا الإيحاء ان هذه الحكومة تمثل سوريا الكبرى وليست حكومة على الأجزاء الداخلية من سوريا .

و كان تعداد جيش فيصل يبلغ حوالي الثمانية آلاف وخمسمائة رجل ،و عندما حاول وزير الدفاع تسليحهم رفض البريطانيون إمدادهم بالسلاح .

و جال فيصل على المدن السورية وفي زيارته لحلب شتاء عام 1918 خطب فقال : ( ان لحكومات فرنسا وبريطانيا اليد البيضاء في مساعدتنا ، ولا ينسى العرب فضل معاونتهم ) .

ثم توجه من حلب إلى طرابلس حيث قوبل بحماس منقطع النظير ، أكد خلاله أهالي طرابلس أنهم جزء من سوريا ، وعندما

وصل إلى بيروت ، لم يكن لجميع الأهالي ذات الحماس ، فقد كان بعضهم مواليا لفرنسا بشكل كامل .

و دعي فيصل نهاية عام 1918 إلى أوربا للمشاركة في مؤتمر الصلح الذي انعقد بعد الحرب العالمية ، فغادر بيروت باتجاه مرسيليا في فرنسا ،  والتقى فيها مع لورنس قادما من انكلترا ، وكان لورنس مرتديا الزي العربي ، فرفض الفرنسيون استقبال لورنس رسميا ما لم يرتدي الزي العسكري البريطاني بصفته ضابطا بريطانيا لا عربيا ، فما كان من لورنس إلا ان غادر فرنسا الى انكلترا ، بعدما رد الوسام الذي قلده إياه الفرنسيون سابقا أثناء الحرب ، وتابع فيصل زيارته لفرنسا من دونه ، حيث قلده الجنرال الفرنسي غورو وساما رفيعا في ستراسبورغ على الحدود الالمانية .

و كان لهذه الحركة من لورنس بعدما رفض خلع الرداء العربي ، التأثير الكبير على الأمير فيصل ، ويبدو ان لورنس كان يعرف كيف يؤثر على فيصل .

 شعر فيصل بالشك تجاه نوايا الفرنسيين خلال زيارته لباريس ، وعندما وصل إلى لندن كان لورنس في استقباله ، وأقام له البريطانيين استقبالا فخما حضره الملك شخصيا ، وبعد شهرين من الإقامة الفخمة في لندن ، بدأ فيصل يرتدي اللباس الأوربي ويتجول في شوارع لندن .

و قد أكد له البريطانيون على حسن نواياهم تجاه سوريا ، بينما كانوا من وراء ظهره يقتسمون ما تبقى من سوريا ،و يقومون بتعديل اتفاقية سايكس بيكو مع الفرنسيين ، والتي ابرمت قبل سنوات في غفلة عن الشريف حسين ، فطلبوا الحصول على الموصل الغني بالنفط ، لقاء ان يتنازلوا للفرنسيين عن كيليكيا ، وقبل الفرنسيون بذلك .

و قد نظم لورنس لقاءً بين فيصل وزعماء الحركة الصهيونية بزعامة وايزمن ، الذين أكدوا له ان هجرة اليهود لفلسطين هي هجرة عادية طالبين المساواة مع السكان والمساهمة في الاعمار ، وأنهم لا ينوون أبدا إقامة دولة يهودية فيها ، وصدق فيصل ذلك .

و عندما انعقد مؤتمر الصلح في باريس ، رفض الفرنسيون اعتبار فيصل ممثلا عن سوريا ، واكتفوا باعتباره ممثلا عن الحجاز ، وكان الحل ان يكون هناك ممثلين اثنين ، واحدا عن الحجاز والآخر عن سوريا ، وشارك في المؤتمر سبعا وعشرين دولة أهمها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة .

و طرح فيصل خلال المؤتمر طروحات جديدة ، هي إقامة ثلاث حكومات عربية : الأولى في الحجاز والثانية في سوريا والثالثة في العراق ، وطرح نفسه قائدا لثورة سورّية مستقلة عن ثورة الحجاز ، واستثنى فلسطين من سوريا ، وقال انه لا مانع ان تكون تحت وصاية دولة كبرى ، واقترح الأمريكيون نظام الانتداب على الدول، وتقرر هذا النظام ، كما اقترحوا إرسال لجنة لاستفتاء الشعب حول رغباتهم السياسية ، وأي دولة يرغب السوريون بأن تكون منتدبة عليهم .

و وافق الفرنسيون والبريطانيون مكرهين ، على إرسال لجنة أمريكية لمعرفة رغبات الشعب السياسية ، وكان أعضاءها من الأمريكيين فقط ، وعندما شعر البريطانيون بخطر اللجنة الأمريكية ، سارع لورنس بإقناع فيصل بتجاهل عمل اللجنة والاتفاق مع فرنسا مباشرة .

أجزل الفرنسيون الوعود لفيصل ، وطلبوا منه قبول سحب الجنود البريطانيين ، وإحلال جنود فرنسيين بدلا عنهم ورفع العلم الفرنسي ، مقابل إعلان استقلال سوريا ، وقبول فرنسا به ، وطبعا كان هذا العرض مكشوفا ، فكيف يعلن عن استقلال دولة سورية ، جنودها فرنسيون وعلمها فرنسي ، وحاول فيصل المماطلة حتى ظهور نتائج اللجنة الأمريكية .

بعد خمسة أشهر من الإقامة في أوربا ، عاد فيصل إلى بيروت ، واستقبلته الجماهير استقبالا شعبيا حافلا ، وأطلقت له القوات البريطانية المدافع ترحيبا به .

و فيصل أمام الجماهير العربية غير فيصل أمام دهاة الساسة الإنكليز والفرنسيين ، فقد صرح تصاريح نارية أمام الجماهير مثل ( ان كل من يطلب معونة إنكلترا وفرنسا وأمريكا فليس منا ، ولا بد من الاستقلال المطلق ) ، وقال ان مؤتمر الصلح اقر الاستقلال ولكنه لم يأت على ذكر ما يخص الانتداب إلا لاحقا وأمام الخاصة من رجاله ، وقال كلمته المشهورة ( الاستقلال يؤخذ ولا يعطى ) .

و عندما وصل لدمشق ربيع عام 1919 ، استقبلته الجماهير استقبالا منقطع النظير ، وأعد له الدمشقيون عربة تجرها ثمانية خيول سروجها من الذهب والفضة وزينت جوانبها بالمجوهرات التي تبرعت بها السيدات الدمشقيات ، وقدم الدمشقيون خمس وعشرون ألف سجادة لفرش الطريق ، وعرقلت الورود الملقاة عليه مسير الموكب من كثرتها .

 أطلق فيصل للمرة الأولى اصطلاح ( الأمة السورية ) المستقلة عن الحجاز ، وتعالت الهتافات بالموافقة ، وبايعته وفود بيروت وصيدا وفلسطين ودمشق وحمص وحماه وحلب وطرابلس ووفود العشائر ..و غيرها من وفود ، ولم يذكر للوفود الفلسطينية أن فلسطين استثنيت من الدولة السورية .

و بدأت الصراعات الخفية بين الرجال القادمين مع فيصل من هاشميي الحجاز ورجال العشائر وضباط الجيش العربي وأغلبهم من العراقيين الموالين لإنكلترا ، وبين الرجال السوريين الذين كانوا يعملون سابقا تحت ظل الحكم التركي ، والتف السوريون حول الضابط الدمشقي الشاب يوسف العظمة البالغ الخامسة والثلاثين من عمره فقط ، والذي كان ضابطا في الجيش العثماني ودرس أركان حرب في ألمانيا ، وحارب سابقا في أرجاء الإمبراطورية العثمانية ، وكان متزوجا من سيدة تركية ، وله منها ابنة واحدة اسمها ليلى .

قرر فيصل في بداية صيف عام 1919 ، الدعوة لانتخاب مجلس نيابي، أسوة بما شاهده في أوربا ، واسماه المؤتمر السوري ، وكان اغلب أعضاؤه من نواب البلاد السابقين إلى مجلس المبعوثان العثماني ، وبلغ عددهم خمسة وثمانون عضوا ، من دمشق وشرق الأردن وإنطاكية وبيروت وطرابلس وجبل لبنان وفلسطين وحلب وحماه وحمص ودير الزور وجبل الدروز ، لقد كان حقا المجلس الوحيد في التاريخ الذي مثل أعضاءه مواطني سورية الطبيعية بالكامل ولم يتكرر بعدها.

ومن أعضاء المؤتمر السوري الذين كان لهم دور كبير لاحق في التاريخ السوري : تاج الدين الحسيني وفوزي العظم والد خالد العظم ممثلين عن دمشق، إبراهيم هنانو ممثلا عن قضاء حارم ، وسعد الله الجابري ورضا الرفاعي ومرعي باشا الملاح والدكتور عبد الرحمن كيالي ممثلين عن حلب ، حكمت الحراكي ممثلا عن المعرة، عبدالقادر الكيلاني ممثلا عن حماة، أمين الحسيني ممثلا عن القدس.

و انتخب الزعيم الحمصي هاشم الاتاسي رئيسا للمؤتمر ، ومرعي باشا الملاح ويوسف الحكيم نائبي رئيس .

 كانت مهمة المؤتمر وضع قانون أساسي للبلاد وسمي لاحقا ( الدستور ) ، وكانت غاية فيصل من المؤتمر أن يبين بوضوح للجنة الأمريكية القادمة ، إجماع مواطني سوريا الطبيعية على قبول حكمه ، وإنهاء فكرة الوحدة مع الحجاز ، وإظهار رفض الشعب للانتداب الفرنسي .

و قرر المؤتمر المطالبة بوحدة سورية واستقلالها ، وقبول انتداب أمريكا وبريطانيا ، ورفض الانتداب الفرنسي ، ولكن على ان يكون مفهوم الانتداب هو المساعدة الفنية فقط .

و أعلن بطريرك الموارنة حويك في جبل لبنان عدم رغبته بالانضمام للدولة السورية وقبوله الانتداب الفرنسي ، واعتبار العيد الوطني الفرنسي عيدا وطنيا في جبل لبنان ، وبدء يطالب بتوسيع أراضيه لتشمل البقاع وطرابلس وبيروت وغيرها من أراض كانت سورية حتى ذلك التاريخ ، وصرح من باريس : أن لبنان يفضل الموت جوعا في ظل صخوره على ان يكون تابعا لدمشق .

قام الفرنسيون بمحاولة إثارة النعرات الطائفية لكي يثيروا حفيظة المسيحيين في باقي أجزاء سوريا ، ليرفضوا امام اللجنة الأمريكية الحكم العربي ويقبلوا بالانتداب الفرنسي ،و ذلك بالترويج ان جيش الحجاز هو جيش ديني ، ، وكان موقف مطران السريان أفرام برصوم في دمشق حازما واضحا ، مخالفا لموقف بطريرك الموارنة في جبل لبنان ، حين أعلن : ( لا تمنعني مسيحيتي من اعتناق مذهب الوحدة العربية الذي يجمع البلاد في الإخاء والمساواة ) ، كما قام بطريرك الارثوذكس بإقامة الصلاة للدعاء للحسين وجيشه والحكام العرب .

و عندما فشل الفرنسيون طائفيا تحركوا باتجاه العشائر ، ووقعوا مع الأمير مجحم بن مهيد أحد شيوخ عنزة ، وهي عشيرة بدوية تقطن البادية السورية ، اتفاقية تعهد فيها الأمير بقبول الانتداب الفرنسي لقاء مزايا خاصة ( أموال ذهبية ووعد بتقليده ارفع وسام فرنسي وعرضه كبديل عن فيصل في سوريا ) ، وقد قامت الحكومة العربية باعتقاله لهذا السبب ثم أطلقت سراحه تحت الضغوط .

تأخرت اللجنة الأمريكية بالوصول ، بسبب العرقلة البريطانية الفرنسية ، وهدد فيصل بإعلان الاستقلال ، فكان رد الجنرال البريطاني اللنبي قاسيا ، وهدده بقيام مواجهة بين القوات الفرنسية والبريطانية معا مع القوات العربية الفيصلية لسحقها ، وصرح علانية ان بريطانيا لا ترغب بالانتداب على سوريا ، ولكنه عاد وتبسط معه وأكد له ان اللجنة قادمة .

و وصلت اللجنة ، والتقت أعضاء المؤتمر السوري وزارت مختلف المدن السورية واستغرق منها الأمر طوال الصيف ، وتقدم الأهالي بعريضة موقعة من ثلاثمائة ألف مواطن تؤيد المطالب الوطنية لرجال المؤتمر ، ولكن سرعان ما تبين للجميع أنها لجنة صورية وقراراتها غير ملزمة لأحد ، وطوي تقريرها في الأدراج .

في نهاية صيف عام 1919، قام فيصل في محاولة ضعيفة لبسط سلطته ، بتشكيل حكومة إدارية مدنية تحت رئاسته ، اسماها مجلس المديرين بدلا من اسم مجلس الوزراء ، ورغب فيصل ان تكون هذه الحكومة بديلة عن الحاكم العسكري الذي كان تحت سلطة الجنرال اللنبي ، طوال هذا الوقت.

رفض اللنبي هذه الحكومة ، وتراجع فيصل ليعلن انه مجرد مجلس استشاري ، واعلم البريطانيون فيصل صراحة أنهم سيعملون على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، وان اللنبي هو المسئول الوحيد والأعلى، وانه لا قيمة لمجلس المديرين وعندما رفض فيصل ما صرح به البريطانيون ، أعلموه ان أي مقاومة منه ستقمع بالقوة .

سافر الجنرال اللنبي إلى إنكلترا ،خريف عام 1919 ، ونصح باستقدام فيصل إلى أوربا للاتفاق معه نهائيا، وتبلغ فيصل ضرورة قدومه بسرعة وقبل السادس عشر من أيلول ، لحضور جلسات الاتفاق بين البريطانيين والفرنسيين حول سوريا ، وفعلا سافر فيصل مرة أخرى إلى مرسيليا بالبحر على متن سفينة حربية بريطانية ، ولكن السفينة أخذت تتباطأ ، ورست في مالطا بحجة الإصلاح ، وأقام حاكم مالطا برنامجا حافلا لفيصل قصد تأخيره ، وعندما وصل أخيرا إلى مرسيليا أدرك ان الأمر قد انتهى ، وكان الاتفاق قد تم توقيعه ، وعندما وصل إلى لندن لم يجد أمامه إلا الاستقبالات الفخمة المليئة بالبذخ والترف والحفلات المقامة على شرفه .

أفهم الإنكليز فيصل ان علاقته من الآن باتت مع الفرنسيين ، وأنهم سيتوقفون عن دفع نفقات الحكومة العربية البالغة مائة وخمسون ألف جنيه ذهبي شهريا ، وان قواتهم ستنسحب في نهاية عام 1919 باتجاه العراق والأردن وفلسطين ، من دمشق وحمص وحماه وحلب ، وستدخل القوات الفرنسية بدلا عنها .

 صدرت الصحف الفرنسية لتقول : يجب ان تنتهي مهزلة فيصل ، فمن هو فيصل بالنسبة للفرنسيين والسوريين ، هو رجل من قش ، صنعته بريطانيا ، فإذا أرادت ان تعطيه مملكة فلتنصبه ملكا في بغداد .

و عندما وصلت الأخبار إلى السوريين زاد الهياج العام ، وتنادى الناس إلى حمل السلاح ، ونادى آخرون بالاتصال بالقائد التركي مصطفى كمال الذي استطاع صد الحلفاء عن وطنه تركيا لطلب المعونة .

نشبت الثورات الوطنية المدعومة سراً من فيصل ، كثورة الشيخ صالح العلي في الساحل ضد القوات الفرنسية ، وقامت ثورة صبحي بركات في إنطاكية ، الذي استطاع الفرنسيون فيما بعد استمالته إليهم بعدما وعدوه بالمناصب وسلموه لاحقا رئاسة اتحاد الدول السورية ، وقامت ثورة إبراهيم هنانو في جبل الزاوية والتي مدها الأتراك بالرجال والعتاد ، وتعاونت مع ثورة صالح العلي ،كما ثار الدنادشة في منطقة تلكلخ ، وثار غيرهم من الثوار الكثير .

و حاول قائد الجيش ياسين الهاشمي وهو ضابط عثماني سابق من بغداد ، تسليح رجاله ، وأعلنت الحكومة التجنيد الإجباري، وبلغ تعداد الجيش العربي حوالي خمسة عشر ألف جندياً ، ولكن تسليحهم كان رديئا ، وكانوا أشبه بجنود درك وليسوا بجنود جيش .

قام الإنكليز ردا على إعلان التجنيد العام ، بالقبض على ياسين الهاشمي قائد الجيش العربي ، فرفعت اللافتات في الشوارع تقول لفيصل : ( أين قائد جيشك يا أمير ) ، ولم يستطع فيصل فعل شيء، فعمت الإضرابات وقامت المظاهرات .

و تحرك الأمير رمضان شلاش وهو شيخ عشيرة البوسرايا في منطقة دير الزور ، وكان ضابطا في الجيش العثماني ، فقبض على الحامية الانكليزية ، وأعلن الثورة ، فما كان من فيصل إلا ان تدخل وطلب من شلاش إطلاق الجنود الإنكليز ، وموافاته في دمشق .

انسحبت القوات البريطانية من الداخل السوري في الشهر الحادي عشر من عام 1919 ، بعد تواجد دام حوالي العام كان للإنكليز خلاله اليد الطولى في حكم البلاد بشكل مباشر ، وتعيين الحكام العسكريين وفرض إرادتهم ، وكانت سلطة الملك فيصل صورية لا قيمة لها .

بعدما خدع البريطانيون فيصل ، ومن قبله والده الشريف حسين ، المرة بعد المرة ، فكانوا ينظمون له الاستقبالات الفخمة وينفقون عليه الأموال الطائلة ، ويقسمون سورية من وراء ظهره .

و يبدو ان الامير فيصل الذي نصب ملكا لفترة قصيرة بعدها على سوريا ، كان يسعى منذ البداية إلى كرسي الملك ، متجاهلا المصالح الوطنية ، فقد غادر سوريا فورا ، صيف عام 1920 وبعد عشرين شهرا من دخولها مع قواته ، وذلك عندما دخلها المحتلون الفرنسيون ، لينصبه الإنكليز لاحقا ملكا على العراق.

و ما أشبه اليوم بالأمس ، فما زال بعض زعماء لبنان بعد مرور حوالي المائة عام ، يتقلبون في ردهات قصور فرنسا وإنكلترا والولايات المتحدة ، يتفقون مع سياسيوها بغير ما يصرحون به لمواطنيهم ، وما زال بعض زعماء العراق وفلسطين وغيرهم ، يسيرون على ذات الركب ، اعتقادا منهم ان أصحاب هذه القصور هم من سيعطونهم الاستقلال ، وينصبونهم على كراسي الحكم في بلادهم ، والنتائج معروفة ، ومن يقرأ التاريخ يعتبر .

 

المراجع :

- تاريخ سورية 1918-1920: الدكتور علي سلطان مدرس التاريخ الحديث في جامعة بروفانس بفرنسا ،طبعة عام 1987.

-تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي : أدهم آل جندي ، طبعة عام 1960

- مقررات حكومة سوريا : يوسف صادر ،طبعة عام 1933

- كفاح الشعب العربي السوري : إحسان الهندي طبعة عام 1962

- المذكرات : محمد كرد علي .

- أعمدة الحكمة السبعة : ت . أ. لورنس .

- شعاع قبل الفجر مذكرات احمد السياف : تحقيق جمال باروت .

- حلب في مائة عام : فؤاد عنتابي ونجوى عثمان .

 

 

ماذا جرى في مجلس النواب السوري ؟ ... بقلم : المحامي علاء السيد
مقالات واراء

ان الوقائع والاحاديث المذكورة ادناه ، مستندة الى احداث حقيقية ، وان أي تشابه بينها ، وبين اشخاص حاليين  ، او وقائع حالية .. هو تشابه مقصود .


بعد وفاة الزعيم ابراهيم هنانو عام 1935 - وكنت قد ذكرت في مقالتي السابقة ( دولة حلب ونوابها ) تفاصيل النضال الوطني وحالة رجال الكتلة الوطنية في تلك الفترة - اقيم حفلا كبيرا لتأبينه في الجامعة السورية ( جامعة دمشق حاليا ) وقد حضره زعماء سوريا ، وزعماء من خارج سوريا ، وهاجم الخطباء خلاله الانتداب الفرنسي بشدة.

فأغلق الفرنسيون مكاتب الكتلة في دمشق وحلب ، وقبضوا على زعمائها ، فكان ان اضرب الشعب في سورية الاضراب الشهير عام 1936 والذي طال لمدة ستين يوم متواصلة ، وامتنع الناس عن اخذ الكهرباء من شركة الكهرباء الفرنسية وعادوا لاستعمال الوسائل التقليدية في الانارة ، وقاطعوا عربات الترام وصاروا يمضون لاعمالهم سيرا على الاقدام ، واغلقت المدارس ، واقفلت الاسواق تماما.

وجنح الفرنسيون للمفاوضات ، وطلبوا من رئيس الجمهورية علي العابد تشكيل وفد من رجال الكتلة الوطنية للسفر الى باريس للتفاوض حول معاهدة لانهاء الانتداب .

وتقرر انهاء الاضراب ، وتشكل الوفد من هاشم الاتاسي النائب الحمصي ورئيس الكتلة الوطنية رئيسا للوفد ، ومن فارس الخوري المحامي الدمشقي ، وجميل مردم بيك الداهية الذي افقدته انتهازيته الشديدة ثقة الشعب فيه فيما بعد ، وسعد الله الجابري المحامي والزعيم الحلبي.

والامير مصطفى الشهابي الذي صار محافظ حلب لاحقا ، والمحامي ادمون الحمصي .

وامضى الوفد ستة اشهر في مفاوضات مضنية ، وخرجت الناس في الشوارع تردد: "هاشم بك الأتاسي، بباريس فاكر أو ناسي، أوعا تنسى مطلبنا، مطلبنا الوحدة السورية، ما تبيعوها بالكراسي".

وتم في النهاية الاتفاق على مشروع معاهدة تتلخص بزوال الانتداب واستقلال سوريا ، وان يكون هناك معاهدة سلم وصداقة وتحالف بين فرنسا وسوريا مدتها خمس وعشرون عاما ، ويجب ان يقر المعاهدة البرلمانان الفرنسي والسوري كي تنفذ ، ومن ثم يتم تبليغها لجمعية الامم لكي تقبل سوريا فيها .

ورجع الوفد الى سوريا بالقطار من باريس ، ونزل في محطة بغداد حيث استقبل استقبالا منقطع النظير .

واستعرض اعضاء الوفد الالوف من المستقبلين من على شرفة فندق بارون ، وطال الاستعراض لمدة اربعة ساعات ، ينظمهم كشافة القمصان الحديدية .

وطلبت الكتلة من رئيس الجمهورية علي العابد الاستقالة ، فاستقال فورا .

وكان ان تمت انتخابات نيابية جديدة فاز بها اعضاء الكتلة الوطنية بالاغلبية ، وكان عدد النواب خمس وثمانون نائبا جميعهم تقريبا من الكتلة الوطنية .

وتم انتخاب فارس الخوري رئيسا لمجلس النواب ، وهو في الثالثة والستين من عمره وكان من أكثر رجال الكتلة "واقعية" في التعاطي السياسي

و انتخب هاشم الاتاسي رئيسا للجمهورية السورية وهو من اكثر رجال الكتلة مثالية ، وتعينت الوزارة من جميل مردم بيك رئيسا للوزراء الاكثر دهاءا .

و سعد الله الجابري وزيرا للداخلية والخارجية .

و عبد الرحمن كيالي وزيرا للعدلية والمعارف صاحب المواقف المبدئية وشكري القوتلي وزيرا للداخلية والدفاع .

وكان من اول اعمال المجلس تصديق معاهدة التحالف والصداقة المعقودة مع فرنسا ، واصدار العفو العام عن المبعدين والذي عاد بعده سلطان باشا الاطرش والحاج فاتح مرعشي .

والدكتور عبد الرحمن الشهبندر وغيرهم من الوطنيين الى ارض الوطن .

وتولى امانة سر المجلس السيد ناظم القدسي النائب عن حلب ، والعائد حديثا للوطن بعدما درس الحقوق في الجامعة الامريكية ببيروت وفي جنيف.

وسنستعرض البعض من محاضر جلسات المجلس النيابي في تلك الفترة لنرى مستوى الحياة النيابية ، والدور الذي كان يقوم به النواب في تلك الفترة :

جلسة 31/كانون الاول /1936 :

- امين السر ناظم القدسي : سنتلو عليكم تقرير لجنة التحقيق بالطعون بتزوير نتائج انتخابات المجلس النيابي :

لقد اجتمعت اللجنة لمدة عشرة ايام وهي مدة غير كافية لاتمام التحقيق ، وتطلب اللجنة امهالها المزيد من الوقت .

النائب فائز الخوري وهو نقيب محامين دمشق و شقيق رئيس المجلس فارس الخوري : سبق وطعن البعض في نتائج الانتخابات النيابية كما حصل عام 1928 واجرينا التحقيق ، واضطررنا اخيرا للتصديق على النتائج الانتخابية ، فلقد رأى المجلس انه من الحكمة التصديق ، فالتوسع بالتحقيق لا يعطي نتيجة ، والاحزاب التي تنجح اكثريتها لا تفسخ الانتخابات التي ينجح فيها الاقلية من معارضيها ، واقترح ان تبت اللجنة بالطعون اليوم دون تأخير .

الشيخ سعيد العرفي نائب دير الزور : ان اللجنة قد اخذت على عاتقها ان تجعل هذا المجلس مبنيا على على أساس صحيح ، والنتائج تتبع المقدمات فان كانت المقدمة فاسدة فالنتيجة فاسدة ، واقترح امهال اللجنة .

رئيس المجلس : اطرح تقرير اللجنة على التصويت فمن يوافق عليه يشير برفع اليد..

فرفعت الايدي .

السيد حكمت بيك الحراكي نائب معرة النعمان : لا يجوز التصويت برفع الايدي بل يجب تلاوة الاسماء

رئيس المجلس : يكون التصويت برفع الايدي ، او بالقيام وقوفا ، او بالتصويت العلني بقراءة اسم كل نائب وسماع موافقته او عدمها ، و ادعو امين السر لقراءة اسماء السادة النواب ويجيب كل نائب بموافق او غير موافق .

و هنا تلا امين السر الاسماء واجابوا كلهم بكلمة موافق عدا نائب واحد .

- ثم تلى تقرير موقع من اربعين نائبا جاء فيه :

ان المصرف الزراعي الذي تشكل باموال المزارعين لتسهيل مصالحهم الزراعية قد اصبح بما يجبيه من فوائد باهظة مصرفا استثماريا لا يهمه الا الكسب و تأمين الاكراميات لموظفيه فاذا داوم الصرف على هذا السلوك انتقلت الثروة الزراعية من ابناء الامة الى المصرف فيرجى انزال الفائدة الى ادنى حد ممكن .

رئيس المجلس : يحال الى الحكومة للنظر فيه .

امين السر : يوجد عدة مضبطات ومعاريض موقعة من مواطنين مختلفين بطلبات مختلفة فهل نتلوها .

- رئيس الوزراء جميل مردم بيك : لا حاجة لتلاوة هذه المضابط ويكتفى باحالتها للوزارة المختصة ، فاذا كان المجلس سيستمع لكل طلب او عريضة ستجدون انفسكم امام طغيان من الاستدعاءات .

رئيس المجلس فارس الخوري : في الدستور مادة تنص على انه يحق للسوريين ان يقدموا للسلطات والمجلس النيابي العرائض المتعلقة بامورهم الشخصية او العامة .

السيد نوري الفتيح نائب دير الزور : اقترح ان تتشكل في المجلس لجنة الاستدعاءات فللمظلوم الحق ان يراجع هذه اللجنة التي تنظر في استدعاءه ثم تسأل الوزارة المختصة و تأخذ الجواب فان وجدت ان المشتكي على حق ، تعرض ذلك على المجلس .

رئيس المجلس : بعد التصويت تقرر ذلك .

الرئيس : تقدمت الوزارة بمشروع يمنحها حق اصدار القوانين خلال عدم انعقاد دورة المجلس و لمدة ثلاثة اشهر ، وسنسمع تقرير اللجنة الدارسة لهذا المشروع .

السيد فائز الخوري يتلو تقرير اللجنة : ان الامم في دور الانشاء تحتاج الى العمل السريع الحازم والادارة الناجحة ، وهذا يبرر تخلي مجلس النواب استثنائيا عن حقوقه في اصدار القوانين وتفويض الحكومة بذلك لمدة محدودة قصيرة تبلغ ثلاثة اشهر .

هذه الحكومة التي منحناها الثقة وبتنا نرجو الخير على يد رجالها ، وهم من اقدر الرجال حزما ووطنية

و اننا نقترح قبول مشروع الحكومة .

- السيد سليمان المعصراني نائب حمص : اننا نطلب ان تحدد لنا الحكومة الخطوط الكبرى لمشاريعها التي تنوي اصدار القوانين بها لكي نطمئن بعدما نعطيها ما تطلبه من تفويض .

- السيد رشدي كتخدا نائبا عن حلب والذي اسس فيما بعد مع ناظم القدسي حزب الشعب المناوئ للحزب الوطني وريث الكتلة الوطنية :

اعتقد ان طلب الحكومة في محله لما يتمتع به رجالها من ثقة ومصداقية ، ونظرا للحالة الاستثنائية للبلد والتي تتطلب اصلاحا شاملا وعملا سريعا ولكن ارجو ان تقدر الحكومة هذه البادرة ولا تكون هذه الحالة الاستثنائية دستورا تمشي عليه الحكومة في الايام القادمة .

السيد منير العجلاني وهو نائب دمشقي والمرشد العام لحركة الشباب الوطني وفرقة القمصان الحديدية وهو صهر الدكتور عبد الرحمن الشهبندر الزعيم الدمشقي المعارض للكتلة الوطنية : اننا امام مشروع نتنازل فيه عن سلطاننا و حقوقنا الى حكومة نثق بها ، و ان حق اصدار القوانين لا يمكن ان يمنح للحكومة بهذا الاطلاق ، لان هذا العمل انتحارا والاجدر بنا ان نعلن انحلال المجلس اذ لا فائدة منه .

فاذا اردتم ان تمنحوها صلاحيات لتكن محددة و واضحة .

- رئيس المجلس: لا تترددوا في اعطاء الحكومة حق اصدار القوانين لمدة ثلاثة اشهر فقط، و بعدها سيجتمع المجلس ونقر اعمالها او نفسخه .

واذا كنا لا نريد ان نعطي الحكومة حق اصدار القوانين فالاولى بنا ان لا نعطيها الثقة .

السيد جميل مردم بيك رئيس الوزارة : ان الحكومة لم تتقدم اليكم بهذا المشروع حبا في شهوة الحكم ، انما تقدمت به للمصلحة العامة ، وبالنسبة لتحديد المشاريع التي ستصدر الحكومة بها القوانين فلا يمكن تجهيزها في بضعة ايام .

السيد سعيد العرفي نائب دير الزور : نطلب من الحكومة ان تكون قوانينها مستمدة من روح الشعب و ان لا تكون ذات ذيول واذناب .

السيد رشدي كتخدا : لقد بحث النواب الكرام هذا الموضوع مليا ، واطلب ان يوضع اقتراح الحكومة على التصويت فاما ان يقبل او يرفض .

وهنا تلى امين السر الاسماء فردا فردا ، فوافق عليه الجميع .

ورفعت الجلسات الى ما بعد ثلاثة اشهر موعد الدورة الثانية .

وعندما افتتحت الجلسة التالية بادر السيد رشدي كتخدا نائب حلب قائلا : سادتي الوزراء لقد تقرر بالاجماع منحكم حق اصدار القوانين ، وقد مضت اربعة اشهر على ذلك دون ان نرى أي عمل او اصلاح يشعر الامة انها انتقلت الى عهد جديد ، و هاهي دوائر الدولة لا زالت تغص بالموظفين الذين لا يتورعون عن عرقلة اعمال الحكومة الوطنية .

السيد فخري البارودي نائب دمشق :ان رئيس الوزارة كان قد وعد باحالة بعض الموظفين السابقين للمحاكم وانا ارجو منه ان يبر بوعده ، ويضرب بيد من حديد على ايدي الموظفين اللذين يضعون العراقيل في سبيل تقدم هذه الامة .

السيد ابو الهدى الحسيبي :لا تخلو وزارة من جماعة شاع سوء تصرفهم ، وهناك منهم من اشتهروا بسوء اخلاقهم حتى ضج منهم الناس ومن استعمال نفوذهم في استباحة المصونات ، وقد اعطى مجلسنا الوزارة اوسع السلطات فهل استعملتها للتخلص من شر هؤلاء .

السيد وهبي العجيلي : ما دامت الخزينة بحاجة ، والعامل وصاحب الشهادة بلا عمل ، والتجارة على شفا جرف ، والمزارع منهوك القوى ، والحدود مهددة ، مطموع بها ، وفوق ذلك لا زال الكثير من المعاول الهدامة متربعين على كراسي الوظائف يمتصون دماء الامة وينتقمون من ابنائها فماذا فعلت الحكومة .

السيد عبد القادر رحمو الشهابي نائب الباب : اطلب نقل قائمقام الباب المعروف بافعاله الكثيرة غير المرضية ، فقد حبس السيد عبدالله النجار خمسة ايام بشكل غير مشروع ، ولم نعهد في القانون ان القائمقام له صلاحية حبس الناس ، فلماذا المحاكم اذا ....

و ان الوطن السوري واحد ونقله الى مكان آخر مصيبة للامة ايضا ، لكن نقله اهون الشرين .

الرئيس : يحال الطلب الى لجنة الداخلية .

نائب حلب السيد هرانت سلاحيان : ان موظفي العدلية من قضاة وغيرهم ، لا يوجد لهم وقت محدد لرؤية المحاكمات وقبول المراجعات ويحضر المواطنون ويستنظرون امام باب المحكمة لساعات ، والدعوى الصغيرة تمر عليها السنين دون بت واقترح ان تكون المدة الاجبارية لحسم الدعوى التي من نوع القباحة ( المخالفة ) لزوم حسمها خلال شهر واحد ، والجنحة خلال ثلاثة اشهر ، والجناية خلال ستة اشهر .

اما الدعاوي المتعلقة بالاموال ، فالتي يدور النزاع فيها حتى خمس وعشرين ليرة خلال شهر ، ومن خمس وعشرون حتى مئتا ليرة خلال ثلاثة اشهر ، وما فوقها خلال ستة اشهر ، وعلى ان تقدم المحكمة اسباب التأخير في حال حصل ، ويكون مسؤولا امام القانون من سبب التأخير .

الرئيس : يحال الى لجنة العدلية .

السيد جميل مردم بيك رئيس الوزارة : نعرض عليكم مشروع الموازنة للاطلاع عليه ومناقشته .

السيد منير العجلاني : بعد تدقيق المشروع الذي تقدمت به الحكومة اقول ان هذه الموازنة يا سادتي ليست موازنة دولة حديثة .

فانكم تبحثون فيها عبثا عن الاموال التي اعتمدت للتجارة وللصناعة وللاعمال فلا تجدون شيئا، اما الزراعة فانها تنتحر .

فالضرائب لم تزل هي هي ، ودوائر الحكومة كما عهدناها ، مثل ذلك كمثل صاحب مطعم غير قائمة الطعام وبقي طعامه كما هو .

لقد كنا ننتظر تطهير الحكومة من الموظفين العاجزين فلم تفعل ، وقد قام احد الاحزاب في الخارج بجعل شعاره المكنسة ليكنس الوسخ من المؤسسات فليكن شعارنا ( كنس كل الاوساخ ) .

اما الوظيفة والموظفون فهي في بلادنا كالمقاهي يدخلها من اراد، ولا ادري ما يمنع الحكومة من تسريح بعض الموظفين ، وهيئة الموظفين تشبه السمك اول ما يفسد فيه هو الرأس ، فراقب الرؤوس وارم بالفاسد الى الارض .

اما انت يا سيدي وزير المعارف فلقد قلت انك تشتغل في وضع مناهج التعليم واقول لك اننا نحتاج الى العلم ، ولكننا بحاجة اكبر الى الاخلاق فلا يمكنك ان تعهد بالتعليم والتهذيب الى رجال لم يعرفوا بالتهذيب ، اما الزراعة فهي مقياس رقي الامم والفرق بين العصور القديمة والعصور الحديثة انه كانت هناك قديما سنوات سمان وسنوات عجاف ، اما في العصر الحديث فقد استطاع الانسان تخزين المياه بعد حفر الابار وانشاء قنوات الري ، ويخيل الي اننا ما زلنا في العصر القديم لان السنوات العجاف لا تفارقنا .

اما العمال فمن يتعهدهم ، ففي الدول المتقدمة وزارات مخصوصة لا شغل لها الا العناية بالعمال والعاطلين منهم وتلتمس لهم شغلا وتساعدهم بالمال وتصلح من نظام معيشتهم .

اما الضرائب ، فلا يجوز للدولة ان تنتزع من فم الرجل لقمته المغموسة بالدم ، بل يجب عليها ان تترك ما يكفيه لمعيشته ثم تأخذ مما يزيد على حاجته .

رئيس الوزراء جميل مردم بك : ايها الاخوان انني اعرف ان الوقت محدود ، و لا يمكن ان نطلب من المجلس النيابي كل شيء ، وبالمقابل لا يمكن ان نطلب من الحكومة كل شيء .

الامة وضعت ثقتها بكم ، وبدوركم وضعتم ثقتكم بنا ، لا اريد ان ادافع عن سياسة الحكومة ، ولا ان اطلب ثناءا على اعمالها ، ولكنني اريد ان يحكم على اعمالها بنزاهة ، لان النقد النزيه يصلح الامر .

واريد ان اقول كلمة الى بعض اخواننا النواب : ان النيابة هي عبء ثقيل ، ومن واجب النائب ان يفكر بأن هدفه الصالح العام ، وليس تحقيق اغراضه الشخصية ، ولا يجوز للنواب استعمال نيابتهم في تحقيق اغراضهم الشخصية ، وشكايات كثيرة تصلنا وتنم عن بعض التدخلات الشخصية واقول ان الحكومة واقفة بالمرصاد لكل من يشذ عن القانون .

فإني ارجو بعض اخواننا النواب ولا اقصد جميعهم ، رجاءا حارا بأن يقوموا بواجبهم في خدمة المصلحة العامة حتى النهاية ، والسلام عليكم .( تصفيق حاد )

ونعود الى مجريات المعاهدة المبرمة عام 1936 والتي ماطل الفرنسيون في ابرامها وصرح وزير الخارجية الفرنسي في النهاية ، وبعد عامين من المماطلة ، بأن الحكومة الفرنسية لا تنوي ان تطلب من البرلمان الفرنسي تصديق المعاهدة .

وردت حكومة مردم بأن ارسلت مذكرة الى المفوض السامي ، قالت فيها ان الحكومة ستأخذ السلطات من دولة الانتداب ، وانه لا توجد صفة قانونية لقرارات المفوض السامي .

وتأزمت الامور ، وطلب المفوض السامي من الوزارة سحب مذكرتها ، فرفضت وقدمت استقالتها ، وتعينت حكومة جديدة لم تلبث بعد شهر ان قدمت استقالتها ، وعقدت جلسات المجلس النيابي تحت طوق عسكري فرنسي ، فلم يستطع اغلب النواب الوصول للمجلس ، ورفض اغلب النواب الدخول في وزارة جديدة قبل تبين الموقف الفرنسي ، وعندما تبين الجميع رفض الفرنسيين النهائي لتصديق المعاهدة ، ثم جرت عملية سلب لواء الإسكندرونة من سوريا وأٌعطي لتركيا بموجب معاهدة أبرمها الفرنسيون مع الأتراك، فاستقال رئيس الجمهورية هاشم الاتاسي في عام 1939 .

ورد المفوض السامي الفرنسي بأن اوقف العمل بالدستور السوري ، وحل مجلس النواب ، وعين مجلس المديرين العامين بدلا عنه .

وقد يكون اقتراب نذر الحرب العالمية الثانية التي قامت بعد شهرين من استقالة هاشم الاتاسي، هو السبب الاكبر في منع قيام انتفاضة وطنية .

من المساهمات

المراجع :

فارس الخوري حياته و عصره للدكتور جورج حداد

محاضر جلسات مجلس النواب ، الجريدة الرسمية .

السياسة السورية و العسكريون ، جوردون توري .

مذكرات اسعد كوراني .

الصراع على سوريا ، باتريك سيل


http://bsam.4t.com/
   Report 
   04-26-2008, 02:33 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
سورية في عهد الملك فيصل ج 3 ..النهاية ..... بقلم : المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

ذكرنا في الجزء الأول من مقالنا أحداث إعلان استقلال سورية وتنصيب فيصل ملكا عليها وعمل الحكومات الوطنية الجاد للنهضة بأحوال البلاد وذكرنا في الجزء الثاني عمل رجال المؤتمر السوري على وضع دستور حضاري لتنظيم الحكم في البلاد


وردود فعل الفرنسيون وحشدهم لقواتهم على الساحل بقيادة غورو واستعدادات الوطنيون للدفاع عن بلادهم بعدما لم يجدي قبول فيصل لبنود إنذار غورو في منع الزحف الفرنسي ....و نتابع الأحداث ...

ذكر الغزي أنه في حلب وفي غياب معظم الزعماء الوطنيين المشاركين في المؤتمر السوري والمقيمين في دمشق وقتها ، عقد أعيان المدينة في محلة العزيزية اجتماعاً ، وأرسلوا إلى الجنرال دولا موت بعدما تقدم بجيوشه من جرابلس وتمركز قرب حلب في منطقة المسلمية ، للقدوم واستلام حلب بلا قتال .

 تحركت القوات الفرنسية باتجاه حلب واحتلتها في 23 تموز 1920 ، وعينت حاكما عليها الوالي كامل باشا القدسي الذي كان يبلغ من العمر ثلاثة وسبعون عاما ، وهو من الضباط العثمانيين السابقين ، والذي ما لبث ان استقال لاحقا ، ثم توفي عام 1925.

أما في دمشق فقد أعلن الوزير يوسف العظمة : ( يجب ان نموت شرفاء ) ، وقال مقولته المشهورة: "لئلا يسجل التاريخ بأن قوات الاحتلال الفرنسي دخلت دمشق دون مقاومة اسمحوا لي أن أذهب لأموت" وأوصاهم بابنته الوحيدة الطفلة ليلى التي قدمت من الآستانة قبل اسبوعين مع أمها التركية ، ويروي ساطع الحصري في مذكراته ان الملك فيصل كان يدفع لها راتباً شهرياً حتى آخر أيامه .

و في صباح 24 تموز 1920 وبعد مرور عشرة أيام على إنذار غورو ، جمع يوسف العظمة من تطوع من رجال الجيش المنحل ، مع الأهالي ، وبلغ عددهم حوالي الثلاثة آلاف رجل مع أسلحتهم البدائية ، وكان مع المجاهدين مائتين من رجال العشائر ، وتصدى للجيش الفرنسي بقيادة رئيس الحملة الجنرال غوابيه والبالغ ثلاثين ألف جندي مجهز بالدبابات والمدافع والطائرات والرشاشات ، في معركة ميسلون البطولية المعروفة .

و قد صرح رئيس الحملة الفرنسية لاحقا ان العظمة خصم لا يستهان به ، وعرف كيف يختار مكان دفاعه وحصنه أحسن تحصين .

و كان الشيخ نوري الشعلان زعيم الرولا من عشيرة عنزة ،و الذي شارك مع الجيش الفيصلي في تحرير بلاد الشام من العثمانيين ، قد تعهد بإرسال رجاله للمشاركة في المعركة وعددهم بالآلاف ، فلم يفعل ذلك ، وقامت عصابة من الخونة يتزعمها المدعو حسين الشماط بالسطو ليلا على أسلحة الجناح الأيمن لجيش المجاهدين فلم يشترك في المعركة .

و تعرض الجناح الأيسر للجيش للخيانة ، فقد قام رجال المدعو أبو داوود وهو من زعماء قرية حلوى ، المجاورة لميسلون ، بالانضمام إلى الجناح الأيسر للمجاهدين ، ثم فجأة الانسحاب وإطلاق النار على المجاهدين من الخلف .

و حمل يوسف العظمة بندقيته وقاتل في الصفوف الأولى للمجاهدين ، وصمدت القوات العربية حتى نفذت الذخيرة فتقدمت القوات الفرنسية وقامت دبابة بإطلاق النار على يوسف العظمة فأردته قتيلا ، وهو أول وزير دفاع عربي يقاتل بنفسه في الصفوف الأولى ويستشهد أمام جنوده ، وهو الضابط الوحيد الذي استشهد من ضباط الجيش العربي في تلك المعركة .

قصفت الطائرات والدبابات والرشاشات الفرنسية المجاهدين بعنف ، وبعد ثمان ساعات ، انتهت المعركة واستشهد فيها ألف وخمسمائة مجاهد ، وقد استعمل الفرنسيون السلاح الأبيض لذبح المجاهدين الجرحى ، واعترف الفرنسيون بمقتل اثنين وخمسين جنديا فرنسيا ومائتي جريح بينهم ثلاثة ضباط ، وشارك مع الجيش الفرنسي جنود مراكشيين وجزائريين وسنغال.

و انتظر غورو إلى صباح اليوم التالي للمعركة ، ثم دخل دمشق محاطا بأبهة كبيرة على رأس جيش استعراضي ، وقام بعض الخونة بفك الخيول عن عربته وجروها على أكتافهم ، ابتهاجا بقدومه ، ثم توجه غورو إلى قبر صلاح الدين الأيوبي في المسجد الأموي ، ليعلن كلمته المشهورة ( ها قد عدنا يا صلاح الدين ).

 أما الجنرال غوابه قائد الحملة ، فقد ذكر في مذكراته التي نشرها لاحقا في مجلة ( جيوش الشرق الفرنسية) أن جده الأكبر شارك في الحروب الصليبية وقد أسره العرب ، وأمضى في دمشق ثلاثة سنوات في الأسر ، ثم استطاع الفرار والعودة للجيوش الصليبية ، وان العدالة العليا هي التي سمحت لحفيده ان يدخل بعد ثمانمائة سنة ، دمشق ظافرا منصورا .

 وفي  25تموز 1920 ، وهو ذات يوم دخول غورو لدمشق ، أمر الملك فيصل بتشكيل وزارة عُرف أغلب أعضائها بصداقتهم لفرنسا ، وتشكلت وزارة برئاسة علاء الدين الدروبي وكان رئيس مجلس الشورى عبد الرحمن اليوسف ووزير الحربية جميل الالشي .

 قام قائد الحملة الفرنسية الجنرال غوبه ، بإعلان تجريد فيصل من سلطة الحكم ، وطلب منه مغادرة سوريا ، وأعلن الاحتلال غرامة حربية تجمع من مواطني سوريا ، قدرها مائتا ألف دينار سوري ذهبي ، كانت حصة دمشق أربعين ألف دينار ومثلها حصة حلب .

و بعد ثلاثة أيام ، في 28 تموز 1920 غادر الملك فيصل دمشق باتجاه درعا ، وهي مفترق طرق سكك حديدية ، واحتار بين ان يتجه جنوبا باتجاه الأردن والحجاز بلاد أباه وأخوته ، او غربا باتجاه البحر ، للسفر إلى أوربا .

ثم قرر بعدما هدده الفرنسيون بقصفه بالطائرات في حال بقائه في درعا ، ووزع فيصل مبلغ سبعمائة ليرة ذهبية هي آخر ما يملك على الرجال اللذين احتشدوا لتوديعه ، وتوجه غربا نحو حيفا الواقعة تحت السلطة البريطانية ، ثم نحو الميناء المصري بور سعيد ، وكان معه من الوزراء ساطع الحصري وإحسان الجابري ، وعبروا البحر جميعاً باتجاه ايطاليا ، رغم ان فيصل صرح سابقا أمام الجماهير : ان غايته من الثورة استقلال الأمة العربية فأما ان يبلغ هذه الغاية او يموت دونها .

و بعد خمسة أيام ، في 3 آب 1920 أصدر الفرنسيون قراراً بجمع السلاح من الأهالي ، وفرضوا على دمشق تسليم تسعة آلاف بندقية ، ونص القرار ان من تضبط لديه بندقية لم يسلمها يغرم بمبلغ خمسين دينار ذهبي سوري ، وان من يشي عن وجود بندقية مخبأة عند غيره ، يكافىء بمبلغ عشرون دينار .

و قبل إخراج الدينار الذهبي السوري للوجود ، وفي 12 آب 1920 صدر قرارا بوقف العمل بالإصدار ، وكان قد صدر احد عشر دينارا فقط ، وتقرر الاحتفاظ بها بالمتحف .

و صدرت العملة السورية الورقية من البنك السوري الذي أوجده الفرنسيين ومقره بيروت ، من فئات غرش وخمسة غروش وعشرة وخمس وعشرين وخمسين غرش ، وليرة واحدة وخمس ليرات وخمس وعشرين وخمسين ومائة ليرة واستعملت سورية ولبنان ذات العملة الورقية لسنوات.

و في هذه الأيام تبلغ قيمة الليرة السورية الورقية الواحدة - إصدار عام 1920 - لدى هواة جمع العملات ، مبلغا قد يصل الى خمسين ألف ليرة سورية .

 وتقرر انه اعتبارا من الأول من كانون الثاني 1921 تصبح العملة السورية الورقية وحدها المقبول بها ، وجمع الفرنسيون من سوريا بفضل هذا القرار عشرون مليون ليرة عثمانية ذهبا ، وملايين الريالات الفضية ، وأبدلوها بأوراق نقدية لا يمكن استبدالها بالذهب في حال تمت مراجعة المصرف الذي أصدر العملة .

و أعلن رئيس الوزارة علاء الدين الدروبي إنزال العلم السوري ذو النجمة البيضاء ، وإعادة الراية العربية مؤقتا ، لحين اختيار علم جديد لسوريا سيرفع لاحقا ولونه ازرق سماوي وفي وسطه دائرة بيضاء وفي زاويته العلم الفرنسي ، وأعلن عن حل المؤتمر السوري ، واعتباره كأن لم يكن .

في 21 آب 1921 أعلن الفرنسيون إنشاء دولة جبل لبنان الكبير الذي يسكنه تاريخيا الموارنة ، وقد وسعت هذه الدولة على حساب الأراضي السورية بعدما كانت محصورة بجبل لبنان فقط ، فضمت مجموعة من الاقضية التابعة تاريخيا لسوريا ، وهي بيروت وبعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا ومرجعيون وطرابلس وصيدا وصور ، وحرمت سوريا بذلك من ميناءي طرابلس وبيروت على البحر.

و في ذات اليوم أُعلن عن انفصال حكومة حلب عن حكومة دمشق ، وأُعلن قيام دولة حلب برئاسة كامل باشا القدسي الذي استقال لاحقا ، ثم خلفه عليها مصطفى برمدا، وحدودها الجنوبية تصل إلى ما بعد خان شيخون ،.

ثم أعلن الفرنسيون قيام دولة على الساحل السوري وعاصمتها اللاذقية ، ثم أقيمت لاحقا دولة جبال الدروز ، وكان لسنجق اسكندرونة ( لواء اسكندرون ) وضع خاص ، منحت بموجبه الأقلية التركية نظام إداري خاص .

و تعاونت حكومة الدروبي مع الفرنسيين بكل طاقتها ، حتى لقي رئيسها علاء الدين الدروبي وزميله عبد الرحمن اليوسف جزاءهم العادل ، فقد قضوا ذبحا في محطة قطار قرية خربة غزالة في حوران ، على أيدي الوطنيين الشرفاء ، فقامت فرنسا انتقاما منهم بقصف القرية وتدميرها.

لقد قامت المملكة السورية المستقلة لمدة أربعة أشهر وعشرون يوما فقط ، من 8 آذار 1920 وحتى 28 تموز 1920 ، عمل الوطنيون خلالها على تحقيق أحلامهم بالاستقلال والاتحاد والتعريب والتعليم لرفع شأن وطنهم ، وعمل الملك فيصل خلالها على محاولة تحقيق أحلامه أيضا ، ولكن القدر والبريطانيين والفرنسيين لم يسمحوا لهم بذلك ، واتجه رجال سورية الوطنيون إلى الثورة المسلحة ، وهبوا للقيام بالثورات السورية في كافة المناطق ، واتجه فيصل لأوربا ليعمل على ان يسلمه البريطانيون ملكية العراق لاحقا ..

 

المراجع :

-  الإيضاحات السياسية ، غالب العياشي طبعة عام 1954

-  مقررات حكومة سوريا : يوسف صادر ،طبعة عام 1933

- تاريخ سورية 1918-1920: الدكتور علي سلطان مدرس التاريخ الحديث في جامعة بروفانس بفرنسا ،طبعة عام 1987.

- يوم ميسلون : ساطع الحصري

 

 

الحلبيون يتكلمون السوريانية ..!!!! بقلم المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

تعلمنا في المدارس أن سكان بلادنا العربية كانوا يتكلمون العربية الفصحى في العصور العربية الإسلامية الذهبية ، و نتيجة لعصور الانحطاط ، و خاصة خلال الفترة العثمانية تدهورت اللغة المحكية ، فأصبحوا يتكلمون بلهجة عامية ، هي اللهجة التي نتكلمها حاليا .


فان تعلم أحدنا ، صار يتكلم بلغة وسط بين الفصحى و العامية ، و في حالات محدودة بلغة فصحى سليمة ، و إن كان جاهلاً كانت لغته عاميةً ، بعيدة عن الفصحى .

و يتميز أهل حلب بلهجة عامية خاصة ، بدأت المسلسلات التلفزيونية السورية تحتضنها ، و تلقى هذه اللهجة رواجا ، و تعتبر لهجة طريفة ، حيث يضحك أبناء المحافظات الأخرى من الكلام الحلبي ( الغميق الجواني ) الذي لا يفهمونه أبدا .

 و العجب من أين جاءت مفردات هذه اللغة العامية ، و الجواب المعتاد أنها من المفردات التركية التي سادت أثناء الفترة العثمانية ، و التي شوهت الفصحى ، و آلت إلى ما صارت إليه لغتنا المحكية .

و الواقع ان بعض المفردات التركية ترد فقط في لغتنا العامية ، و هي محدودة ظاهرة ، و لا يمكن أن تكون جميع مفرداتنا العامية قادمة من التركية .

 و من كتاب يحمل عنوان ( لغة حلب السريانية ) للمطران جرجس شلحت ، و كتاب ( لغة السوريين لغات ) لمؤلفه سمير عبده ، تبين أن الكثير من المفردات التي نستعملها في لغتنا اليومية هي مفردات سوريانية ، و تبين أن أهل حلب جميعا يتكلمون تعابيراً ولدت نتيجة التزاوج بين اللغة العربية و اللغة السوريانية ، و يستعملون الكثير الكثير من مفرداتها دون أن يعلموا .

و سعدت أن اللغة السوريانية ليست حكرا على أهالي معلولا ، على الرغم من أن أهالي معلولا يتكلمون سوريانية صافية غير مختلطة مع العربية ، و لكن لا بأس فهذا يمنح لهجة أهالي حلب نكهة تاريخية خاصة ،تجعلها لهجة تختلف عن اللهجات السورية الأخرى .

 

و على سبيل الطرافة إليك نصاً يتكلمه الحلبيون يومياً في تعاملاتهم ، و أغلبه باللغة السوريانية باللهجة الحلبية مع القليل من التعابير العربية :

( أول ما جهجه الضو ، اجا يوسف ليشطف البيت ، منشان البق ، سكّر باب الصئاء ، شلح الشحاطة منشان ما يجقجق ، و جرجر الكراسي و أصيص الزريعة ، تكتك شلون بدو يشطف ، بحبش شوي ، دندل الزنبيل و شقل المي من الجب ، سخنا عالنار لبقبقت و بربقت ، و كتا بالحوش الجواني بالطاسة لانو ما عندن قسطل و صهريج و خرطوم ، و دعك الارض منيح من الزفر لانو دبقة ، فك الكمر ليترحرح و شلح الشلحة ، منشان ما تتشحور ، و شلفا وراه ، و فشّخ فوق المي ، و دقّر شوي ، و بعدين نط ، تفشكل بكومة دف ، و انطبش جواتا، طبشة قاتولية ، و انجرحت ايدو واوا ، حشّك ، و بعق و جعّر آخ يا يامو ، يا يابو ، اجت امه و بإيدا الطواية و الشمشاية ، و قالتلو يي يي ، ليش عبتحركش و تنكّش ، متل البوبو ،كنت امسوك الدربزون ، اش معمصة عيونك و مفشفش ، بروك عالبرطوش ، و تلقح عالزيق ، و حاج تطرطق و تفرتّك ، دحتّه دحة ، و جابت لو شقفة شرشوطة و ربطتا ، بعد ما خسلتا بالمي ، و طرطشت تنورتا ، و قالتلو قوم تغندر ، هادا كلو لقش و لعي سورياني حلبي )

 

و طبعا النص مفهوم تماما لأهل حلب ، و هو يعني :

عند طلوع الضوء و إشراق الصباح ، أراد يوسف أن يغسل بيته لوجود الناموس ، أغلق باب الدار ، و خلع حذائه لئلا يدوس فوق الماء و يلوث الأرض ، و أزاح المقاعد و أحواض الزرع ،خطط طريقة الغسل ، بحث قليلا ، و رفع الماء من البئر ، و قام بتسخينها حتى تعالى صوت غليانها و صبها في ارض الدار بالوعاء ، لعدم وجود خزان ماء و أنابيب في منزلهم ، و حف الأرض المتسخة و الدبقة ، وخلع حزامه و لباسا يرتديه و رماه خلفه ، خشية أن يتسخ بالهباب الأسود ، ليكون لباسه فضفاضا، ثم تمهل قليلا و بعدها قفز فوق الماء ، فتعثر بكومة أخشاب ، و سقط سقطة أليمة و جرحت يده ، شتم و نادى : يا أماه يا أبتاه ، فجاءت أمه و بيدها وعاء الطبخ و ملعقة كبيرة ، و قالت : واه ، لماذا تبحث بين الأغراض مثل الأطفال الصغار ، كان يجب أن تمسك بالسور الحديدي ، و هل عيناك مغمضتان و قواك ضعيفة ، اجلس على عتبة الباب و تنحى جانبا ، و ضربته ، وجلبت له قطعة قماش و ربطتها بعد غسلها بالماء ، و تناثر الماء فأصاب رداءها ، و قالت له هيا قم فامشي متبخترا ، كل هذا الكلام باللغة السوريانية الحلبية.

 

و الفرق واضح بين التعابير الواردة في النص الأول و الواردة في النص الثاني الشارح لها ، فأغلب الكلمات في النص الأول هي كلمات سوريانية بلهجة حلبية ، يتداولها الحلبيون دون علمهم بذلك .

 

و في هذه الايام يُنظر لمن يستعمل هذه الالفاظ شذراً ، مع أنها ألفاظ متحدرة من لغة قديمة عريقة ، عمرها ألاف السنين .

و هي اللغة التي كانت سائدة قبل الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام ، و قد تمازجت و اختلطت مع اللغة العربية الفصحى ، فكانت لغة الشعب ، بينما كانت اللغة العربية الفصحى هي لغة رجال البلاط و رجال الدين و العلماء و الشعراء.

و أخيراً ان اللغة السوريانية عمت و انتشرت ، و تكلم بها المواطنون العموريون و أحفادهم الآراميون و جيرانهم الكنعانيون و فرعهم الفينيقيون ، و اخوتهم الآثوريون و منهم الكلدان و العقادون ( الاكاديون ) ، و وصلت الى بلاد الاقباط في مصر الحالية .

 تكلموا جميعا بلهجات مختلفة ، و لكن بلغة واحدة .

 

و تكلم بها المواطنون السوريون تحت الحكم الفارسي ، فدخلت مفرداتها اللغة الفارسية ، و اخيرا تمازجت هذه اللغة مع اختها العربية ، و نتجت اللغة التي تسمى عندنا بالعامية ، لان عموم الناس تتكلم بها .

وإنني فضلت أن يلفظ الاسم ( السوريانية ) بدلا من اسمها المتعارف عليه حاليا ، و هو ( السريانية) لأنني اعتقد أنه الأصح و الأقرب لاسم سوريا ، الذي سأفرد له ، لاحقا ، بحثا كاملا عن اصل التسمية و تاريخها .

 

الحلبيون يتكلمون السوريانية.. ج 2 .. بقلم : المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

كان سكان حلب قبل الفتح الاسلامي ، سوريانيون ، يتكلمون اللغة السوريانية ، التي تعتبر ابنة الارامية ، هذه اللغة التي تكلمها السيد المسيح ، وهي لغة الانجيل ، والتي انتشرت جغرافيا فتكلمها اهل بلاد الشام وبلاد الرافدين واهل بلاد النيل ( مصر الحالية ) وتكلمها الفرس في فترة من الفترات ، وتعتبر هذه اللغة تؤام اللغة العربية .


وصمدت هذه اللغة امام لغات الغزاة الفرس واليونان والروم لبلاد الشام ، ولكن بعد الفتح الاسلامي تضاءل استعمال هذه اللغة واقتصرت على قرى محدودة كمعلولا وجبعدين ، وعلى رجال الدين من الطائفة السريانية في الكنائس ، وبقيت بقاياها في الكلام الذي يتناقله الناس في حياتهم اليومية .

وكنت قد عرضت في مقالتي السابقة ( الحلبيون يتكلمون السوريانية ) لنص كامل يتضمن الفاظا يتداولها الحلبيون يوميا دون ان يدروا بأنها سوريانية .

واورد في مقالتي هذه نصا ثانيا اغلب كلماته سوريانية ، وفقا للمعجم السورياني ، وهي الكلمات التي وضعت بين قوسين :

ـ قام يوسف ليلبس ، (بحبش عالتاسومة واكلت معو ) الشغلة نص ساعة ، وما لاقى غير (الاسكربينه ) ، (بعق ) لأموا : صاير منظري (هردبشت ) ، و(عبيتمقلسوا ) علي رفقاتي ، ما (عبتطسي ) منظري .

ـ قالتلو امه : حاج (تنق ) ، (التوك ) منك ، مو من رفقاتك ، بدك ( تتبهنك و تتبهور وتجخ ) وانت لسا (تلميذ ) ، بقا لما تصير (زلمه ) اش بتساوي ، ( انجوق ) رفقاتك وحاج ( تكر وتتسهسك ) معون ، (الصوج ) علي عطيتك وج ، استنى شوي ( بلكي ) بنزل بسوم لك ( كلاش ) ، مفكر حالك (حربوق ) ، خرج تشتري لحالك ، ( أشكرة ) بيضحكوا عليك ، أصلا مبين (طشم ، وتنح ) .

(ردحلا ) وقال : (اتاري ، عبتخاوزي ) بيني وبين اخواتي البنات ، هنن بس ، بتاخدين (تش وبتزوزقين ) ، (مرستقين ) حالكون مع بعض ، بدي اشكيك لابوي .

قالتلو : حاج (تأنكل وتضرب عونطا وتفسفس ) لابوك ، ( اصطفل ) ، بدي اقولو عبتشرب ( تتن ) ، وانو القصة (كيت كيت ) .

قام ( تعشبق ) فيا ، و( غبق ) ، و( مجق ) ايدا ، و(شلح ) تيابه و( زتون ، وتكمكر ) ، وقالا : دخيلك والله ( بسرجلني ) .

وهذا النص مفهوم تماما للحلبيين وسوف اشرح بعض الكلمات التي وردت فيه بالفصحى لنلاحظ الفرق :

التاسومة والاسكربينة : من انواع الاحذية .

اكلت معو : أي استغرق .

هردبشت : معدوم الاناقة .

عبيتمقلس : يسخر .

عبتطس : ترى .

التوك : الخطأ.

تتبهنك و تتبهور وتجخ : تسرف في الصرف وتتظاهر وتنفق بلا طائل .

انجوق : دع .

عبتخاوز : تنحاز لجهة دون اخرى .

مرستقين : اموره مضبوطة ومستقرة .

مجق : قبل من القبلة .

اما اسم مدينة حلب فهو اسم سورياني بحت و يعني المدينة البيضاء ، فكلمة حلب تعني الابيض بالسوريانية .

وينفرد السوريانيون بتسمية الحليب حليبا بسبب بياضه ، بينما نرى ان بقية البلدان العربية تسميه لبنا .

وبما ان حلب مميزة بالحجارة الكلسية البيضاء ، فقد سميت المدينة البيضاء .

اما كلمة الشهباء فهي كلمة عربية اضافها العرب الى اسم حلب ، و شهباء تعني الابيض بالعربية ، وذلك بقصد تفسير معنى كلمة حلب السوريانية .

والرواية المشهورة أن إبراهيم الخليل عليه السلام كان لديه بقرة اسمها الشهباء ، وكان يجلس في قلعة حلب ، ويقوم بحلب البقرة فينادي الناس ( حلب الشهباء ) ، ويتسابقون لشرب حليبها ، وهي رواية مهزوزة ، لا دليل تاريخي لها .

فلا يمكن أن يسمي إبراهيم الخليل بقرته الشهباء ، وهو كما يجمع المؤرخون لم يكن يتكلم العربية ، وإنما الآرامية أو السريانية .

ومن الأسماء ذات الاصل السورياني ، والتي تحملها العائلات الحلبية الحالية :

برمدا : وتعني الابن الشارد او ابن المدى ، و داديخي : وتعني العم ، وقطريب : وتعني ابن زوج المرأة ، وصلاحية : وتعني الصحن الفخار الكبير ، وعويرة : تعني المعبر ، ومارتيني : مار تعني السيد و تيني هو التين أي سيد التين ، وقرداحي : تعني الحداد الذي يتعامل مع الحديد والاسلحة من سيوف وغيرها ، وكيروز أو قيروز : تعني الواعظ ، ونوفل : تعني الهابط ، وشحرور : تعني الأسود ، وجوبي : من يعمل بالآبار والجباب ، والشياح : من يعمل بالتذويب ، وتوما : من التؤام .

ومن الاحياء القديمة في حلب والتي تحمل اسماءا سوريانية :

يقول الحلبيون ( بحسيتا اللي ما نسيتا ) ، وبحسيتا هو اسم حي مشهور لدى الحلبيون ، كانت فيه دور البغاء المرخصة رسميا ، والتي ألغي ترخيصها في خمسينيات القرن الماضي ، ونقلت إلى حي الجورة في دير الزور وقتها .

ويوجد حالياً لوحة رخامية جديدة معلقة في مدخل حي باحسيتا ، تهدف الى شرح مصدر التسمية ، وتقول هذه اللافتة أن سبب التسمية يعود الى شخص اسمه ( سيتا ) باح بسر ما ، فسمي الحي ( باح سيتا ) .

وهذا خطا فادح ، فحسيتا بالسوريانية تعني المغفرة والطهارة ، و با تعني بيت ، ويكون معنى الكلمة ( بيت الطهارة والمغفرة ) ، ويبدو أن معبداً أو مكانا مقدسا كان في ذلك الحي ، و لذلك سمي بهذا الاسم حينها .

أما حي بانقوسا فهو بالسوريانية بيت الناقوس ، والناقوس هو جرس الكنيسة ، ويبدو أن كنيسة كانت موجودة هناك فسمي الحي بهذا الاسم ، على خلاف بعض التفاسير التي تقول أن الاسم يعني (بان قوسها ).

و من أسماء الأحياء أيضا الجلوم : التي تعني مكان جز صوف المواشي ، والمعادي : ومعناها التزعزع والارتجاج و يبدو أنها كانت منطقة زلقة ، والنيرب : ومعناها المنبسط من الأرض أو الوادي طريق الماء ، وجبرين : تأتي من جبرا وهو الرجل ، والشقيف : تعني الأرض الحجرية ، وقنسرين : تعني عش النسور ، وميسلون : تعني مسيل الماء ، والعرقوب : وهو كعب الرجل .

المراجع :

ـ نهر الذهب في تاريخ حلب ـ الغزي

ـ بقايا الارامية في لغة اهل صدد المحكية ـ فاضل مباركة

ـ لغة حلب السريانية ـ جرجس شلحت .

ـ لغة السوريين لغات ـ سمير عبده

 

الحلبيون يتكلمون السوريانية ..!!!! بقلم المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

تعلمنا في المدارس أن سكان بلادنا العربية كانوا يتكلمون العربية الفصحى في العصور العربية الإسلامية الذهبية ، و نتيجة لعصور الانحطاط ، و خاصة خلال الفترة العثمانية تدهورت اللغة المحكية ، فأصبحوا يتكلمون بلهجة عامية ، هي اللهجة التي نتكلمها حاليا .


esyria

فان تعلم أحدنا ، صار يتكلم بلغة وسط بين الفصحى و العامية ، و في حالات محدودة بلغة فصحى سليمة ، و إن كان جاهلاً كانت لغته عاميةً ، بعيدة عن الفصحى .

و يتميز أهل حلب بلهجة عامية خاصة ، بدأت المسلسلات التلفزيونية السورية تحتضنها ، و تلقى هذه اللهجة رواجا ، و تعتبر لهجة طريفة ، حيث يضحك أبناء المحافظات الأخرى من الكلام الحلبي ( الغميق الجواني ) الذي لا يفهمونه أبدا .

 و العجب من أين جاءت مفردات هذه اللغة العامية ، و الجواب المعتاد أنها من المفردات التركية التي سادت أثناء الفترة العثمانية ، و التي شوهت الفصحى ، و آلت إلى ما صارت إليه لغتنا المحكية .

و الواقع ان بعض المفردات التركية ترد فقط في لغتنا العامية ، و هي محدودة ظاهرة ، و لا يمكن أن تكون جميع مفرداتنا العامية قادمة من التركية .

 و من كتاب يحمل عنوان ( لغة حلب السريانية ) للمطران جرجس شلحت ، و كتاب ( لغة السوريين لغات ) لمؤلفه سمير عبده ، تبين أن الكثير من المفردات التي نستعملها في لغتنا اليومية هي مفردات سوريانية ، و تبين أن أهل حلب جميعا يتكلمون تعابيراً ولدت نتيجة التزاوج بين اللغة العربية و اللغة السوريانية ، و يستعملون الكثير الكثير من مفرداتها دون أن يعلموا .

و سعدت أن اللغة السوريانية ليست حكرا على أهالي معلولا ، على الرغم من أن أهالي معلولا يتكلمون سوريانية صافية غير مختلطة مع العربية ، و لكن لا بأس فهذا يمنح لهجة أهالي حلب نكهة تاريخية خاصة ،تجعلها لهجة تختلف عن اللهجات السورية الأخرى .

 

و على سبيل الطرافة إليك نصاً يتكلمه الحلبيون يومياً في تعاملاتهم ، و أغلبه باللغة السوريانية باللهجة الحلبية مع القليل من التعابير العربية :

( أول ما جهجه الضو ، اجا يوسف ليشطف البيت ، منشان البق ، سكّر باب الصئاء ، شلح الشحاطة منشان ما يجقجق ، و جرجر الكراسي و أصيص الزريعة ، تكتك شلون بدو يشطف ، بحبش شوي ، دندل الزنبيل و شقل المي من الجب ، سخنا عالنار لبقبقت و بربقت ، و كتا بالحوش الجواني بالطاسة لانو ما عندن قسطل و صهريج و خرطوم ، و دعك الارض منيح من الزفر لانو دبقة ، فك الكمر ليترحرح و شلح الشلحة ، منشان ما تتشحور ، و شلفا وراه ، و فشّخ فوق المي ، و دقّر شوي ، و بعدين نط ، تفشكل بكومة دف ، و انطبش جواتا، طبشة قاتولية ، و انجرحت ايدو واوا ، حشّك ، و بعق و جعّر آخ يا يامو ، يا يابو ، اجت امه و بإيدا الطواية و الشمشاية ، و قالتلو يي يي ، ليش عبتحركش و تنكّش ، متل البوبو ،كنت امسوك الدربزون ، اش معمصة عيونك و مفشفش ، بروك عالبرطوش ، و تلقح عالزيق ، و حاج تطرطق و تفرتّك ، دحتّه دحة ، و جابت لو شقفة شرشوطة و ربطتا ، بعد ما خسلتا بالمي ، و طرطشت تنورتا ، و قالتلو قوم تغندر ، هادا كلو لقش و لعي سورياني حلبي )

 

و طبعا النص مفهوم تماما لأهل حلب ، و هو يعني :

عند طلوع الضوء و إشراق الصباح ، أراد يوسف أن يغسل بيته لوجود الناموس ، أغلق باب الدار ، و خلع حذائه لئلا يدوس فوق الماء و يلوث الأرض ، و أزاح المقاعد و أحواض الزرع ،خطط طريقة الغسل ، بحث قليلا ، و رفع الماء من البئر ، و قام بتسخينها حتى تعالى صوت غليانها و صبها في ارض الدار بالوعاء ، لعدم وجود خزان ماء و أنابيب في منزلهم ، و حف الأرض المتسخة و الدبقة ، وخلع حزامه و لباسا يرتديه و رماه خلفه ، خشية أن يتسخ بالهباب الأسود ، ليكون لباسه فضفاضا، ثم تمهل قليلا و بعدها قفز فوق الماء ، فتعثر بكومة أخشاب ، و سقط سقطة أليمة و جرحت يده ، شتم و نادى : يا أماه يا أبتاه ، فجاءت أمه و بيدها وعاء الطبخ و ملعقة كبيرة ، و قالت : واه ، لماذا تبحث بين الأغراض مثل الأطفال الصغار ، كان يجب أن تمسك بالسور الحديدي ، و هل عيناك مغمضتان و قواك ضعيفة ، اجلس على عتبة الباب و تنحى جانبا ، و ضربته ، وجلبت له قطعة قماش و ربطتها بعد غسلها بالماء ، و تناثر الماء فأصاب رداءها ، و قالت له هيا قم فامشي متبخترا ، كل هذا الكلام باللغة السوريانية الحلبية.

 

و الفرق واضح بين التعابير الواردة في النص الأول و الواردة في النص الثاني الشارح لها ، فأغلب الكلمات في النص الأول هي كلمات سوريانية بلهجة حلبية ، يتداولها الحلبيون دون علمهم بذلك .

 

و في هذه الايام يُنظر لمن يستعمل هذه الالفاظ شذراً ، مع أنها ألفاظ متحدرة من لغة قديمة عريقة ، عمرها ألاف السنين .

و هي اللغة التي كانت سائدة قبل الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام ، و قد تمازجت و اختلطت مع اللغة العربية الفصحى ، فكانت لغة الشعب ، بينما كانت اللغة العربية الفصحى هي لغة رجال البلاط و رجال الدين و العلماء و الشعراء.

و أخيراً ان اللغة السوريانية عمت و انتشرت ، و تكلم بها المواطنون العموريون و أحفادهم الآراميون و جيرانهم الكنعانيون و فرعهم الفينيقيون ، و اخوتهم الآثوريون و منهم الكلدان و العقادون ( الاكاديون ) ، و وصلت الى بلاد الاقباط في مصر الحالية .

 تكلموا جميعا بلهجات مختلفة ، و لكن بلغة واحدة .

 

و تكلم بها المواطنون السوريون تحت الحكم الفارسي ، فدخلت مفرداتها اللغة الفارسية ، و اخيرا تمازجت هذه اللغة مع اختها العربية ، و نتجت اللغة التي تسمى عندنا بالعامية ، لان عموم الناس تتكلم بها .

وإنني فضلت أن يلفظ الاسم ( السوريانية ) بدلا من اسمها المتعارف عليه حاليا ، و هو ( السريانية) لأنني اعتقد أنه الأصح و الأقرب لاسم سوريا ، الذي سأفرد له ، لاحقا ، بحثا كاملا عن اصل التسمية و تاريخها .


http://bsam.4t.com/
   Report 
   04-26-2008, 02:35 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
حلب تحكمها امرأة ... بقلم : المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

امرأة ، ولدت في قلعة حلب ، وتوفيت ودفنت فيها  ، ابنة ملك ، وتزوجت من ملك  ، وكانت اخت الملوك ، و أم الملك  ، ثم كانت ملكة حلب  ، ووصية على حفيدها الملك .


esyria

إنها الملكة ضيفة خاتون ملكة حلب.

 

و هل حازت غيرها من نساء الأرض جميع هذه الصفات الملكية ، وربما تكون ملكتنا هذه، جدة جميع النساء الحلبيات اللواتي يحكمن أزواجهن حالياً ، واللواتي كسبن سمعة المرأة الحلبية (القادرة ) .

فقد كانت ابنة الملك العادل ، شقيق صلاح الدين الأيوبي ، ملك مصر والشام ،و اخت الملك الكامل ملك مصر ، وتزوجت من الملك الظاهر ملك حلب ، وهو ابن صلاح الدين ، فكانت زوجة الملك ، وبعد وفاة زوجها تولى مُلك حلب ابنها الملك العزيز ، فكانت أم الملك ، وبعد وفاة ابنها الذي ترك حفيدها ، وهو طفل صغير في السابعة من عمره ، كانت هي ملكة حلب ، وصية على الملك الصغير حتى يكبر .

 

كان مولدها سنة 582 هجري / 1186 م بقلعة حلب ، ولمـا ولـدت كـان عنـد أبيهـا الملـك العـادل ضيف ، فسماها ضيفة .

كانت تُخاطب بلقب ، الستر العالي ، وهو لقب مشابه للقب الخلفاء العثمانيين ، الباب العالي ، والذين أتوا بعدها بزمن .

حكمت حلب لمدة ستة سنوات ، واجهت فيها ، الصليبيين ، والسلاجقة ، وطلائع الغزاة الخوارزميين والمغول ، وحلف لها بالطاعة ملوك الأيوبيين في مصر ودمشق وحمص والموصل .

كانت شاعرة أديبة بارعة ، بنت جامعتين في حلب منذ ثمانمائة عام ، وتكفلت بجميع مصاريفهما ومصاريف المدرسين والطلاب .

 

و لننظر الآن في قصة حياة هذه الملكة ، والتي يجب علينا ، تقديم التكريم والتقدير لها ، والحري بالقائمين على حلب أن يطلقوا اسمها على أهم شوارع حلب ، وأن يعرفها الناس ويعرفوا حق قدرها .

 

حلب زمن حكم صلاح الدين وأولاده ، في القرن الثالث عشر الميلادي :

تلقب صلاح الدين الأيوبي بالسلطان في أواخر القرن الثاني عشر ميلادي ، فقد أتم توحيد مصر والشام تحت رايته ، وبعد وفاة صلاح الدين قسمت مملكته ، بين أولاده الخمسة وأخوه الملك العادل ، والد ملكتنا ضيفة خاتون .

 

كان الملك العادل صفوحاً صبوراً على الأذى، كثير الجهاد، وحضر مع أخيه مواقعه كلها أو أكثرها، وله في تلك الأيام اليد البيضاء والراية العلياء ، أنفق في عام الغلاء بمصر أموالاً عظيمة جداً .

وتصدق على أهل الحاجة من أبناء الناس وغيرهم شيئاً كثيراً، ثم كفن على نفقته في عام الفناء ثلاثمائة ألف إنسان من الغرباء.

وكان كثير الصدقة في أيام مرضه ، حتى كان يخلع ما عليه جميعاً ويتصدق به .

وكان كثير الأكل، ممتعاً بصحته وعافيته، مع كثرة صيامه ، يأكل في اليوم الواحد عدة وجبات ، ثم بعد كل هذا يأكل وقت النوم رطلاً من الحلوى السكرية اليابسة الدمشقية .

وكان يعتريه مرض في أنفه، ( حساسية ) ، في زمن الورد ، وكان لا يقدر على الإقامة بدمشق حتى ينتهي الورد.

وتوفي عن خمس وسبعين سنة.

ومما تجدر الإشارة إليه أن السلطان العادل قد أنجب ستة عشرة ولدًا ، أشهرهم : الملك الكامل صاحب مصر، والملك الأشرف صاحب دمشق، والملك الصالح صاحب الجزيرة وشمال سوريا ، والملك المظفر صاحب الرها وتسمى الآن أورفا وهي في تركيا ، والملك الحافظ صاحب قلعة جعبر .

وكانوا جميعًا على ثقافة عالية، ومعرفة غزيرة بالعلوم الدينية والأدبية، فضلاً عن معرفتهم نظم الشعر العربي ، وإسهامهم الكبير في دفع الحركة العلمية ، بما أنشئوه من مدارس ومساجد وزوايا ودور للحديث .

وكان له عدة بنات أشهرهن ملكتنا ضيفة خاتون ، وأخواتها غازية خاتون، وملكة خاتون، التي تزوجها الملك المنصور، صاحب حماة، وعصمة الدين مؤنسة خاتون، وزهرة خاتون .

 

الملك الظاهر زوج ضيفة خاتون

 

كانت حلب للملك العادل ، قبل أن يأخذها منه ، أخوه السلطان صلاح الدين ، ويعطيها لابنه الملك الظاهر ،الذي كان من خيار الملوك ، وكان الملك الظاهر ابن صلاح الدين ، جميل الصورة ، رائع الملاحة ، موصوفاً بالجمال في صغره وفي كبره .

وله ذكاء ودهاء ومكر ، وأعظم دليل على دهائه ، أنه كان يصادق ملوك الأقاليم البعيدة ويلاطفهم ، ويوهمهم أنه لولاه لكان الملك العادل يغزوهم .

ويوهم عمه الملك العادل أنه لولاه لما أطاعه أحد من الملوك ، ولأظهروا معاداتهم له ، فكان بهذا التدبير يستولي على الجهتين ، ويستعبد الفريقين ، ويشغل بعضهم ببعض .

وكان كريماً ، يغمر الملوك بالتحف ، والشعراء بالعطايا، ولكن كان فيه عسف ، ويعاقب على الذنب اليسير ، شديداً

وكان يكرم العلماء والشعراء والفقراء .

وأقام في الملك ثلاثين سنة ، وحضر كثيراً من الغزوات مع أبيه صلاح الدين .

وكان قد تزوج قبل ضيفة خاتون ، بأختها غازية ، فلما توفيت ، تزوج بأختها ضيفة خاتون ، عندما بلغت حوالي الخامسة والعشرين من العمر ، وكان لها عرس مشهور.

 

ضيفة خاتون زوجة ملك حلب

وخرجت ضيفة خاتون ، من مصر إلى حلب ، فسار الملك الظاهر من حلب إلى دمشق ، للقياها ، وكان مهرها خمسين ألف دينار ذهبي ، وهو مبلغ يعادل المليون دولار تقريبا في عصرنا الحالي ، وكان جهازها محمولا على ثلاثمائة جمل وخمسين بغلاً ، ومعها مائتا جارية لتخدمها ، أي أن جهازها يحتاج بلغة هذا العصر إلى حوالي المأتي سيارة نقل .

فلما أدخلت على الملك الظاهر قدم لها خمسة عقود جواهر ، قيمتها ثلاث مائة وخمسون ألف درهم .

 ووصلت إلى حلب في النصف من المحرم من سنة 609 هجري/ 1212م .

 

و نقول ايضا على سبيل الطرفة : يبدو ان عادة غلاء المهور والمبالغة في هدايا العرس الذهبية ( المليك بالحلبي ) ، هي عادة متأصلة لدى الحلبيين ، ربما بدأتها ضيفة خاتون ، واستمرت عليها نساء حلب حتى هذا التاريخ .

 

 وجاءت ضيفة خاتون من الملك الظاهر بولي عهده ، الملك العزيز ، بعد عام من زواجها، وأظهر الملك السرور بولادته ، فضربت البشائر، وزينت مدينة حلب، وعقدت القباب.

 وصاغ له عشرة مهود من الذهب والفضة ، وقدم للطفل ثلاث دروج من اللؤلؤ والياقوت ، ودرعان وخوذتان من اللؤلؤ ،وثلاثة سروج مطرزة بالجواهر ، وثلاثة سيوف غلفها بالذهب والياقوت ، ورماح رؤوسها جواهر .

 

وبقيت حلب مزينة شهرين ، والناس في الأكل والشرب ، ولم يبق صنف من أصناف الناس ، إلا أفاض عليهم النعم ووصلهم بالإحسان.

 وسير إلى المدارس الغنم والذهب ، وأمرهم أن يعملوا الولائم ، ثم فعل ذلك مع الأجناد والغلمان والخدم.

وكان عنده من إخوته وأولادهم وأحفادهم ، مائة وخمسة وعشرون شخصاً ، فزوج الذكور منهم بالإناث ، وعقد في يوم واحد خمسة وعشرين عقداً بينهم ، ثم صار كل ليلة يعمل عرساً ويحتفل به .

 

وفي عهد الملك الظاهر حفرت قناة مياه لجر الماء إلى حلب ونظفت عيونها، وكسى مجراها بالكلس، حتى كثر الماء بحلب.

وبنا القساطل في الأحياء ، لتوزيع الماء على الناس ، ووقف على القناة وقف ، يعود ريعه ، لتأمين نفقات إصلاحها، وعمر باب قلعة حلب،و وسع خندقها وعمقه ، إلى أن نبع الماء .

وعندما اعتل واعترته أمراض شتى واشتد به الحال، جمع قواد الجيش وأمراءه، وحلفوا بالولاء لابنه الملك العزيز ، وهو ابن ثلاث سنين ، وبايعه جده الملك العادل ، وخاله الملك الأشرف .

 

ومات السلطان الملك الظاهر بقلعة حلب، في سنة 613 هجري / 1216 م ، وكتم خبر موته ذلك اليوم، حتى دفن في الحجرة، إلى جانب الدار الكبيرة، التي أنشأها بقلعة حلب ، ودثرت ودثر قبره ، وهما غير معروفين حاليا .

 

ثم ركب في اليوم الثاني من موته ولده: الملك العزيز، ونزل بالثياب السود ، إلى أسفل جسر القلعة، وصعد أكابر البلد إليه، وأصيب أهل حلب بمصيبة فتت في أعضادهم.

 ونزل الملك العزيز، وجلس في دار العدل، في منصب أبيه، وحلف يمين الولاء جماعة المقدمين من أهل البلد، وكان الحلف على الموالاة والطاعة للملك العزيز، وعلى الموالاة للأتابك شهاب الدين ، وهو الأمير الذي تولى الحكم بالوصاية على الملك الصغير ، وانقاد الجميع له طائعين ومكرهين ، ولم يكن لملكتنا ضيفة خاتون في تلك الفترة أية دور .

 ونزل الملك العادل والد ضيفة خاتون ، من مصر إلى الشام، وأرسل إلى الأتابك بما يطيب نفسه، وسير خلعة للملك العزيز حفيده ، مما أوجب السكون والثقة.

 

و بعد عامين ، ورد الخبر بموت الملك العادل ، وكان قد مرض ، ورحل إلى دمشق، فمات في الطريق ، في سنة 615/1218 م .

 وتولى الملك بعده ابنه الملك الكامل ، أخو ضيفة خاتون ، وضرب اسم الملك الكامل، والملك العزيز، على النقود بحلب .

 والملك الكامل ابن شقيق صلاح الدين ، هو الذي عقد صلحاً ، تنازل بموجبه عن القدس للفرنجة ، عدا الصخرة والمسجد الأقصى ، وعلى أن لا يكون لهم خارجها حكم، وأعطاهم بيت لحم، وضياعاً ، في طريقهم من عكا إلى القدس .

 

الملك العزيز ابن ضيفة خاتون يستلم ملك حلب

و في السابعة عشر من عمره ، تزوج الملك العزيز ، وأنجب ولدا ، وسماه الملك الناصر صلاح الدين الثاني ، وأوصى له بالملك من بعده .

 واستقل الملك العزيز بملكه بحلب ، ورفعت وصاية الاتابك عنه ، وتسلم خزائنه وأمواله من الأتابك شهاب الدين، ورتب الولاة في القلاع، وحلفت الولايات بالولاء له ، ومال إلى رعيته، وأحسن إليهم .

 

 واحتاج يوما إلى الاغتسال بماء بارد، فأصابته الحمى، ودامت به الحمى، إلى أن قوي مرضه ، فاستحلف الناس على البيعة والولاء لولده الملك الناصر صلاح الدين الثاني .

 وقد مات، في شهر ربيع الأول، من سنة 634 /1236 ، عن عمر يناهز أربعة وعشرين عاما .

 

ضيفة خاتون ملكة حلب

 بعد وفـاة ابنها الملك العزيز ، ملكت حلب ضيفة خاتون ، وكانت في الخمسين من عمرها ، وذلك لان ولي عهده ، حفيدها ، كان يبلغ السابعة من العمر فقط ، وتصرفت في الملك تصرف السلاطين ، وقامت بالملك أحسن قيام ، وكانت مـدة ملكهـا نحـو سـت سنيـن، أزالت المظالم والضرائب الجائرة في جميع بلاد حلب.

وكانت تؤثر الفقراء والعلماء، وتحمل إليهم الصدقات الكثيرة.

 

 وكانت تخاطب في الرسائل الموجهة إليها ..... ( إلى الستر العالي الخاتوني ) .

 

وكان لها دَور بارز في إثراء الحركة العلمية في حلب، حيث اهتمّت بالعلم والعلماء، وقربت إليها أهل العلم والدين وبذلت لهم الكثير .

 فضلاً عن أنها أنشأت مدرستين ، تعادل كل منها جامعة في وقتنا هذا ،الأولى : اختصت بالعلوم الدينية الشرعية على المذهب الشافعي وسميت بمدرسة الفردوس ( أي الجنة ) ،و الثانية : مدرسة للعلوم الشرعية والعلوم الدنيوية المختلفة وكانت تسمى الخانقاه ، وسميت بخانقاه الفرافرة .

 

- أما مدرسة الفردوس : فتقع خارج باب المقام بحلب ، وعيّنت الملكة في المدرسة "مدرّسًا ومعيدًا وإمامًا ومؤذّنًا وبوّابًا وعشرين فقيهًا.

ويتضح من هذه التعيينات أمران مهمّان:

 أما الأمر الأول فهو شكل الهيئة التعليمية في مدارس العصر الأيوبي؛ إذ كان على رأس تلك الهيئة : المدرّس ، ( وهو منصب كمنصب رئيس الجامعة الان ) والذي كان دائمًا يُختار على أساس شهرته ومكانته وسعة علمه، ويعتبر من مشايخ علماء العصر؛ لأن هذا الاعتبار تتوقف عليه سمعة وشهرة المدرسة.

 لذا فقد كان من واجبات المدرّس أن يعطي الدرس حقه شرحًا وتوضيحًا ؛ ثم يأتي بعده المعيد، الذي كانت مهمته كما أوضحها القلقشندي، إعادة ما ألقاه المدرّس على الطلبة بعد انصرافه ليزداد فهمهم ، كما عرّف السبكي المعيد بأنه "عليه قدر زائد على سماع الدرس ومن تفهيم بعض الطلبة ونفعهم وعمل ما يقتضيه لفظ الإعادة" .

ويتضح من هذا أن المعيد كان يساعد المدرّس، حيث يعيد على الطلبة ما ألقاه المدرّس، فهو أكبر منهم درجة ، ويجلس معهم ليستمع إلى ما يعطيه المدرّس، ثم يرجع إليه الطلاب ليشرح لهم ما قد يكون قد صعب عليهم، وهذا يبين أن المدارس الأيوبية كانت أشبه بجامعات اليوم؛ مما يدل على أنها كانت في أوج الرقيّ والإتقان .

 وإلى جانب المدرّس والمعيد، كان يعيّن عدد كبير من الفقهاء .

أما الأمر الثاني فهو أن المدرسة الأيوبية كانت بمثابة مسجد تقام فيها الصلاة؛ لذا فقد كان يعيّن فيها مؤذّن وإمام

 فقد كان يتقرّب بإنشائها ، العبد إلى ربه.

 فإذا كان إنشاء المساجد يعتبر من أجلّ الأعمال التي يمكن أن يتقرّب بها المسلم إلى ربه ، فإن المدارس أيضًا اعتبرت قلاعًا للعقيدة وحصونًا للدين .

 ويا ليت رجال الخير في عصرنا هذا ، لا يكتفون ببناء الجوامع الفارهة قصد الثواب ، بل يبنوا أيضا دور للتعليم والجامعات والمكتبات ، أسوة بحال حلب قبل ثمانمائة عام .

 

و منشأة الجامعة المدرسة عبارة عن مجموعة من المباني ، تتضمن مدرسة وسكن للطلاب وجامع ومدفن خاص .

 والطريف أن بناء المدرسة تعرض للتنقيب والنهب عدة مرات ، على يد لصوص اللقى الأثرية ، والطامحين إلى الثروة من خلال الكنوز الذهبية، دليلهم إلى ذلك آية منقوشة على مدخل المدرسة ،و التي فسرها هؤلاء على أنها برهان يشير إلى موضع كنز داخل البناء ، وتقول الآية الكريمة المكتوبة على الباب : ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهي النفس وتلذ الأعين وانتم فيها خالدون ).

- والجامعة الثانية هي خانقاه الفرافرة :و "الخانقاه" لفظة فارسية معناها البيت ، وتقع هذه الخانقاه الآن بمحلة الفرافرة , وتسمى الناصرية لأنه كتب على بابها أنها أنشئت زمن الملك الناصر ، حفيد ضيفة خاتون .

و"الخانقاه" بناء مؤلف من ساحة مُحاطة أواوين أربعةٍ، بِلا مئذنةٍ ولا منبرٍ،و يضمّ مسجدًا لا تُقام فيه صلاة الجمعة، ويُلحَق به ضريح ومدرسة وسبيل ماء ، فهو إذًا كالمدرسة من حيث التّصميم والدّور ، ولكن تميّزت الخانقاه عن المدرسة وقامت بدورٍ أوسع، فكانت تُعَلّم فيها، إلى جانب الدّين، المواد العلمية المُختلفة.

 وعُرِفَت الخانقاه زمن العثمانيين بـ"التكية" ، ولكن المؤسف أنّ هذه المؤسسة العلمية انتهت كمنامةٍ للفقراء، وصار دورها سلبيًا بعد أن كانت من المؤسّسات الفاعلة في المُجتمع الإسلامي.

 

أعمال السياسة والحكم للملكة ضيفة خاتون

 

- إرسالها للسفارات لتوطيد ملكها :كانت من اول اعمالها الملكية انها سيرت إلى مصر رسولين ، إلى الملك الكامل أخيها ، ليحلفاه بعدم معاداة الملك الناصر حفيدها ، ويستوثقا من جهته ، فلما وصلا إليه، أظهر الألم والحزن لموته، وحلف للملك الناصر ، ولكنه طلب من الرسولين أن يتولى هو تربية الملك الناصر ، لا جدته ضيفة خاتون ، فاستوحشوا منه .

 

- تحالفها مع الملوك جيرانها : وكان الملك الأشرف هو ملك دمشق ، فاتفق هو والملك المجاهد صاحب حمص ، والملك المظفر صاحب حماة ، وعزموا على الخروج عن طاعة وموالاة الملك الكامل ، وأن يبقوا ملكه محصورا في مصر .

 وأرسلوا إلى الملكة الخاتون والأمراء بحلب، وطلبوا موافقتهم على ذلك، وخوفوهم من جهته، وذكروا ما تمتد أطماعه إليه، فوافقتهم.

وتحالفت معهم ، فسيروا رسلاً إلى ملك السلاجقة( في تركيا الحالية ) كيخسرو، فحلف لهم على ذلك.

واتفقوا كلهم وأرسلوا رسلاً ، إلى الملك الكامل، إلى مصر، وقالوا له: إننا قد اتفقنا كلنا، ونطلب منك أن لا تخرج من مصر، ولا تنزل إلى الشام.

فقال لهم: مبارك، ما دمتم قد اتفقتم، فما تطلبون من يميني، احلفوا أنتم أيضاً لي: أن لا تقصدوا بلادي، ولا تتعرضوا لشيء مما في يدي ، وأنا أوافقكم على ما تطلبون ، وتم ذلك .

 

- مواجهتها للمؤامرات الداخلية : وحاول البعض حياكة المؤامرات لعزل الملكة ضيفة ، فقد قام شهاب الدين صاحب شيزر، بإرسال رجلاً، إلى الملك الأشرف بدمشق ، وحدثه في أن يقصد حلب لاحتلالها ، وأنه يتعهد بأن يساعده بأمواله.

 وأوهمه صاحب شيزر أن معظم الأمراء بحلب، يوافقونه على ذلك، وكذلك جماعة كبيرة من الحلبيين، يتابعونه، ويشايعونه، ويوافقونه على ذلك، واشترط على الملك الأشرف،لقاء ذلك ، أن يوليه قضاء حلب.

فمضى رسوله إلى الملك الأشرف، واجتمع ببعض خواصه، وذكر له الأمر الذي جاء فيه، فلم يستقبله ، وأجابه : لا يبدر مني غدر، في حق ذرية الملك الظاهر.

و وصل الخبر إلى الملكة ضيفة خاتون ، فتصرفت بحزم ،فأمرت بتوقيف رسول صاحب شيزر ، فقبض عليه وأصعد إلى القلعة، واستجوبته عن ذلك، فأخبرها بالحديث ، فحبس الرسول، وحلقت لحيته ( وكانت حلاقة اللحية كعقاب ، امرا مؤلما في ذلك الوقت ) .

و اعتقل صاحب شيزر ومن معه في المؤامرة ، وسجن بالقلعة ، وصودرت أمواله جميعها.

 

- مواجهتها للفرنجة والانتصار عليهم : واتفق أيضاً، في بداية ملكها ، تحرك الداوية ، وهم فرسان الهيكل من الفرنجة ، وأغاروا وساقوا أغناماً ومواشي كثيرة.

فخرج الملك المعظم ، قائد جيش حلب لمواجهتهم ، فانهزم الفرنجة هزيمة شنيعة، وقتل منهم خلق عظيم.

واستولى المسلمون على فارسهم وراجلهم، ولم ينج منهم إلا القليل، ودخلوا بالرؤوس والأسرى إلى حلب، وكان يوماً مشهوداً وحبسوا في القلعة، ثم أنزلوا إلى الخندق.

وفتت هذه الوقعة في أعضاد الداوية، بالساحل، ولم ينتعشوا بعدها، وكانوا قد استطالوا على المسلمين .

 

- مواجهتها محاولات غزو جيرانها لها : ومرض الملك الأشرف صاحب دمشق ،و مات سنة 635 هجري/ 1237 م . وأوصى بالملك لأخيه الملك الصالح .

فاستغل الملك الكامل الفرصة ، وخرج من مصر، وقصد دمشق لاحتلالها ، وأرسلت الملكة ضيفة من حلب نجدة إلى دمشق ، وكذلك سير الملك المجاهد صاحب حمص ، ولده المنصور إليها.

 ونزل الملك الكامل على دمشق، وحاصرها مدة .

و تراجع الملك المظفر صاحب حماة ، عن الحلف الذي أقامه مع ملوك حماه وحلب ودمشق ، وانضم للملك الكامل، وأطلعه على جميع الأحوال، ووقع بينه وبين صاحب حمص اختلاف.

وطلب من صاحب حمص ان يعطيه مدينة السلمية، ليعود الى الحلف .

 

و نقول على سبيل الطرفة : لعل هذا هو سبب التنافس التاريخي بين أهل حمص وحماة .

 

 وأما دمشق ، فإن الملك الكامل ، حاصرها، حتى صالحه الملك الصالح، وتنازل له عن دمشق، وقرر الملك الكامل ، أن يتوجه لحلب لاحتلالها ، وعزل أخته ضيفة خاتون .

 فاستدعت الملكة مقدم العسكر ، الملك المعظم ، وأقارب السلطان والأمراء، وحلفوا بالولاء للملك الناصر وللخاتون الملكة ، ثم حلف بعد ذلك أكابر البلد، ورؤساؤها ، ثم حلف الجنود والعامة.

واستعد الناس للحصار بالذخائر، والأطعمة، والحطب، ونقلت أحجار المناجيق إلى أبواب البلد، وتتابعت الرسل إلى الملك السلجوقي لطلب النجدة، فسير نجدة من أجود عساكره، وعرض عليهم أن يرسل غيرها، فاكتفوا بمن أرسله .

 ولكن لحسن حظ ملكتنا ضيفة خاتون ، مرض الملك الكامل، ومات بدمشق، في قلعتها، في سنة 635 /1237 م ووصل خبر موته، فعمل له العزاء بحلب، وحضره، السلطان الملك الناصر، يومين.

و انقسمت مملكة الكامل بعد وفاته إلى دولتيْن ، الأولى في الشام والثانية في مصر .

 

- قيامها بالمصاهرات السياسية : أدركت الملكة ضيفة أهمية تحالفها مع السلطان السلجوقي ، فقررت توثيق هذا التحالف بالمصاهرة ، كما كانت العادة عبر العصور ، فتقرر أن تزوج الملك السلجوقي لحفيدتها أخت السلطان الملك الناصر، وأن يتزوج السلطان الملك الناصر، أخت ملك السلاجقة .

واستقر الأمر على ذلك، واجتمع الناس في دار السلطان، بالقلعة، وعُقد زواج ملك السلاجقة كيخسرو على الست غازية خاتون.

و يقول ابن العديم في كتاب زبدة الحلب في تاريخ حلب : وتوليت بنفسي عقد النكاح على مذهب الإمام أبى حنيفة رضي الله عنه لصغر الزوجة، على خمسين ألف دينار، ونثر الذهب، عند الفراغ من العقد.

 ويكمل قائلا : سيرت من حلب، سنة 635 / 1237، إلى بلاد الروم ، لإبرام عقد الزواج بين ملك حلب الناصر واخت ملك السلاجقة ، ودخلنا في تلك الساعة إلى قيصرية، وأحضر قاضي البلدة، والشهود، وعقدت العقد ، على مهر قدره خمسين ألف دينار سلطانية.

وأظهر في ذلك اليوم من التجمل، ومصاغ الذهب، والفضة، ما لا يمكن وصفه، ونثرت الدنانير ، ووصلني ألف دينار.

ونثر في دار السلطان من الذهب، والدراهم، والثياب، والسكر، شيء كثير.

 وضربت البشائر في دار السلطان، وأظهر من السرور والفرح، ما لا يوصف.

 وسيرت، في الحال، بعض أصحابي إلى حلب، مبشراً بذلك كله، فضربت البشائر بحلب، وأفيضت الخلع على المبشر.

 

- خضوع بعض الملوك الأيوبيين لسلطانها : ويقول ابن العديم في كتاب زبدة الحلب : وكنت بالقاهرة، فاستحضرني الملك الصالح ، وقال لي: تقبل الأرض بين يدي الستر العالي، وتعرفها أنني مملوكها، وإنها عندي في محل الملك الكامل، وأنا أعرض نفسي لخدمتها، وامتثال أمرها فيما تأمر به، وحملني مثل هذا القول إلى السلطان الملك الناصر.

 

 - توسعة مملكتها سلميا : واتفق أن الملك الحافظ ، وهو ملك ناحية قلعة جعبر ، قد مرض وأصيب بالشلل ، وخاف من خروج أولاده عليه ، فأرسل إلى أخته الملكة بحلب ، يطلب منها أن تقايضه بقلعة جعبر وبالس،بإقطاعية أخرى تعادلها فاتفق الأمر على أن تعوضه بإعزاز، وسيرت من حلب من تسلم قلعة جعبر.

ووصل الملك الحافظ إلى حلب، في هذا الشهر، وصعد في المحفة إلى القلعة، واجتمع بأخته الملكة، وسلمت إلى نوابه قلعة إعزاز .

 

- مواجهتها لطلائع الغزاة الخوارزمية والمغول :

 في سنة 616 / 1219 م انطلق المغول بقيادة جنكيز خان قاصدين بلاد المشرق الإسلامي ، وهاجموا الدولة الخوارزمية ، وأقاموا المجازر في بخارى ، وسمرقند .

فأبيد الكثير من المسلمين ، وهدمت ألوف المساجد ، ودور العلم ، وتحولت حواضر الإسلام الزاهرة في تركستان وفارس إلى كتل من اللهب.

ثم مرض جنكيز خان وتوفي في سنة 624 / 1226 م ، مما دفع باقي الجيوش المغولية إلى الانسحاب ، وبعد أربع سنين عادوا لاستكمال غزوهم ، وأبادوا الدولة الخوارزمية ، وتوجهوا باتجاه السلاجقة في تركيا وباتجاه العراق وبلاد الشام .

 

و قد أشار كل من ابن العديم وابن خلدون إلى هجمات من أسموهم بالخوارزمية على مملكة حلب ، علما أن ابن العديم كان على قيد الحياة في تلك الفترة ، وتوفي بعدها بفترة قصيرة ، واعتقد أن الخوارزمية الذين يقصدونهم هم من المغول ، وليسوا من بقايا الدولة الخوارزمية في سمرقند ، فابن العديم يورد أسماء قادتهم ( صاروخان، وبردي خان، وكشلوخان ) وهي أسماء مغولية وليست كأسماء ملوك الدولة الخوارزمية كالسلطان علاء الدين شاه وغيره ، والذين سقطت دولتهم قبل ذلك التاريخ وأبيدت ، بيد المغول .

 

المهم : يروي ابن العديم قصة صد الملكة ضيفة خاتون والعسكر الحلبية لجحافل الغزاة الذين اسماهم الخوارزمية :

 وصلت طلائع الغزاة، وأغاروا على بلد قلعة جعبر، ونهبوها، ولم يسلم منها إلا من كان خرج عنها إلى حلب وإلى منبج.

وخرج عسكر حلب للتصدي لهم برئاسة الملك المعظم تورانشاه، ولكن كان جيش حلب متفرقا ، بعضه في نجدة ملك السلاجقة ، وبعضهم في قلعة جعبر، وبعضهم متفرقون في القلاع، مثل شيزر، وحارم، وغيرهما.

وسار الغزاة في جمع عظيم، يزيد على اثني عشر ألفا، وانضم إليهم الأمير علي بن حديثة ، في جموعه من العربان، وكان معاديا لأهل حلب، لتقريبهم السلاجقة .

 ونزلوا في وادي بزاعا، وعسكر حلب لا يزيدون عن ألف وخمسمائة فارس.

وتعبأ كل فريق لقتال صاحبه.

 والتقى الفريقان، سنة 638 /1240، فصدمهم عسكر حلب على قلته، صدمة، تزحزحوا لها، ولكن المغول عادوا وتكاثروا عليهم.

و هجم على جيش الحلبية من وراءهم ، علي بن حديثة زعيم العربان وأحاط بهم، من جميع الجهات، فانهزموا ، والغزاة في أثرهم ، يقتلون، ويأسرون، فقبضوا على الملك المعظم، بعد أن ثبت في المعركة، وجرح جراحات مثخنة، وعلى أخيه نصرة الدين، وقبضوا على عامة الأمراء، ولم يسلم من العسكر إلا القليل.

وقتل في المعركة الملك الصالح، ابن الملك الأفضل، وابن الملك الزاهر، وكثيرين.

 واحتاطت قرى حلب، وأرسلت الأوامر إلى قادة البلد بحفظ الأسوار، والأبواب ، ورحل أهل الحاضر، ومن كان خارج المدينة ، إلى المدينة، بما قدروا على نقله من أمتعتهم.

وبقي في البلد الأميران: شمس الدين لؤلؤ ، وعز الدين بن مجلى ، في جماعة ، لا تبلغ مائتي فارس ، يركبون، ويخرجون إلى ظاهر المدينة، يتعرفون أخبارهم، وبثوا سراياهم، في قرى حلب يشنون الغارة فيها، فبلغت خيلهم إلى إعزاز، وجبل سمعان .

و هاجم الغزاة أهل النواحي على غفلة، فلم يستطيعوا أن يهربوا بين أيديهم ، فنهبوا المواشي والأمتعة، والحريم، والصبيان، ما لا يحد ولا يوصف، وارتكبوا من الفاحشة مع حريم المسلمين، ما لم يفعله أحد .

ثم رحلوا إلى بزاعا، والباب، وقتلوا منهم جماعة ، ونهبوا ما كان فيها من المتاع والمواشي، وكان بعضهم، قد هرب إلى حلب، بما خف معه من الحرم، والمتاع، فسلم.

ثم رحلوا إلى منبج، وقد استعصم أهلها بالسور، وحصنوا المواضع التي لا سور لها، فهاجموهم بالسيوف .

وقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً، وخربوا دورها، ونبشوها، فعثروا فيها على أموال عظيمة، وسبوا أولادهم ونساءهم، وجاهروا الله تعالى بالمعاصي في حرمهم.

 والتجأت جماعة من النساء إلى المسجد الجامع، فدخلوا عليهن، وفحشوا ببعضهن في المسجد الجامع، وكانوا يأخذون المرأة، وعلى صدرها ولدها الرضيع، فيضربوا به الأرض، ويأخذون الأم ويمضون.

 

ووصل الخبر بهزيمة عسكر حلب إلى حمص ، إلى الملك المنصور ، وعنده من عسكره ، وعسكر دمشق ، مقدار ألف فارس، فتوجه لحلب بمن معه من العسكر ، ووصل إليها ، وخرج السلطان وأهل البلد، والتقوه ، ونزل في منطقة الهزازة.

وسيرت الملكة ضيفة خاتون رسولاً إلى الملك الصالح في دمشق، وطلبت منه نجدة من عسكره، فسير إليها النجدة .

وحين سمع الغزاة بتجمع العساكر بحلب، عادوا وتجمعوا بحران، وعزموا على العبور إلى جهة حلب، ومقابلة الحلبية قبل أن يكثر جمعهم .

 

وكان علي بن حديثة زعيم العربان ، قد انفصل عن المغول ، وقامت الملكة ضيفة وبحنكة سياسية بارعة بتقريب ظاهر بن غنام وهو الزعيم الآخر للعربان ، وزوجته بعض جواريها، وأقطعته أراضي ترضيه.

فسار الغزاة ووصلوا إلى الرقة، وعبروا الفرات، وبلغ خبرهم إلى حلب، فضرب الملك المنصور خيمته، شرقي حلب، على أرض النيرب وجبرين، وخرجت العساكر، بخيامها حوله.

 ووصل الغزاة إلى دير حافر ثم إلى الجبول ، وكان العربان يناوشون المغول ، وتأخر لقاء العسكر للغزاة، لأنهم لم يكملوا استعدادهم .

ورحل المغول،إلى سرمين، ونهبوها، ورحلوا إلى معرة النعمان، ثم إلى كفر طاب، وأحرقوها ، وساروا إلى شيزر، والتجأ أهلها إلى المدينة التي تحت القلعة، واحتمت المدينة يوماً، ثم سقطت، ونهبوا ما أمكنهم نهبه.

و رماهم أهل القلعة الحجارة، فقتلوا منهم جماعة وافرة، فاتجهوا لحماة، وسارت العساكر الحلبية، لقصدهم.

 فقصد الغزاة السلمية، ثم توجهوا إلى ناحية الرصافة .

 

و التقى جمع من العربان بالغزاة ، بقرب الرصافة، وقد تعبت خيول الغزاة ، وضعفت لشدة المسير ، وقلة الزاد والعلف، فألقى الغزاة أثقالهم كلها، والغنائم التي كانوا قد نهبوها من البلاد، وأطلقوا من كانوا أسروه من قرى حلب، وشيزر، وكفر طاب، وساروا طالبي الرقة مجدين في السير، واشتغل العرب، ومن كان معهم من الجند، بنهب ما ألقوه.

ووصل الغزاة ، إلى الفرات، مقابل الرقة .

وأما الملك المنصور وعسكر حلب، فإنهم وصلوا إلى صفين، وساروا سيرا سريعا، ليسبقوا الغزاة إلى الماء، ويحولوا بينهم وبين العبور إلى الرقة.

هزيمة الغزاة

 والتقى الجيشان ، وانهزم الغزاة ، واستبيح عسكرهم، وهربوا، والعساكر في آثارهم، إلى أن حال الليل بينهم وبينهم، فعاد العسكر الحلبية ، ووصل الغزاة إلى حران، وأخذوا نساءهم، وهربوا.

وسار الحلبية خلف الغزاة إلى الخابور، والغزاة منهزمون، وألقوا أثقالهم، وبعض أولادهم، ونزلوا في طريقهم على الفرات، فجاءهم السيل في الليل، فأغرق منهم جمعاً كثيراً.

وزينت مدينة حلب أياماً لهذه البشرى.

 وضربت البشائر، ووصلت أعلامهم وأسراهم، إلى حلب.

 

 وصارت حران، وسروج، والرها، ورأس عين، والرقة، تحت سلطة الملكة ضيفة خاتون .

 

 وفي هذه الأثناء توفي الملك الحافظ ابن الملك العادل، بقلعة اعزاز ، ونقل تابوته إلى مدينة حلب.

 وخرج الملك الناصر وأعيان البلدة، وصلوا عليه، ودفن في الفردوس، في المكان الذي أنشأته أخته الملكة الخاتون.

 

وفاة ملكة حلب ضيفة خاتون

و نتيجة لهذه الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد ، أصيبت الملكة ضيفة بالقرحة ، وقوي مرضها ، إلى أن توفيت سنة 640 /1242 م ، فكانت مدة عمرها حوالي تسع وخمسين سنة‏.‏

 وأغلقت أبواب حلب ثلاثة أيام، ودفنت في الحجرة بالقلعة، تجاه الصفة، التي دفن فيها ولدها الملك العزيز رحمهما الله.

 

الملك الناصر حفيد الملكة يتولى الملك

 وكان عمر حفيدها الملك الناصر ، نحو ثلاث عشرة سنة ، فأمر ونهى، وجلس في دار العدل.

 وعلى أن يكون مستشاريه جمال الدولة إقبال، والوزير القفطي.

 كان ملكا جيداً، حليما جداً، وجاوز به الحلم إلى حد أضر بالمملكة، فلم يعد يقطع يد ، أو يعدم اللصوص والقتلة وقاطعي الطريق ، فتجاوز هؤلاء الحد في الفساد، وانقطعت الطرق في أيامه، وكان المسافر لا يستطيع السفر إلا برفقة الحرس .

 وكثر اللصوص ، وكانوا يكسرون أبواب الدور، ومع ذلك إذا حضر المجرم القاتل بين يديه يقول له : الحي خير من الميت ويطلقه، فأدى ذلك إلى انقطاع الطرقات وانتشار السرقة.

 

و يقول اليافعي : كانت للشعراء دولة في أيامه ، لأنه كان يقول الشعر ، ويروى له أشعار كثيرة منها قوله:

فو الله لو قطعتَ قلـبـى تـأسـفـاً وجرعتنى كاساتِ ودمعى دماً صرفاً

لمـا زادني إلا هـوى ومـحـبة ولاتخذت روحي سواك لها إلـفـا

 

وكان يطبخ في مطبخه كل يوم أربعمائة رأس غنم، وكانت سماطاته وتجمله في الغاية القصوى.

 وجلس في دار العدل، في كل يوم اثنين وخميس، لترفع إليه المظالم.

 

وأضاف إلى دولة (حلب) بلاد الجزيرة وحران والرها والرقة ورأس عين وحمص، ثم دمشق سنة 648/ 1250م، وأطاعه صاحب الموصل وماردين.

 

هاجم مصر فدخلها عنوة، بعد قتال، ثم ظهرت عليه طائفة من عسكرها فانهزم إلى الشام، واستقر في دمشق.

وصفا له الملك نحو عشرة أعوام، حتى كانت غارة المغول واستيلاؤهم على البلاد، فذهبوا به إلى (هولاكو) في توريز، فأكرمه أول الأمر، ثم قتله.

 

المراجع :

- زبدة الحلب في تاريخ حلب ، لابن العديم .

- الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة ، لابن شداد.

- الأعلام ، للزركلي.

- الدارس في تاريخ المدارس ، للنعيمي.

- عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، لبدر الدين العيني.

- المختصر في أخبار البشر، لأبو الفداء.

- تاريخ الإسلام ، للذهبي./span>

- تاريخ ابن خلدون .


http://bsam.4t.com/
   Report 
   05-16-2008, 07:02 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
الشاطئ الفينيقي من بيروت إلى اللاذقية ـ جرجس الخوري المقدسي
التاريخ: الخميس 06 تموز 2006
الموضوع: صحافة زمان


عمامة السيد البدويخاص ألف
 
قبل انتهاء عطلة الربيع شعرنا بملل فرأينا الواجب الصحي يدعونا إلى رحلة نروّح بها النفس قبل استئناف الأعمال المدرسية. رحلة يكون طريقها سهلاً و لا نحتاج فيها إلى قطع جواز سفر لأن قطع الجواز يكلف مشقة كبيرة هذه في الأيام. و عليه رضينا أن تكون سياحتنا القصيرة ضمن منطقة الانتداب. ركبنا الأوتوموبيل من بيروت بعد ظهر الجمعة الواقع في 16 نيسان 1926 و وجهتنا طرابلس فانطلق بنا انطلاق السهم فلم تستوقف أنظارنا أودية لبنان و جباله الشامخة القائمة عن يميننا و لا تلك الأنهار التي مررنا فوق قناطرها و لا ذلك البحر المتلاطم الأمواج عن شمالنا. و سبب ذلك أنا قد ألفنا هذه المناظر الساحرة لأنا نشاهدها كل يوم فأصبحت أموراً عادية لا نكترث لها مع أن السياح الغرباء يفتتنون بها أي افتتان 


.
بلغنا طرابلس بساعتين و نصف و قضينا فيها ليلة نستنشق طيب أزهار جناتها الفياحة. و قبل ظهر السبت 17 نيسان ركبنا السيارة قاصدين اللاذقية. و لما خرجنا من طرابلس بدأنا نشعر بابتهاج لأن العين أصبحت تقع على جبال و أودية و أغوار و أنجاد و سهول و غياض مرَّ علينا
نحو عشرين سنة لم نشاهدها. فأخذنا نحدق بها و لكنَّ السير في الأوتوموبيل لا يروي غليل النفس
من منظر فتمر الأشياء أمام المسافر مرور مشاهد السينما.
مررنا بالقرب من مقام السيد (البدوي) و شاهدنا البركة التي يعيش بها السمك آمنناً بجوار ذلك الولي. ثم أشرفنا على المنيه و هي بلدة في سفح جبل تربل كثيرة المياه تتصل جنائنها بأملاك طرابلس فتذكرنا حادثة تاريخية رواها لنا سيدي الوالد، قال :
خرجت يوماً من طربلس في زمن الفتوة مع بعض رفاقي نروح النفس في بساتين المنيه. و كان ذلك حوالي سنة 1858. و بينما نحن هنالك إذ انتشر الخبر أن معركة نشبت بين فرسان الدنادشة و فرسان النصيرية. و أخذ المتحاربون يقتربون فتسلقنا الأشجار فرأينا فرسان النصيرية قد لازموا شاطئ البحر يدافعون عن نفوسهم و الدنادشة يهاجمونهم من جهة البر، و كان كلما قتل شخص من جانب تحتدم الموقعة لأن كل فريق كان يحاول أخذه.
و لما أصبح المتحاربون أمام المنيه خاف النصيرية أن ينجد أهلها الدنادشة لأنهم سنيون من مذهبهم و لذلك رفع النصيرية علماً أبيضاً، و قالوا هذا هو علم أهل المنية.
عندئذ وقف شيخ البلدة على مرتفع و قال مخاطياً السكان (تعلمون أن الأثمار التي تخرج من بساتيننا تياع في بلاد صافيتا فإذا نحن نصرنا الدنادشة على النصيرية جعلنا هؤلاء أعداءَنا، فيمنعونا من بيع أثمارنا في بلادهم. إذاً ليس من مصلحتنا الدخول في هذه المعمعة.
فأوقف بذلك النجدة التي كان ينتظرها الدنادشة من أهل المنيه. و هذا دليل على أن الحرب إنما تسوق إليها في الغالب المصلحة أكثر من العاطفة الدينية، حتى يقال أن الحروب الصليبية نفسها التي زعموا أنها حروب مقدسة كان الدين فيها ليس إلا ستار لمصالح الزعماء المادية.
و كان فرسان النصيرية يسيرون غرباً مدافعين عن زعيمهم اسماعيل بك ملازمين الشاطئ يحمي ظهرهم البحر حتى بلغوا برج السباع بالقرب من الاسكلة و اعتصموا به. أما الدنادشة فدخلوا طرابلس من ناحية باب التبانه، فوقفت قوة السلطة بينهم و بين أخصامهم النصيرية و منعتهم من الالتحام.
ثم واصل اسماعيل بك السير مع رجاله إلى دمشق فاراً في لبنان.
وسبب هذه الموقعة على ما يرويها الوالد هي أنه كان في تلك الأيام ثلاث زعامات تتنازع السيادة في بلاد الحصن و صافيتا، و هي :
مشايخ بني موسى الحنا المسيحيون.
بكوات النصيرية أسرة خير بك العلويون.
يكوات الدنادشة السنيون.
وحدث أن الشيخ ملحم ابراهيم من زعماء بني موسى الحنا قتل في مقاطعة الدنادشة، فاتهم المسيحيون الدنادشة بقتله، و اشتدت العداوة و البغضاء بين الفريقين. فلما حكم البلاد خير بك العلوي أقنع زعماء بني موسى الحنا و زعماء بني دندش بالاجتماع عُزلاً من السلاح عند جسر الصاحب الواقع على نهر راويل شرقي قلعة الحصن، قصد أن يصلح بينهم. و بينما كانوا مجتمعين في ذلك المكان الآمن يتعاتبون و إذ نهض كمين مسلحٌ من المسيحيين و فتكوا ببعض زعماء الدنادشة الآمنين أخذاً بثأر ملحم ابراهيم، فتفرق الجمهور و الحقد ملءُ قلوب بني دندش على خير بك النصيري لزعمهم أنه تواطأ مع النصارى على هذا العمل. و ظلوا يترقبون الفرص حتى مات خير بك و حكم ابنه اسماعيل بك مكانه. و في ذهابه حوالي سنة 1858 إلى الشام عن طريق طرابلس لاقاه كما ذكرنا فرسان الدنادشة للأخذ بالثأر و كان بين رجاله عدد من المسيحيين فبدأت المناوشات من خان عرقا فالعبده، و لولا ملازمة فرسان النصيرية شاطئ البحر و اقتصارهم على المدافعة لما تمكنوا من الوصول إلى طرابلس لأن أعداءَهم كانوا كثيرين في ذلك السهل.
على أن اسماعيل خير بك بعد رجوعه من الشام شق عصا الطاعة على الدولة العثمانية، فسيّرت عليه حملة فقتل حوالي سنة 1859، و المتقدمون في السن لا يزالون يذكرون الأمن الذي أحدثه اسماعيل في أيام حكمه على بلاد صافيتا و الحصن. حتى يقال أن أحد المكارين وقعت منه في البرية خصلة حرير، فظلت أياماً لا يتجاسر أحد من المارة على مسها، هذه خلاصة مما كان يجري في تلك الأيام بين الزعماء.
و بعد المنيه أشرفنا على خان العبده و انفتحت أمامنا السهول و من ورائها الجبال، فابتهجنا بتلك المناظر الجميلة و بنضارة حقول القمح المتسعة. هذا السهل الذي نسير فيه يفصل جبال عكار و لبنان عن جبال صافيتا ممتداً إلى حمص. قطعنا فيه عدة أنهار منها نهر البارد بالقرب من المنية و مصدره من جبال الضنية بالقرب من سير، و نهر عرقا و مصدره من جبال عكار بالقرب من فنيدق، و نهر الخريبة و مصدره نبع الشيخ جنيد فوق بينو، و النهر الكبير (العريضة)، و نهر الأبرش و مخرجه نبع الشيخ حسن بالقرب من الكفرون.
و أهم هذه الأنهار النهر الكبير ليس لأنه أغزرها ماء بل لأنه يمر مسافةً طويلة في سهول فسيحة. فإن لهذا النهر ثلاثة مخارج فالأول من جبل الحلو بالقرب من مقعبره و الكيمة، و الثاني نبع الناصرية في أعالي البقيعة، و الثالث نبع الصفا من وادي خالد هذا عدا عن مجارٍ عديدة تنحدر إليه. و يسمى هذا النهر في أعاليه (راويل)، و لعّل هذه اللفظة مشتقة من "ريع ايل" أي بركة الله، و في أسفل سهل البقيعة يسمى (العريضة) و في سهل عكار يسمى النهر الكبير. و لو تمكن أهل الفن من استخدام كل مائه للري لزادت ثروة البلاد زيادة عظيمة.
و كان معنا في الأوتوموبيل أحد الأجانب و هو من الذين يتاجرون بالماكنات الزراعية و قد وقفنا بضع دقائق نشاهد تلك الآلات تحرث الأرض و لعلها تزداد في المستقبل فتأتي بفائدة جزيلة.
و من الأماكن التي مررنا بها الحميدية (المهاجرين) و هي بلدة جميلة بناها مسلمون من مهاجري اكريت – بعد انفصال هذه الجزيرة عن أملاك الدولة العثمانية – و أخذوا يحرثون الأرض فأفادوا و استفادوا.
ثم أقبلنا على طرطوس و هي مركز متصرفية القسم الجنوبي من بلاد العلويين، و الجبل عند طرطوس يهاجم البحر فيصبح السهل ضيقاً. و قفنا هناك قليلاً لاصلاح خلل طرأ على السيارة فشاهدنا بعض آثار المدينة كالسور و الكنيسة المشهورة. و أمام طرطوس قائمة جزيرة ارواد و منظرها جميل. هذه الجزيرة الجميلة الصغيرة كان لها شأن في التاريخ، فإنها طالما ناوءت الفاتحين و منهم الاسكندر الكبير فإنه ظل عدة أشهر يحاربها حتى تمكن من الاستيلاء عليها. و يقال أن عدد سكانها اليوم نحو سبعة آلاف. و هم من بقايا الفينيقيين القدماء الذين سلكوا البحار و جابهوا الأمواج بمراكبهم الهوائية، فكانوا يحملون الثروات إلى سورية من أطراف المعمورة يوم لم تكن لندن و نيويورك و غيرهما من المدن الحديثة موجودة.
ثم سار بنا الأوتوموبيل شمالاً و أخذ السهل يتسع بين البحر و الجبل و قد زاد ابتهاجنا بتلك المناظر لأننا لم نشاهدها من قبل. و ما لبثنا حتى أشرفنا على متن آل عرنوق و هو رابية جميلة خصيبة بينها و بين البحر سهل بصيرة الواقعة على الشاطئ و الأملاك هناك تدل على اعتناء ففيها الزروع و أغراس التوت و الزيتون. و بعد ذلك بلغنا بلدة بانياس و يمر بجانبها النهر المسمى باسمها، و فوقها على رأس الجبل قائمة قلعة المرقب المشهورة. و بانياس بلدة قديمة مشهورة بمحصولات الحرير. روى أحد المؤرخين أنه لما كانت تجارة الاسلام في سالف الزمان زاهية كانت حلب تصدر البضائع إلى أوروبا عن طريق اللاذقية و السويدية و بانياس و أين نحن اليوم من تلك الأيام.
و عند بانياس يعود الجبل فيزحم البحر فيضيق السهل مسافة قصيرة، ثم يأخذ بالانفراج. و لما بلغنا جبلة وجدنا أنفسنا وسط سهول متسعة خصيبة. و جبلة بلدة زراعية و فيها مقام السلطان ابراهيم الأدهم، زهد في الدنيا فترك عزة الملك مختاراً على أثر سماعه قارئاً يتلو (الملك لله).
ذكرت النور أن ابراهيم بن أدهم بن منصور من سلالة بكر بن  وائل ولد في ببلخ في خرسان، و قدم سوريا فسكن فيها و كان متزهداً منقطعاً إلى عبادة الله، و قد ذكر ابن الوردي خبر وفاته في حوادث سنة 161 للهجرة، ولكن لم يعين المكان الذي توفي فيه، و إنما نقل ما حدَّث يه ابراهيم بن أدهم عن نفسه، فقال : "إنه ابن ملك من ملوك خرسان غادر بلاده و سار منها إلى العراق ثم إلى الشام ثم إلى طرسوس ثم تركها".
و الطريق من طرطرس إلى اللاذقية معبَّدة و هي غاية في الاتقان، تمر فوق قناطر جميلة تجري من تحتها أنهار غزيرة، و منها نهر السين (و لعل الصليبيين سموه بهذا الاسم)، و نهر الروس و نهر الصنوبر و النهر الكبير و هذا الأخير على مقربة من اللاذقية و يقال أنه طغى هذه السنة فأغرق أحد عشر شخصاً.
و بعد سير نحو أربع ساعات من طرابلس بلغنا اللاذقية ظهر السبت فانزلنا في بيته الصديق الخواجا توفيق عوض. و بعد الغدا و الاستراحة سار بنا يرينا شوارع المدينة و معظمها مستقيم متسع على الطراز الحديث كشارع السرايا و شارع البلدية و شارع الفنار و شارع غورو و شارع نيجر و شارع كيلا و هذا طوله نحو كيلومترين. و شاهدنا الحديقة الجميلة و الفندق الجديد الذي بني حديثاً على آخر طرز، ففي الغرفة الواحدة كل معدات الراحة. و هنالك عمود قديم أُقيم تذكاراً للجنرال بيلوت لأنه أنار المدينة بالكهرباء و جرَّ إليها ماء ديفة مؤخراً بأنابيب حديدية عن بعد نحو 25 كيلومتراً، فأغنى السكان عن ماء الآبار. و قد صعدنا إلى الحاوز على مرتفع شرقي المدينة و شاهدنا تدفق ذلك الماء الصافي. و هي مأثرة جميلة زادت اللاذقية بهاء و أملاكها قيمة.
قيل أن أحدهم كان يؤجر قطعة الأرض من أملاكه بثلاث ليرات عثمانية سنوياً، فلما جرت مياه ديفة إلى اللاذقية ابتاع منها كمية لسقي تلك القطعة، و زرعها قصب سكر فأجّرها ب 48 ليرة عثمانية ذهباً، و هذا دليل على أهمية استخدام الماء في إنماء ثروة البلاد.
و قد شاهدنا عدة آثار قديمة في المدينة منها الكنيسة المعلقة و فيها آثار و نقوش رومانية، و منها كنيسة العواميد و هي قائمة على عمد ضخمة، و يظن البعض أن البنائين كانا هيكلين لعبادة الأوثان فحولها المسيحيون إلى كنيستين، ثم حولها المسلمون إلى مسجدين.
ثم صعدنا إلى جامع المغربي و هو على ربوة شرقي اللاذقية تعلو 78 درجة عن أرض المدينة، فصعدنا في قلب المئذنة بسلَّم لولبية علوها 82 درجة. من رأس هذه المنارة التي تعلو عن أرض اللاذقية 160 درجة يرى الواقف منظراً يتجلى فيه الجمال و الجلال, فإلى الغرب البحر المتسع الذي شهد تقلبات الزمان و إلى الشرق السهل الأخضر الخصيب تحدق به جبال العلويين. جبال متوسطة العلو ليست صخرية بل جيدة التربة صالحة للزراعة. رؤوس هذه الجبال تشرف على وادي العاصي المبارك و على سهول حماة و حلب التي كانت قديماً تضم الملايين من السكان فيعيشون منها و يصدرون من خيراتها.
و إذا سرَّحت الطرف شمالاً و أنت على رأس منارة ذلك الجامع يمتد بصرك إلى الجبل الأقرع جبل انطاكية و السويدية، و إلى الجبل الأحمر جبل اسكندرونه، و جبال كيليكيا. و إذا توجهت جنوباً تقع العين على سلسلة جبال لبنان معممة بالثلوج تناطح برؤوسها السحاب. مشاهد تقصر عن وصف جمالها و جلالها الأقلام فسبحان مبدع الكائنات.
نزلنا من ذلك المكان الساحر و قلوبنا لم تزل فيه. و استأذنا بدخول الجامع فسمح لنا بشرط أن نخلع أحذيتنا ففعلنا عن طيبة خاطر لأن أصابع أرجلنا بعد سير عدة ساعات كانت في حاجة شديدة إلى الاستراحة، فجلسنا على طنافس الجامع الجميلة يحدثنا خادمه بلطف عن طيب حياة المغربي الذي بني المقام  على اسمه.
ثم سرنا حول المدينة و كانت الشمس على وشك المغيب فالتقينا بمئات من سكان المدينة نساء و رجالاً يسرحون على الطرقات بين الزروع. و عند المساء زارنا عدد من أفاضل الأدباء و الأصدقاء. و صباح الأحد حضرنا اجتماع العبادة في الكنيسة الأنجيلية، و في اللاذقية عدة مدارس راقية منها أميركانية و فرنساوية و أهلية و قد قضينا نهار الأحد في زيارة بيوت الأصدقاء و ابتهجنا بلطف أحاديثهم.
و عدد سكان اللاذقية نحو عشرين ألفاً و هي عاصمة الدولة العلوية. و سكان هذه المنطقة بحسب احصاء الحكومة الأخير سنة 1926 يبلغون 278011 نسمة، منهم 176285 علويون و 52778 سنيون و 35148 أرثوذكس و 5263 موارنة و 4457 اسماعليون و 1039 روم كاثوليك و 1112 بروتستانت و ما بقي منها أرمن و كلدان و سريان و جعفريون و دروز و اسرائيليون. و الحكومة آخذة اليوم بمد طريق سيارات من اللاذقية إلى حلب و متى تمَّت يمكن قطع المسافة بين المدينتين بنحو خمس ساعات.
و أهم مداخيل بلاد اللاذقية الحبوب و الزيتون و الحرير و الدخان و هذا الصنف الأخير يزرع في السواحل و الجبال و هو ثلاثة أنواع :
التنباك، و كان محصوله منذ نحو أربعة سنوات يزيد على ثلاثمئة ألف كيلو. و لكن المكوس التي وضعت عليه و مزاحمة التنباك العجمي له أسقطت محصوله إلى ثمانين ألف كيلو في السنة.
دخان السيكارة المسمى بشك البنت، و هذا كان محصوله عادة بين الخمس مئة ألف كيلو و لكن احتكار الريجي له جعل الفلاح يزهد في زراعته، لأن هذه الشركة ترغمه على بيع الدخان لها بأبخس الأثمان و تجبره على مشتراها منها بـأغلاها.
دخان الغليون المسمى ب " أبي ريحة"، و هذا يصدرونه إلى بلاد الانكليز و قد ارتفعت أسعاره جداً في أول الاحتلال فأغنى كثيرين و لكنها هبطت هذه الأيام.
هذه لمحة من سياحة يومين على شاطئ فينيقية الشمالية. و قبل ظهر الاثنين الواقع في 19 نيسان و دعنا الأصدقاء، و قفلنا راجعين من اللاذقية نمتع النفس بالمناظر البهية من جبال و وهاد و مروج و أزهار و انهار، فبلغنا بيروت بأقل من سبع ساعات. و المسافة التي قطعناها تبلغ نحو 260 كيلومتراً، فيحتاج المكاري أكثر من سبعة أيام لقطعها، فالسيارات كم قرَّبت الأبعاد على أنه متى انتظم السير بالطيارات تصبح السيارات (موضة) قديمة. و لقد صدق من قال إن هذا العصر عصر السرعة و الايجاز. و لكن هل زادت يا ترى بهذه السرعة سعادة البشر ؟ تلك مسالة فيها نظر.
 
نشرت في مجلة "المورد الصافي" عام 1926
أرسلتها أثير محمد علي

http://bsam.4t.com/
   Report 
   05-17-2008, 10:57 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة

شطحة لا بد منها

لي شغف عجيب بالبحث عن كل ما هو قديم (وجميل وقبيح)، في الفن والتاريخ من أجل المقارنة والعلم بالشيء، لا أكثر ولا أقل ـ خصوصاً إذا كان ذلك الشيء (موثقا).وقد بعث لي احدهم بثلاثة مجلدات تحوي أعداد مجلة «المصّور» المصرية منذ إنشائها إلى أوائل الخمسينات الميلادية، فأصبحت أوليها اهتمامي، وأتصفحها كل يوم لمدة ساعة كاملة بعد إفطاري، ولا يمكن أن يخطر على بالكم مقدار السعادة والأسى الذي كان يعتمل بنفسي في تلك الساعة.

ولكي أضرب لكم مثلا بسيطا، فهذا اليوم تصفحت العدد 238 بتاريخ 3 مايو 1929 ووجدت فيه: أن الملك فؤاد قد افتتح (التوسعة) للمحطة الرئيسية لمجاري العاصمة.

وللمعلومية فقط أقول: إن تلك الشبكة من المجاري لم تتوسع بعد ذلك أبداً بعد حركة الضباط ـ آسف أقصد (الزّباط الأحرار) ـ طوال أكثر من ثمانية عشر عاماً، حيث أن حضرات (الزّباط) كانوا في ذلك الوقت منشغلين بتصفية بعضهم بعضا، وبتحرير شعوب العالم ـ ومعاهم الحق ـ إلى أن طفحت المجاري بكل ما فيها.

وفي ذلك العدد: السباق الدولي للزوارق في نهر النيل، افتتاح حديقة مورو، معرض الصحراء الغربية للمزروعات والمصنوعات والمواشي والجياد، افتتاح مستشفى الأميرة فوقية، إنشاء مساكن العمال الجديدة، الحفلة السنوية لبنات المدارس، فرقة رمسيس في طريقها إلى بلاد الشام لتعرض مسرحياتها هناك، بنك مصر يقدم خدماته للمصطافين في الخارج، أحسن رسوم العام للفنانين المصريين، معارض الأزياء بمحلات سليم وسمعان وصيدناوي، وفي نفس العدد أيضاً هناك (روبرتاج) ينتقد كثرة المسافرين للسياحة في الخارج، حيث أن مصر أولى من الدول الأخرى بالأموال الطائلة التي ينفقها المصريون هناك في كل عام، خصوصاً أن لدينا الشواطئ والأماكن السياحية التي يأتي لها السياح من مختلف أنحاء العالم.

وأحدهم يشكو من الزحمة (والترفك) وكثرة السيارات في شوارع العاصمة، ويتندر مستعرضاً إحصائية تقول: انه في الولايات المتحدة توجد سيارة لكل خمسة أفراد، وفي بريطانيا سيارة لكل 41، وفي فرنسا سيارة لكل 137، أما في البلاد الفقيرة كالحبشة فسيارة لكل 91.743، وفي الجزيرة العربية هناك سيارة واحدة (يا دوب) لكل (150.000)، وهذا صحيح، قطعاً صحيح، طبعاً دار الزمان، وتغيرّت وتبدلت الأحوال، ولكل زمان دولة ورجال وظروف وحظوظ.

وأعترف طوعاً وقسراً، بدون أن يجبرني أي أحد، ولست مستعداً على الإطلاق أن أتقبل الإملاء من أي أحد ـ واعترافي هذا (على فكرة) لا يدخل في باب التبرير أو التواضع الزائف ـ لكنها فقط الحقيقة التي تعلو ولا يعلى عليها.

أقول وبالله الرحمن الرحيم: إنه لو لم يكن (النفط) لكانت دول الخليج برمتها تستحق اليوم المساعدات والعون من منظمات الغوث الدولية، وهذا ليس عيباً، لأن الفقر ليس عيباً، أجدادنا عاشوا في حياة الفقر والعوز ما لم يعشه أي شعب على وجه هذه الأرض، كانوا بدون مبالغة في أيام القحط يأكلون الجراد والجلود ولولا الكذب لقلت إنهم يسفوّن التراب، هكذا كانوا في سنة 1929، حينما كانت القاهرة قاهرة حقاً.

لكننا على الأقل ـ أكرر (على الأقل) ـ رغم (الكربشن) ـ استطعنا أن نعمل ونتعلم وننشئ مجتمعاً حضارياً بمساعدة واستغلال المضروب الذي يقال له (النفط)، رغم أن دولا كثيرة في منطقتنا ـ ولا أريد أن أسميها ـ يوجد فيها النفط وغيره من مقومات الحياة والتطور، ولكنهم للأسف (تبطروا) وعميت منهم الأبصار.

لا أدري لماذا أنا شطحت اليوم أكثر من اللازم؟!، أكيد أحد داعي عليّ.

لهذا أشرف لي أن (انطم) ـ أي اسكت.

m.asudairy@asharqalawsat.com
http://bsam.4t.com/
   Report 
   05-18-2008, 07:10 AM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
من ذكريات معارك الجلاء....من أوراق سعد زغلول الكواكبي..تقديم المحامي علاء السيد



خلال بحثي عن المعلومات المتعلقة بتاريخ سوريا عامة ، و تاريخ حلب خاصة ، قصدت الأستاذ الكبير سعد زغلول الكواكبي ، حفيد المفكر العربي الرائد عبد الرحمن الكواكبي ، و الأستاذ سعد زغلول من مواليد عام 1924،و كان قاضياً منذ عام 1952 ثم تقاعد و يعمل الآن محامياً ، و كان أمينا عاما لاتحاد الجمعيات الأثرية العربية و رئيساً سابقاً لمدة ثلاثة عشر عاما لجمعية العاديات ،و له أبحاث و ندوات و كتب في الأدب و التراث و القانون و التاريخ و الآثار داخل القطر و خارجه ، و أسعدني الحظ بأن أكرمني الأستاذ سعد وأطلعني على أوراقه و مذكراته و مخطوطات كتبه و مجموعة صوره القديمة التي لم تنشر ، و اخترت منها للقراء الكرام بمناسبة أعياد الجلاء في نيسان، هذا القسم من مذكراته :
اندلعت الحرب العالمية الثانية في 3 أيلول 1939 ،و استولى الجيش الفرنسي المتواجد على الأرض السورية على المؤن ، و كثير من الوسائل المعيشية في البلاد لدعم جيوش فرنسا في الشرق ، و حُكمت البلاد بقبضة حديدية ، إذ مُنعت الصحف و المنشورات و الاجتماعات و الجمعيات و الأحزاب ، مما سبب ازدياد النقمة و التهيؤ للقيام بانتفاضة شعبية .
و في بداية عام 1941 اندلعت المظاهرات ، و كانت حلب على موعد مع هذه الانتفاضة ، و خرجت المظاهرات ضد فرنسة مبتدئة من حي المشارقة بحلب ، شارك فيها طلاب مدرستنا ( مدرسة التجهيز ) التي سميت فيما بعد مدرسة المأمون ، و خرجوا بمظاهرة كبيرة شاركت فيها إذ كنت في الصف العاشر و كنت ابلغ من العمر حينها سبعة عشر عاما ، و اصطدمنا مع الشرطة و الدرك الفرنسي .
خرجت المظاهرة من مدرسة التجهيز في صباح يوم الأحد التاسع من آذار 1941 و كنا نبلغ حوالي المائتي طالب ، و كان يوماّ مشمساً ، و ما كدنا نخرج من باب المدرسة لنلحق بالمظاهرات في شوارع المدينة ، حتى طوقتنا قوة الدرك الفرنسي عند مخفر الكتّاب ، بقيادة الكوماندان الفرنسي كوردييه مع رجاله ، واحتدمت المعركة بيننا و بينها ، معركة باسلة ، واجهت فيها الحجارة .. المصفحات و الرصاص و الهراوات .
فتراجع الطلاب تحت الضغط باتجاه المدرسة ، و ذهب قسم آخر إلى المقبرة المجاورة التي سميت فيما بعد مقبرة هنانو ، و احتموا من الرصاص بين القبور ، و فجأة سقط زميلي " مصطفى النعساني " برصاصة استقرت في رأسه ، ففقد الوعي ، فحمله رفاقي محمد السيد و عمر رشدي رفاعي إلى قاعة الإسعاف في المدرسة ، و لكنه اشرف على الوضع الخطير جداً .
و أقنع المسيو غولمييه و كان مستشار فرنسي للمعارف و صار فيما بعد مستشرقا معروفا، المقدم " كوردييه " بالسماح بنقل زميلنا مصطفى نعساني الذي ساءت حالته كثيرا ، إلى مستشفى الرازي فنُقل ، و هناك أجرى له عمه المرحوم الطبيب أحمد النعساني عملية جراحية خطيرة استأصل بها الرصاصة الملاصقة لدماغه بنجاح ، و بقي فاقدا للنطق فترة طويلة بعدها .
و تدخل أستاذ الأدب الفرنسي في المدرسة " المسيو غولمييه" ، و جمع بعض الطلاب و أوضح لهم أن الفرنسيين سيدخلون المدرسة بالمصفحات ، و نصحهم بالتوقف عن رمي الأحجار فلم يستجب له الطلاب .
و تضاعفت قوة العسكر فلم نتمكن من مجابهة الرصاص و الهراوات ، فتراجعنا إلى داخل المدرسة ، و أغلقنا الباب الخارجي ، و رحنا نقذف القوة العسكرية بالحجارة من خلف سياج المدرسة الحديدي .
و لما أدركنا أن الرصاص قد يصيبنا، إذ رأينا بأم العين الضباط الفرنسيين يمدون أيديهم من خلال أعمدة السياج الحديدي ، و يطلقون الرصاص علينا صعدنا إلى الأسطحة ، و كنت مع الصاعدين إلى السطح المطل على بيت " الجنرال" الحاكم العسكري المجاور لمدرستنا ، و من هناك كنا نلقي الحجارة التي كان يحملها على رأسه أستاذنا المرحوم عبد الجبار أبو الشامات و أستاذنا المرحوم وهبي الحريري .
حتى إذا تمكنت من إسقاط حجر كبير مرّ بجانب كتف " الكوماندان كورديي" قائد الدرك الفرنسي المحتمي في ظل أسفل الجدار ، و لم تمس رأسه بسبب تحركه ، رفع رأسه إلى الأعلى ليرى مصدر الحجر فشاهدني، و قد صاح أحد رجال الشرطة السوريين و الذي أعرفه سابقاً من مخفر باب الفرج يقول : " هاهو صاحب الصدرية الحمراء " فأدركت خطورة ما فعلت ،إذ لم يبق بين الحجر و بين رأس المقدم الفرنسي إلا بضع سنتمترات ، فكادت تودي بحياته .
فرجعت عن حافة السطح متوارياً ، و نصحني زميلي بخلع الصدرية الحمراء فخلعتها ، و تركتها على السطح ، و هرعت نازلا من السطح إلى باحة المدرسة لأشارك في رمي الحجارة من خلف السياج .
و أذكر ان صديقي محمد السيد كان أحد رماة المقلاع من على سطح المدرسة باتجاه الدرك ، و جُرح الكثير من رجال الدرك من ضرب المقاليع ، و قام موجه الطلبة المرحوم عمر بكور السيد ( صار قاض لاحقا ) بإخفائه في مستوصف المدرسة إلى جانب المرضى بعدما طالب به الفرنسيون .
و اجتاحت مصفحة فرنسية الباب الخارجي للمدرسة، و معها الضابطين الفرنسيين " موريتي " و الضابط " حصيرة" كما كان يسميه أهل حلب و لا أعرف اسمه الفرنسي ، و خلفها الدرك الفرنسي ، و أخذوا بضرب الطلاب بأعقاب البنادق ، و تصدى لهم أستاذ الأدب العربي المرحوم الشيخ الجليل طاهر الكيالي ، فضربوه و سقطت عمامته على الأرض ، بعدما صرخ بوجه الفرنسيين بالفرنسية ...( أيها القتلة) ، و كان معه الدكتور شكيب الجابري أستاذ الكيمياء ، و داخل الباب كان إلى جانب الطلبة الأستاذ غفريل كحالة أستاذ اللغة الفرنسية و الأستاذ ثابت عريس أستاذ الأدب الفرنسي ( السفير و الوزير اللاحق ) ، و معهم أستاذ مادتي الفرنسي و الإنكليزي اسعد محفل.
و تراجع الطلبة خشية التعرض للضرب بالهراوات و الرصاص و إلقاء القبض عليهم ، فدخلنا إلى القسم الداخلي من بناء المدرسة ، و أغلقنا الباب الحديدي الكبير الداخلي و لجأنا إلى غرف الدراسة.
و بقي زميل صفي المرحوم " وجيه لبنية " خارج الباب يرفض الدخول مثابراً على قتال الجنود رغم كونه معاقا في سيره ، و رغم نصيحة أستاذنا المرحوم " داود صليبا " له بالدخول قبل إقفال الباب ، فأوسعوه ضربا و سقط أرضاً ، و طار طربوشه بعيداً .
واستمرت المعركة ، و سقط أستاذنا المرحوم شكيب الجابري محطم الجبهة ، فنقل إلى مستشفى الطبيب المرحوم الدكتور خالص الجابري ، الذي استأصل الشظايا العظمية المستقرة تحت عظام جبهته بالقرب من دماغه بنجاح.
و أقنع مستشار المعارف غولمييه مدير المدرسة هاشم الفصيح بفتح الباب الداخلي أمام الفرنسيين الذين تعهدوا بأنهم لن يؤذوا الطلبة ، و خُدع المدير ، ففتح الباب بما أسميناه خيانة وطنية ، و دخل الجنود مع المقدم و الضابطين الفرنسيين ، فتصدى لهم أستاذنا المرحوم وهبي الحريري و راح يؤنبهم و يذكرهم بالتبجح بثورتهم الفرنسية ، فما هم إلا كاذبين ، فجره المقدم من رقبته و أصعده إلى السيارة العسكرية ناقلة الجنود التي استقرت و ظهرها قبالة الباب الداخلي لحشرها بالمعتقلين من الطلاب ، الذين كانوا ينتقونهم من داخل صفوف الدراسة التي التجأوا إليها عشوائياً .
و هنا تدخل المستشار الفرنسي غولمييه ، و أفهم المقدم أن هذا الرجل أستاذ في المدرسة و لا يجوز اعتقاله ، فأنزلوه قبل انطلاق السيارة .
وكان في جملة المعتقلين أخي المرحوم عبد الرحمن الكواكبي ( الذي صار وزيراً للأوقاف لاحقا في وزارتين و المسمى على اسم جدي عبد الرحمن الكواكبي ) ، لكنهم أنزلوه أيضا مع الأستاذ الحريري إذ وجده الضابط صغير السن ‍‍.
و راح الشرطة يفتشون عن صاحب الصدرية الحمراء التي وجدوها ملقاة على السطح أثناء تفتيشهم ، في وقت كنت فيه قد تمكنت من تمويه مظهري إذ سرحت شعري و بللته بالماء و مسحت حذائي بالماء أيضاً ، و استعرت سترة من أحد رفاقي فكانت تلفني كالعباءة !
و التجأت إلى صف التلامذة الكبار بالسن ، اعتقاداً مني بأن الجنود يخشون من اقتحام غرفتهم ، و جلست القرفصاء في زاوية شباك الغرفة.
فلما دخل الضابط " موريتي " مع شرطي سوري أعرفه من أسرة تسكن بحي السويقة ، غرفة صف التلاميذ الكبار ، صاح به الشرطي : يا سيدي النقيب ، هنا الزعماء.
فانهال عليهم الضابط " موريتي" قرعاً بالهراوة و اللكمات على وجوههم ،حتى أنني لم أتمالك نفسي من الصياح ، حينما شاهدت لكمة على وجه زميل لنا شركسي فوق عينيه حطمت نظارته .
ثم أمر الجميع بالخروج لاقتيادهم إلى السيارة ، فنزلت من الشباك فطردني النقيب قائلا : أنت صغير ، اقعد مكانك .
و لم يدرك و الحمد لله أنني صاحب الصدرية الحمراء ‍.
و تابع الجنود ضربهم و ركلهم للطلاب غير مكترثين بجراح بعضهم ، و أذكر منهم مصطفى رام حمداني ( محافظ حمص لاحقا ) و أمين الحافظ ( رئيس الدولة لاحقا) ، و المرحوم الأديب حسيب الكيالي ، و المرحوم عبد اللطيف سليلو ( مقدم طيار لاحقا ) ، و المرحوم غالب بلانه ( القاضي لاحقا ) ، و المرحوم عبد السلام عويدان (سكرتير أمين عام الجامعة العربية لاحقا)، و المحامي مظهر العنبري ( وزير العدل لاحقا ) ، و أخي إياد الكواكبي ( مدير الجمارك لاحقا ) ، و سليمان محمود ( العقيد في الجيش لاحقا ) ، و المرحوم ثابت المدلجي ( أحد المحامين الكبار في حلب لاحقا ) ، و عبد الرحمن حميدة ( عميد كلية الآداب لاحقا ) و المرحوم صدقي اسماعيل ( الأديب الكاتب و الشاعر و صاحب جريدة الكلب لاحقا ) ، و المرحوم ضياء الدين إبراهيم باشا ( الذي أصبح قاضياً و محامياً لاحقا ) ، و محمود رستم ( المهندس الكيميائي الأستاذ في الجامعة لاحقا ) ، و شقيقه المرحوم محمد رستم ، و عبد الله جسومة ( الضابط و محافظ اللاذقية لاحقا) ، و هؤلاء بعض من رفاق صفي و رفاقي الذين اشتركوا في المعركة .
و بنتيجة التفتيش اعتقل حوالي ثلاثين طالبا ، و نقلوا إلى خان استانبول و هو السجن العسكري حينها في السويقة و أُخلي سبيلهم بعد أيام .
حتى حل المساء ، فأعلنوا في مآذن المساجد أن من له ولد في المدرسة فليأت ليكفله بألا يعود لمثلها ، و يخرجه من المدرسة و إلاّ سيظل سجينا فيها .
و لم يقبل والدي رحمه الله بكفالتي أنا و أخي ، أن لا نعود إلى الشغب معتبرا أن ما فعلناه واجب وطني ، رغم رجاء خالي المرحوم الدكتور عمر الجابري ، فاضطر هذا إلى المجيء إلى المدرسة عند حلول الظلام ، و التوقيع على كفالتنا و إخراجنا .
و أغلق المندوب الفرنسي المدرسة ، و أمرت إدارة المدرسة بطرد مجموعة من الطلاب لمدة خمسة عشر يوما ، فكنت من جملتهم , و أرسل مدير المدرسة كتابا للمرحوم والدي يعلمه بذلك و ينصحه بتهذيب سلوكي .
و رد عليه والدي محتجاً و أعلن موافقته على مشاركتي في المظاهرات الوطنية ،إلا أن إدارة المدرسة لم تجرؤ على طردي مرة أخرى ، لا أنا و لا أي من زملائي.
و بعد اثنين وستين عاما من ذكرى تلك المعركة صادف التاريخ يوم الأحد التاسع من آذار ، فرحت أدعو من بقي حياً من رفاق مدرستي للاحتفال بهذه الذكرى ،بزيارة لمدرسة التجهيز ، ثانوية المأمون حالياً ، و اتصلت مع مصطفى النعساني ( رئيس دائرة متقاعد ببلدية حلب) ،و عبد الهادي ناشد ( مدير مدرسة متقاعد ) ،و محمد السيد ( أمين عام غرفة التجارة العربية اليونانية و مندوب الجامعة العربية في أثينا ) ،و أخي إياد الكواكبي (مدير متقاعد للجمارك ) ، و قدري الجزماتي ( المحامي و التاجر ) ، و عمر الكركوكي ( القاضي المتقاعد ) ، و الدكتور مصطفى الحريري ( الطبيب المعروف ) ،و المهندس محمود رستم ، و يحيى رائف ( المدير المعاون المتقاعد بالشؤون الإجتماعية ) ،و الأستاذ صلاح الدين الخطيب ( قائد الكشافة و مدير المكتبة الوطنية ) و اخي المرحوم عبد الرحمن الكواكبي ( الوزير لاحقا ) ، و ذهبنا جميعاّ و منا القاضي و المحامي و الطبيب و التاجر و المهندس و الوزير ، وكلهم متقاعدون ، و رحنا نتجول في زوايا المدرسة و نتذكر المعركة و نَصِفها للأساتذة و الطلاب الذين كانوا ينصتون إلينا بشغف كبير ، و هم ينظرون إلى الشهيد الحي " مصطفى النعساني " فيريهم مكان الرصاصة في جمجمته .
فلما دخلنا صف الشهادة الثانوية تقدمت لألقي كلمة على الطلاب فشرقت بالدمع ، و لم أتمكن من المتابعة ، فأسعفني زميلي الأستاذ محمد السيد .
و أكدنا للطلاب أن هذه المعركة كانت الخميرة الصالحة لجلاء الفرنسيين يوم الجلاء الأكبر 17 نيسان 1945 ، حيث جرى أول احتفال بذكراه في العام التالي 1946 و خرج الضباط السوريون في الاستعراض الكبير فوق المصفحات الفرنسية التي استولوا عليها عنوة من الجيش الفرنسي قبيل الجلاء .
فكان هذا العيد هو العيد الوطني الثاني بعد عيد 8 آذار 1920 يوم التخلص من الاستعمار العثماني و استقلال سورية العربية .
 



 

http://bsam.4t.com/
   Report 
   05-22-2008, 02:48 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
طباعة حفظ


مضحكو العرب.. بين العنب والشراب

ساخرة
الخميس 22/5/2008
في كتابه الجميل (شوام ظرفاء) يروي الأستاذ عادل أبو شنب حكاية المأدبة التي أقامها المفوض السامي الفرنسي, أيام الاحتلال, ودعا إليها بعض وجهاء دمشق ومشايخها,

وكان بين المدعوين شيخ بلحية بيضاء وعمامة بيضاء, رآه المفوض السامي يأكل بيديه, ولا يستخدم الشوكة والسكين, فامتعض إلا أنه كظم غيظه, ثم سأله عبر ترجمان:‏

- لماذا لا تأكل مثلنا يا شيخي?‏

قال الشيخ:‏

- وهل تراني آكل بأنفي?‏

قال المفوض السامي:‏

- أقصد: لماذا لا تستخدم الشوكة والسكين?‏

قال الشيخ:‏

- أنا واثق من نظافة يدي, فهل أنت واثق من نظافة سكينك وشوكتك?‏

أفحم الجواب المفوض السامي فأسكته, لكنه بيّت أن ينتقم من الشيخ بسبب جوابه الفظ في نظره.‏

وكانت تجلس زوجة المفوض السامي إلى يمينه وابنته إلى يساره.‏

وبعد قليل طلب المفوض السامي, شراباً مسكراً متحدياً الشيخ وتقاليد البلاد, خاصة في مأدبة يحضرها رجال دين, فصب من الشراب لنفسه ولزوجته وابنته, وراح يشرب على نحو يستفز الشيخ, وهنا قال له:‏

- اسمع يا شيخي, أنت تحب العنب وتأكله أليس كذلك?‏

قال الشيخ: نعم.‏

وعندئذ قال المفوض مشيراً إلى العنب:‏

- هذا الشراب من هذا العنب, فلماذا تأكل العنب ولا تقرب الشراب?‏

وشخصت أنظار المدعوين جميعاً إلى الشيخ, لكنه ظل على ابتسامته التي لا تفارق شفتيه, وقال موجهاً الكلام للمفوض السامي:‏

- هذه زوجتك وهذه ابنتك, وهذه من هذه, فلماذا أُحِلّتْ لك تلك, وحرمت عليك هذه?‏

ويقال إن المفوض السامي الفرنسي أمر بعد ذلك مباشرة, برفع الشراب عن المائدة في الحال.‏


http://bsam.4t.com/
   Report 
   06-24-2008, 01:51 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
بحسيتا ..حكاية بيوت المتعة في حلب ..( ج 1من 2 ) ... بقلم : المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

ما ذُكرت بحسيتا أمام حلبي ، إلا وابتسم .

أثار هذا الأمر فضولي . وبما أن جيلنا لم يعرفها ، والجيل السابق الذي أدركها يتجنب الحديث عنها ، وكلما سألت كبار السن عنها ينفون - في البداية وبشدة - معرفتهم المباشرة بها ، ثم - تدريجيا - يتبسطون ويسترسلون في الحديث عنها ،


ويشيرون بحذر أنهم ربما زاروها مرة او مرتين للإطلاع على ما فيها فقط ، ثم وبصوت منخفض - مع تحذيري من نقل ما يحكونه على لسانهم - يروون مغامراتهم فيها .

و بما أنها تعد جزءا من تاريخ بلدنا ، والتاريخ تاريخ ،سواء كان سلبيا او ايجابيا ، ولم أجد في أي مرجع دراسة وافية لتاريخ هذا المكان ، الذي قل من امتنع عن زيارته في ذلك الزمان ، حسبما تبين لي ، ولأهمية المؤشرات الأخلاقية والاجتماعية التي يكشفها تاريخه ، والتي أترك تقديرها للقراء ، قمت بجمع المعلومات عنه من شفاه من عاصروه ، وها أنا أقدمها لكم في مقالتي هذه :

في عام 1901 م قرر والي حلب العثماني رائف باشا افتتاح دار دعارة مرخصة في حلب ، أسوة بباقي مدن السلطنة العثمانية ،كما ذكر الطباخ في كتابه إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ، وكان الهدف منها حصر وتنظيم عمل المومسات في هذا المجال منعا من تواجدهن في مختلف الأحياء وفرض رقابة صحية عليهن ، وانقسم الناس حينها بين مؤيد لفكرة حصر الدعارة في أماكن محدودة ، ومعارض بشدة للترخيص الرسمي لها ..

يقول الطباخ في كتابه الصادر في العشرينيات من القرن الماضي : (بعد ان كانت المومسات قلائل أصبح عددهن يناهز خمسمائة ، وأصبح زائرو هذه الأماكن مئات من الناس بل ألوفا ، وتهافت الشباب على هذه المواخير لسهولة الوصول إليها وفشا فيهم داء الزهري والتعقيبة) .

 

لكن ترخيص الدعارة في أماكن محددة محصورة لم يمنع انتشار هذه الظاهرة بشكل سري، والمرأة التي كانت تمارس الدعارة بدون رخصة خارج البيوت الرسمية المخصصة لها، كانت تعاقب بالحبس ، فإذا ضبطت مرة ثانية او ثالثة تجبرها السلطات المختصة على الإقامة الإجبارية في دور الدعارة المرخصة.

 

و تقرر على إقامة بيوت الدعارة المرخصة في حلب - التي أطلق عليها اسم المحل العمومي - في حي بحسيتا ،التابع لحارة القلة ، قرب ساعة باب الفرج الحالية .

كان أغلب سكان حارة القلة وبحسيتا قبل افتتاح المحل العمومي من العائلات اليهودية ، وقد حدد مؤرخ حلب كامل الغزي في كتابه نهر الذهب عدد سكانها اليهود بحوالي أربعة ألاف شخص في العشرينيات ، واشهرهم آل جدّاع , آل نحمات , آل ساسون , وآل دويك ، الذين انتقل الأغنياء منهم للإقامة في محلة الجميلية تجنبا للإقامة قرب بيوت الدعارة .

مدخل بحسيتا على يسار ساعة باب الفرج

 

أما معنى اسم بحسيتا فقد أورد الغزي عدة آراء حول معنى الاسم ، ورجّح أخيرا ان بحسيتا مركبة من كلمتين : أولاهما بيت والتي تختصر في السوريانية بحرفي ( با ) فقط مثل أسماء المناطق السوريانية الأخرى ( بانقوسا وتعني بيت الناقوس ، باريشا وتعني بيت الريس وغيرها ) والثانية حسيوتا ومعناها الغفران أو الطهارة ، وبذلك يكون معناها بيت الطهارة والمغفرة .

ويقول الغزي : (الظاهر إنه كان فيها زمن الكلدانيين مكان مقدس ،يقصده الناس للاعتراف بخطاياهم )

أما خير الدين الاسدي صاحب موسوعة حلب المقارنة فقد رجح رأياً آخر أورده الغزي فيما أورده من آراء ، وهو الرأي الذي يقول أن الاسم محرف من باح سيتا ، وان شخص اسمه سيتا باح بسر ما ، وافترض الاسدي ان سيته هذا رجل صالح ولهذا السبب هناك جامع قديم جدا في المنطقة اسمه جامع سيته .

و هناك رأي يقول ان سيتة هو اسم منطقة من اصل سورياني ، وان جامع سيته المذكور كانت له باحة أمامه ، وبدمج باحة مع اسم سيته كانت بحسيتا .

و أنا أرجح رأي الغزي على الآراء الأخرى فمن الواضح ان اسم سيته هو اسم قديم آرامي سرياني ، ولا يعقل ان يسبق بكلمة عربية هي كلمة باح ( بمعنى أفشى ) أو بكلمة باحة ( بمعنى ساحة ) .

شارع بحسيتا هو شارع مستقيم بطول ثلاثمائة متر تقريبا ، على جانبيه كانت توجد الدكاكين واغلبها بقاليات ، ومنها دكان يبيع المشروبات الروحية ، وفي منتصف الشارع جهة اليمين يوجد مدخل صغير يؤدي الى زقاق المحل العمومي .

و سابقا كان في الزقاق الذي أقيم فيه المحل العمومي قبل ترخيصه ، مضافة للعموم ، ويطلق العامة على بيوت الضيافة اسم المنزول ، وهي من كلمة ( نزل ) الفصحى ، فيقال مثلا : (حللت أهلا ونزلت سهلا ) ، وعادة كان الأثرياء والباشاوات والآغوات ينشئون مكانا مخصصا لإقامة الأغراب وضيافتهم مجانا ،هو المنزول ،و يسمى في الأرياف ( الاوضة ) .

وبعدما تحول هذا الزقاق الى مكان للدعارة ، صار اسم المنزول لدى الحلبيين مرتبطا ببيوت الدعارة ، بينما يستخدم أبناء بقية المحافظات هذا الاسم للإشارة الى المضافات . كما يستعمل الحلبيون كلمة كارخانة للدلالة على بيوت الدعارة ، وهي كلمة تركية تعني ( مكان العمل ) ، فالكار هو العمل او المهنة والخانة هي المكان .

 

كان المحل العمومي الذي تم ترخيصه للدعارة ، مؤلف من مدخل ضيق يحمل رقم 142 في لوحة معلقة على جداره ، ولذلك اشتهر هذا الرقم كرمز للمنزول .

و تنفذ من المدخل الى زقاق ضيق ، على طرفيه مجموعة من الدور العربية، لكل دار حوش وعدة غرف موزعة في أطرافه ، لبعضها غرف علوية ( مربع ) .

و في نهاية الزقاق منفذ آخر له باب مغلق لا يفتح إلا في أحوال خاصة كاستقبال الجنود الفرنسيين والمليس ( وهي كلمة مشتقة من ميليشيا ) او لدخول الأطباء وموظفي الصحة .

قرب المحل العمومي كانت توجد حمام عامة تحمل اسم حمام الهنا ، وقد خصصت أوقات محددة فيها لفتيات الكرخانة ، وقد هدمت الآن .

 

وقرب المنزول مشفى خصصته الدولة لفحص الفتيات ولمعالجة الأمراض التناسلية .

في الأربعاء من كل أسبوع ، تخرج الفتيات من الباب الخلفي للزقاق المخصص لهذا الأمر ، ليقمن بزيارة الطبابة الشرعية - التي كانت قريبة من المنزول - لإجراء الفحص الدوري ، وفي حال تبين إصابة أي منهن بمرض ما ، تعزل وتحجر حتى تتماثل للشفاء في المستوصف القريب من المنزول . وتوجد فيه غرف تشبه الزنزانات ، كما تحجر الفتيات فيه طوال فترتهن النسائية الشهرية ، لمنعهن من العمل خلالها .

كانت الفتيات تلجأن لكيّ الرحم منعا من حصول الحمل ، والى الإجهاض في حال تم حدوثه ، فقد كانت تربية الأطفال ممنوعة داخل المحل العمومي .

 

في مدخل المحل العمومي غرفة صغيرة تتواجد فيها دائما مفرزة مؤلفة من عنصرين من رجال الشرطة ، لمنع دخول الأحداث وللتفتيش عن الاسلحة منعا من استعمالها من قبل أقرباء الفتيات اللذين يرغبون بقتلهن لغسل عارهم .

للشرطي في المنزول أهمية عظمى ، فهو يمنع إدخال الأسلحة والسكاكين والمشروبات ويتدخل في كل صغيرة وكبيرة .

ويصدف أحيانا أن يعين شرطي متساهل ، فيتقاضى مبلغ بحدود الربع ليرة سورية - ارتفعت لاحقا الى ليرة واحدة - لغض النظر عن الشبان القاصرين الذين دون السن القانونية والراغبين في دخول المنزول .

 

أمام مدخل المنزول مباشرة يوجد مسرح ضخم لتقديم العروض الفنية ، مؤلف من ثلاث طوابق ، على واجهته الحجرية كتابة قديمة هي ( قهوة السلام ) ، وقد اشتهر آخر أيام عمل المنزول باسم ( مسرح غازي )، وكانت الفتيات اللواتي يملكن مواهب فنية يقدمن عروضا فيه، ويسمين حينها الخوجات ومفردها خوجة ، ولا يشترط بالخوجة ان تمتهن الدعارة .

 

في المنزول تقيم عشرات الفتيات البالغات من مختلف الأعمار والجنسيات، وكلهن غريبات من خارج المدينة ، فلا تضع السلطة فتاة من ذات المدينة في منزول المدينة ، لأنها تتعرض للقتل فورا من قبل أفراد عائلتها .

 

السبب الأكبر الذي كان يدفع الفتيات للدعارة ، ومن ثم الإقامة الجبرية في المحل العمومي بعد القبض عليهن ، هو الفقر والظروف الاجتماعية والأسرية السيئة ، وأغلب المومسات لسن جميلات .

كانت المشروبات الروحية ممنوعة بشكل رسمي تجنبا للمشاكل التي يثيرها السكارى ، ولكن بعض الزجاجات كانت تتسرب للداخل ، كما تقدم المطاعم المحيطة بالمحل العمومي أنواع اللحوم المشوية الى داخل المحل .

 

لا يجوز أبدا إخراج الفتيات من المحل العمومي الى منازل المدينة . ويحق للفتاة يوم إجازة أسبوعي هو يوم الاثنين فكانت الفتيات - في فترة بعد الظهر - ترتدين لباسا محتشما ، ويركبن الحنتور مع رجال مفضلين لديهن لحضور السينما .

 

و في حال كبرن في السن ينقلن الى منزل قريب يسمى المنزول العتيق ، حيث يمضين ما تبقى من حياتهن في عوز وفاقة بالغين.

كان أغلب رواد المحل العمومي من الشباب العازبين والمراهقين ومن العساكر والوافدين الغرباء عن المدينة.

 

كان للعساكر يوم خاص هو الخميس مساءاً ، من الساعة السابعة حتى التاسعة مساءاً ، وتم تغييره لاحقاً الى يوم الجمعة ، ولهم تخفيض خاص في السعر يصل حتى النصف ، ويأتون برفقة عريف ويصطفون بالدور برتل عسكري ، قد يصل الدور الى العشرات ، وتستبدل يومها مفرزة الشرطة التي تحرس مدخل المنزول بعناصر من الشرطة العسكرية.

 

في الأربعينات كانت هناك ثلاث تسعيرات متعارف عليها ، وهي ليرتين ، وثلاث ليرات ، وخمس ليرات ، تبعا لعمر الفتاة ومستوى جمالها ، وقد زادت هذه التسعيرة لتصل الى إحدى عشر ليرة في أواخر أيام المحل العمومي .

يمضي الشاب مع الفتاة فترة قصيرة لقاء هذا المبلغ لا تزيد عن ربع ساعة ، في حال رغب بتمديدها لمدة ساعة كان عليه ان يطلب فنجان قهوة ويدفع ثمنا له ليرة كاملة، أما إذا رغب بتمضية ليلة كاملة فيدفع تسعيرة مرتفعة ويسمى هذا الأمر الأنكاجيه ( وهي كلمة من اصل لاتيني يستعملها الفرنسيون والإنكليز وتفيد التعليق والانشغال ) .

 

بعد وصول الكهرباء للمنطقة ، وضُع في أرض حوش كل دار آلة كهربائية تسمى ( بيك آب ) لإذاعة تسجيلات الاسطوانات ، فيضع الرجل ربع ليرة سورية فيها ، وينتقي الاسطوانة التي تحمل الأغنية التي يفضلها ، لتدار آليا .

 

ومن اشهر الفتيات اللواتي أقمن فيه في العشرينيات الفنانة ( بديعة ) اللبنانية الأصل ، والتي حملت لاحقا لقبٌ مشتق من حي المصابن القريب من بحسيتا ، هي الفنانة الشهيرة ( بديعة مصابني ) ، وكانت تقوم بالرقص والغناء في المسرح المقابل للمحل العمومي، ثم رحلت الى لبنان ثم مصر حيث أقامت كازينو شهير جدا وهو كازينو بديعة مصابني ، وقد صدر فيلم مصري شهير بطولة نادية لطفي حول حياتها ، وفي آخر حياتها عادت بديعة مصابني الى شتورة في لبنان ، حيث فتحت مخزنا صغيرا بالقرب من مزرعة عائدة لها ، تبيع فيه الألبان على الطريق العام باتجاه الحدود السورية .

 

يتبع


http://bsam.4t.com/
   Report 
   06-24-2008, 05:26 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
Der von Konstantinopel eingetroffene Mahwal oder Zug mit dem heiligen Teppich verläßt Damaskus, um die Pilgerreise nach Mekka fortzusetzen, 22,5 x 12,5 cm, Holzstich - wood etching original aus einer Zeitschrift von 1877 / original from an illustrated paper/magazine from 1877, rückseitig bedruckt / printed on reverse; bitte beachten Sie auch meine anderen Auktionen; Buyers from outside Germany: international shipping worldwide - information about payment-methods in a mail after purchase

Suchworte: Syrien,Syria

Erstellt durch eBay Turbo Lister
Das kostenlose Einstell-Tool. Stellen Sie Ihre Artikel schnell und bequem ein und verwalten Sie Ihre aktiven Angebote.




 

 

Pferdemarkt an einem Markttage zu Damaskus, 16,5 x 20 cm, Holzstich - wood etching original aus einer Zeitschrift von 1883 / original from an illustrated paper/magazine from 1883, rückseitig bedruckt / printed on reverse; bitte beachten Sie auch meine anderen Auktionen; Buyers from outside Germany: international shipping worldwide - information about payment-methods in a mail after purchase

Suchworte: Syrien,Syria

Erstellt durch eBay Turbo Lister
Das kostenlose Einstell-Tool. Stellen Sie Ihre Artikel schnell und bequem ein und verwalten Sie Ihre aktiven Angebote.






http://bsam.4t.com/
   Report 
   06-24-2008, 05:29 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
Straßenscene in Damaskus, nach einem Gemälde von G. Bauernfeind, 31,5 x 22,5 cm, Holzstich - wood etching original aus einer Zeitschrift von 1896 / original from an illustrated paper/magazine from 1896, rückseitig bedruckt / printed on reverse; bitte beachten Sie auch meine anderen Auktionen; Buyers from outside Germany: international shipping worldwide - information about payment-methods in a mail after purchase

Suchworte: Syrien,Syria

Erstellt durch eBay Turbo Lister
Das kostenlose Einstell-Tool. Stellen Sie Ihre Artikel schnell und bequem ein und verwalten Sie Ihre aktiven Angebote.





Mesopotamischer Tänzer und Musikantinnen in Akka ( Syrien ), 16 x 23 cm, Holzstich - wood etching original aus einer Zeitschrift von 1883 / original from an illustrated paper/magazine from 1883, rückseitig bedruckt / printed on reverse; bitte beachten Sie auch meine anderen Auktionen; Buyers from outside Germany: international shipping worldwide - information about payment-methods in a mail after purchase

Suchworte: Syrien,Syria

Erstellt durch eBay Turbo Lister
Das kostenlose Einstell-Tool. Stellen Sie Ihre Artikel schnell und bequem ein und verwalten Sie Ihre aktiven Angebote.





'); document.write(''); document.write(''); //-->    Syrisches Mädchen, 12 x 9 cm, Holzstich - wood etching original aus einer Zeitschrift von 1889 / original from an illustrated paper/magazine from 1889, rückseitig bedruckt / printed on reverse; bitte beachten Sie auch meine anderen Auktionen; Buyers from outside Germany: international shipping worldwide - information about payment-methods in a mail after purchase

Suchworte: Syrien,Syria

Erstellt durch eBay Turbo Lister
Das kostenlose Einstell-Tool. Stellen Sie Ihre Artikel schnell und bequem ein und verwalten Sie Ihre aktiven Angebote.





'); document.write(''); document.write(''); //-->
http://bsam.4t.com/
   Report 
   06-30-2008, 04:22 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
بحسيتا ..حكاية بيوت المتعة في حلب ..( ج 2من 2 ) ... بقلم : المحامي علاء السيد
مساهمات القراء

استعرضنا في الجزء الأول من مقال ( بحسيتا .. حكاية بيوت المتعة في حلب..) ظروف إنشاء المحل العمومي في بحسيتا مع وصف ذلك المكان وشروط الدخول إليه .

ونتابع في هذا الجزء حياة ذلك المجتمع الغريب وحكاياته :


تدير بيت الدعارة في المحل العمومي القوادة التي تسمى بالعامية البترونة ( وهو مشتق من الكلمة الفرنسية باترون التي يطلقها الفرنسيون باحترام على السيد او السيدة التي تتولى إدارة مكان ما) ، وتقوم القوادة باستئجار الدار ، وتشرف على تأمين مفروشات ومتطلبات مكان عمل ومبيت الفتيات ، لقاء الجزء الأكبر من الأجور ، ويقع على الفتاة مصاريف أكلها وكسائها ، وتقبض الباترونة المال مباشرة من الرجال ولا تقبضه الفتاة ، وغالبا ما تمضي الفتاة حياتها وهي مدينة لهذه القوادة التي تستنزف مالها بشتى الوسائل والسبل ..

 

أشهر القوادات في ذلك الزمان هي حميدة ، والتي تابت في آخر حياتها ، وقررت التبرع بكامل أموالها لعمل الخير ، في عمل نبيل قل من يقومون به ،رجالا ونساءا ممن امضوا حياتهم في جني المال الحرام ، وتوجهت الى أحد رجال الدين ، وطلبت منه ان يقبل تبرعها بعدما رفض البقية قبوله ، وفعلا بُني منزل من أموالها خصص للتائبات الراغبات في تمضية بقية حياتهن فيه ،و يقمن فيه ببعض الأعمال اليدوية لكسب العيش الشريف .

 

خارج المحل العمومي في البناء الذي أزيل وأقيمت مكانه المكتبة الوطنية ، كان منزل سيرانوش الشهيرة وهي يونانية الأصل ، ولديها مجموعة من الفتيات ، وكان لها الكثير من المشاكل والدعاوي في المحاكم .

مدخل احد البيوت في بحسيتا

 

كما يتعاون مع القوادة في خدمة الدار رجل يسمى بالعامية - عذرا من القارئ - ( العرصة ) ، وكلمة *** هذه لها تصحيف ومعان مختلفة ، فحاليا يقال لقطعة الأرض غير المبنية (عرَصة ) بفتح الراء ، وقد اعتاد العرب ان يبدلوا حرف الصاد بحرف السين ، فكلمة ( سراطا ) مثلا تأتي أيضا ( صراطا ) ، ونقول أيضا سنارة وصنارة .

و تأتي كلمة عرّص عند العرب مطابقة لكلمة عرسّ ، وتعني انه نزل أرضا او مقاما للاستراحة ، ومنها العريس والعروس اللذين يأخذان مكانا خاصا ليلة العرس للاستراحة فيه .

 وبذلك تكون مهمة ( العرصة ) في المنزول تأمين مستلزمات مكان الاستراحة ، ومهمته أيضا القيام بمهمة صلة الوصل بين القوادة والسلطة ، وفي حال قدم أي زبون شكوى بحق الدار يتحمل العرصة المسؤولية التي تصل للحبس .

 

من المتعارف عليه دخول الرجال مجانا ، للفرجة فقط على الفتيات في ارض الديار ، ويسمى هؤلاء ( حييكة ) وتسألهم الباترونة في صيغة تحريضية هل انتم ( حييكة أم ..... )

 

أحيانا تقع الفتاة في هوى رجل فتستقبله مجاناً ، وغالباً بعد منتصف الليل ، وينبغي على الفتاة التعويض على القوادة من مالها الخاص .

ساعة باب الفرج و قربه مدخل بحسيتا

 

الرجل الذي تقع الفتاة في هواه ويقع في هواها ، تقيم له حفلا يسمى البالو ( ويبدو أن الاسم مشتق من كلمة ball التي تستعمل في الانكليزية وتعني حفلة راقصة مختلطة ) ، تدعو إليه صديقاتها من المومسات ويدعو هو بعض أصدقائه - إذا شاء - وتصبح محرمة على أصدقائه كما يصبح هو محرما على صديقاتها .

و يتحول الى متردد دائم عليها ويقوم بحمايتها ومبادلتها الهوى ، وتقوم هي بالإنفاق عليه إذا شاء ، وأطلق الحلبيون على هذا الرجل لقب السيفونجي ، وقد كان محتقراً جدا في المجتمع، ولقبه مشتق من الكلمة الفرنسية ( سيفون ) والتي يطلقها الحلبيون على مجرى تصريف المياه الوسخة .

و قد يتورط أحد شباب العائلات المعروفة بقصة حب مع فتاة من المحل العمومي فيطرده أهله ويمنعوا عته المال ، فيتحول الى سيفونجي .

 

روى لي قاضي متقاعد حقق في قصة كاترينا اليونانية عندما كان نائبا عاما ، التي قام أحد الأشرار بقطع يدها ، لنزع مصاغها الذهبي منها بعدما لم يستطع إخراجه من يدها ، ففقدت وعيها ونزفت ، حتى وصل دمها للطابق الأرضي فحُملت للمشفى ، وفي بادرة إنسانية أغلقت الفتيات المحل العمومي وتوجهن جميعا للتبرع بالدم لكاترينا.

و في خطوة نادرة وغريبة ، تأثر بها بشدة القاضي الذي روى لي الحادثة ، تبين وجود الشعور الديني عند هؤلاء الفتيات ، اقترحت إحداهن إقامة مولد نبوي شريف على نية شفائها ، وفعلا جلبت حميدة ، عدة قراء من العميان الذين يتواجدون في ساحة الجامع الأموي لإقامة المولد ، وتحجبت جميع الفتيات ، المسيحيات منهن والمسلمات ، وأقمن مولدا على هذه النية ، ولكن كاترينا فقدت الحياة من شدة النزيف.

                                                                                             

 وكانت بعض الفتيات يصمن في شهر رمضان ويصلين ويتوقفن عن العمل حتى أول أيام العيد .

 يحكي الحلبيون عن كثير من الرجال أحبوا فتيات من داخل المحل العمومي ، وتبنّ على أيديهم وتزوجوا منهن فأخْرَجَوهم من دار البغاء ، بشرط ان يقدموا تعهداً للسلطة وعلى مسؤوليتهم بعدم عودة زوجاتهن للدعارة ، متحدين بذلك كل أعراف المجتمع ، ويروى عن هؤلاء الزوجات أنهن تبن توبة نصوح وكن خير أمهات لأولادهن ، وكانت كل الفتيات في المحل العمومي يتمنين هذا المصير .

 

كما روى لي أحد المحامين المتقاعدين قصة غريبة عن فتاة كانت تُعرف بأنها تخاف من حلف اليمين – سواء يمين صادق أو يمين كاذب – فهي لا تحلف يمين أبدا ، وقد عُرف هذا الأمر عنها ، فقام رجل محتال جشع بإقامة دعوى عليها زاعما أنها استدانت منه مبلغ مائة ليرة سورية ، وعندما أنكرت الفتاة أمام القاضي دعاها المحتال الى حلف اليمين بأنها لم تستدن ، فرفضت وفقا لمبدئها ، وقام القاضي بإلزامها بدفع المبلغ .

و بعد فترة كرر هذا الرجل الأمر ، ودعاها مرة أخرى لحلف اليمين ، فنصحها البعض بشرح حقيقة الأمر للقاضي ، الذي تأكد من الأمر ، وألزم المحتال بإعادة المبلغ القديم وهدده بالحبس ان كرر ذلك .

 

و روى لي قاض متقاعد آخر دعوى عرضت عليه ، قام فيها أحد الشبان بالاتفاق مع امرأة من المنزول على التوبة والزواج منها بعد أن تشتري بيتا من مالها الخاص ليكون بيت الزوجية ،و اصطدمت المرأة برفض أصحاب البيوت بيعها أي شقة كانت لأنها معروفة منهم ، فاضطرت الى إرسال هذا الرجل لشراء الدار وتسجيل ملكيتها باسمه ، وبعدما فرشتها وجهزتها من مالها الخاص فوجئت به يغير أقفال المنزل ، ويتزوج فيه من غيرها .

فما كان منها إلا ان راجعت القضاء للحصول على حقها ، فوقف أغلب الناس في صف هذا الرجل ورفضوا مساعدتها في استعادة حقها .

حتى وصلت الدعوى الى محكمة قاض معروف ، اشتهر زمنها بالنزاهة والشرف ، فأجبر الشاب بعدما تأكد من صدق روايتها على إعادة المنزل لها ، وقد توسط الكثيرون لدى هذا القاضي لمصلحة الشاب ، باعتبارها مومساً ومالها مالا حراماً ، مباركين فعل سلب الشاب لحقوقها ، ويذكر الكثيرون دخولها المحكمة ، وتقبيلها الأرض بين يدي ذلك القاضي ، رافعة يديها بالدعاء له ، وهي غير مصدقة إنصافه لها .

 

 كان أهالي البغايا أحيانا يقتلن البغي عندما يعلمون فجأة بمكانها وبعملها هذا ، بعدما تكون قد هربت من بلدها لأسباب مختلفة ، ووصل بها الأمر الى المحل العمومي ، وأحيانا كانت تقوم بهذا العمل بعلم أهلها وتمدهم بالمال من شدة فقرهم ، وقد يقوم احد أفراد عائلتها بقتلها إذا ما توقفت عن إمدادهم بالمال .

 

حدثني قاض متقاعد ثالث عن دعوى عرضت عليه ، قصتها أن فتاة كانت تعمل هناك ، وكان أخوها يقوم بزيارتها للحصول على مصروفه منها ، وبعد مضي عشر سنوات تقدمت الفتاة في السن وقل روادها وبالتالي قل واردها المادي ، فلم تعد تعطي أخاها نقودا ، فقام بقتلها انتقاما منها ، وقد دافع المحامي الذي توكل عن الأخ بأن القتل كان بدافع شريف ، وقد حكمت محكمة الجنايات بإسقاط العقوبة عته بأكثرية مستشارين بمواجهة المستشار الثالث وهو القاضي المذكور ، الذي رفض اعتبار الجرم انتقاما للشرف ، وطلب تشديد العقوبة على الأخ لأنه أمضى عشر سنوات يستغل شقيقته ، ولم يستيقظ شرفه إلا بعد ان أوقفت الأموال عنه ، وأيدت محكمة النقض رأي المستشارين وحكمت بأن القتل لدافع شريف ، وعللت أن دافع الشرف قد يفاجىء الإنسان في أي وقت ولو جاء متأخرا .

 

في أواخر أيام المحل العمومي اشتهرت قصة الفتاة عتاب ، التي كان أخوها الأول يعمل معها في المنزول ، وقام أخوها الثاني الذي كان في السجن - لجريمة ارتكبها - فور إطلاق سراحه ، بذبحها ، والعودة ثانية للسجن .

 

في عام 1958 ، أيام الوحدة بين مصر وسورية ، أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر القانون رقم 10 للقطرين السوري والمصري ، قضى هذا القانون بإلغاء البغاء وإغلاق كل دور الدعارة .

 وعاقب القانون في حينه كل مدير للمحل العمومي يستمر بالعمل ، بالحبس لمدة تصل حتى أربع سنوات ، وقد نص القانون أن على وزير الشؤون الاجتماعية والعمل إيداع البغايا المرخص لهن من تاريخ العمل بهذا القانون بمؤسسة خاصة ، وللمدة التي يراها مناسبة لتأهيلهن لحياة كريمة وتدريبهن على الكسب الشريف .

 

من غرائب القانون المذكور ، الذي ألغى ترخيص بيوت الدعارة -علما انه القانون الساري حتى يومنا هذا - ان الرجل لا يعاقب بأي عقوبة في حال ضبط مع فتاة دفع لممارسة الدعارة معها ، بل تعاقب الفتاة فقط .

 أما عقوبة من يسهل الدعارة وهي القوادة أو القواد الحبس حتى ثلاث سنوات ، ويحكم بإغلاق المحل ومصادرة الأمتعة والأثاث الموجود به ، وفي حال قام هؤلاء بإكراه وإجبار الفتاة على الدعارة او استقدموا المومسات من خارج القطر ، يكون الحبس حتى خمس سنوات .

 

 وفي حال استخدم القوادون فتاة قاصراً عمرها دون السادسة عشر ،تشدد عقوبتهم وتصل حتى الحبس لسبع سنوات.

و في حال كان من يسهلون دعارتها أبوها أو شقيقها او زوجها ،سواءاً كانت قاصراً أو غير قاصر ، تشدد عقوبتهم كذلك ، وتصل حتى الحبس سبع سنوات .

أما مالك أو مؤجر بيت الدعارة ، الذي سلمه لقواد يديره وهو عالم بنشاط البيت ، فيعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر وحتى ثلاثة سنوات .

 

أما الفتاة التي تمارس الدعارة وتعتاد عليها ويتم ضبطها عدة مرات ، فتعاقب بالحبس من ثلاثة اشهر وحتى ثلاث سنوات ، وتتهج أغلب المحاكم حاليا بتطبيق الحد الأدنى للعقوبة وهو ثلاثة أشهر .

 

لم ينفذ هذا القانون عند صدوره إلا لجهة توقف السلطة عن إيداع الفتيات اللواتي يقبض عليهن بجرم الدعارة في المحل العمومي .

خلال سنوات.. تم ترحيل الفتيات اللواتي لم يكن يحملن الجنسية السورية ، وبذلك تناقص عدد الفتيات تدريجيا ، وكبرت المتواجدات في المحل العمومي في السن .

و لغاية عام 1974 كان عددهن قد أصبح قليلا ، وأصغر النساء سنا قد تجاوزت الأربعين .

 

أخيراً ... بعد أربعة وسبعين عاما ، قررت بلدية حلب هدم منطقة المحل العمومي ، في إطار مشروع تحسين منطقة باب الفرج.

و فعلا هُدم المنزول ، وما زال مكانه خراباً حتى هذا التاريخ ، وتفرقت المومسات إلى أماكن مختلفة في المدينة ، منهن من تابت ، ومنهن من استمرت في ممارسة الدعارة السرية .

 وانتقلت بعضُ منهن الى مدن بعيدة لتجنب الاقتراب من أهلهن ، مثل مدينة دير الزور ، ومدينة القامشلي التي سمي المحل العمومي فيها باسم (البيت الأبيض) .

 

 أخيرا ...و في نهاية هذه الدراسة أقول : سمعت تعليقا طريفا كرره الكثيرون أمامي عند جمعي لمعلومات هذه الدراسة ، ولا أدري فيما إذا كانوا محقين به : ( من زمان كان الوضع أفضل ..فقد كانت الدعارة محصورة في المحل العمومي في حي بحسيتا ، أما الآن فقد صارت قرب بيوتنا ، في العديد من الأحياء ، وفي المنازل الخاصة والمزارع المقامة في الضواحي).


http://bsam.4t.com/
   Report 
   07-23-2008, 09:11 AM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة

«الحياة» تنشر وثائق «قبس من روح مصر» (1 من 3) ... ديبلوماسي سعودي ينقذ أم كلثوم وعبد الوهاب

سمير غريب      الحياة     - 23/07/08//

أم كلثوم
أم كلثوم
يعود الفضل الأول في تجميع الوثائق إلى صديقي الفنان التشكيلي الكويتي جعفر إصلاح الذي يهوى جمع الوثائق والصور، فقد أمدني بكثير منها بغرض عرضها وتحليلها والتعليق عليها في كتاب يلقي ضوءاً جديداً على تاريخ مصر الثقافي في النصف الأول من القرن العشرين، وان كان من بينها وثائق قليلة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أضفت الى وثائق جعفر وثائق أخرى - أقل - تجمعت لدي وأطلقت على الكتاب الذي لم ينشر بعد عنوان: «قبس من روح مصر» لأنه احتوى على وشائج متنوعة من تاريخها الحي في مساحة زمنية من أهم المساحات عبر تاريخها، حين حاولت مصر الخروج من الظلمات إلى النور.
الوثائق الجديدة التي لم تنشر من قبل تتناول أحداثاً وشخصيات مصرية مشهورة في مجالات مختلفة. يجمع بينها أنها كانت مؤثرة في المجتمع المصري. تفاوتت مجالات تأثيرها من العقل إلى القلب. وتفاوت حب الناس لها تبعاً لما فعلت فيهم. هنا لا نصدر أحكاماً. بل نساعد القراء على الاقتراب منهم، ومعرفة جوانب في شخصياتهم، ومعرفة حقيقة كل منهم، وربما الحكم عليهم. هناك بالطبع أجيال شابة لم تعاصر أحداث وشخصيات تلك الوثائق، وهناك أيضاً شباب لا يعرفون شيئاً عن بعض من هذه الشخصيات. افترضت أنني أقدم الكتاب للأجيال الجديدة أساساً، وبالتالي فهو سياحة متنوعة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.  واخترت العودة إلى الكتابة في جريدة «الحياة» - بعد انقطاع ثماني سنوات تقريباً - ببعض من فصول الكتاب قبل نشره، وفضلت أن تنشر نصوص الوثائق كما كتبها أصحابها بأخطائهم النحوية والإملائية، فتلك الأخطاء جزء أيضاً من شخصية كتابها.

من يعرف اليوم أن حكومة ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 في مصر كانت ستصادر في عامها الأول أموال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وتحدد إقامتهما؟ وأن الذي أنقذهما من ذلك المصير هو الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية.
أعتقد أن لا أحد يعرف اليوم السر الذي نكشف عنه هنا للمرة الأولى. فالمعروف هو العكس: أن عبد الوهاب غنى ولحن عشرات الأغاني للثورة، كما غنت أم كلثوم للثورة كثيراً. وبعد هزيمة مصر في حزيران (يونيو) 1967 في الحرب مع إسرائيل، أقامت أم كلثوم حفلات في دول عدة خصصت دخلها للمجهود الحربي. وأن حكومة الثورة كرمت أم كلثوم وعبد الوهاب.. كان زعيم الثورة جمال عبدالناصر يحضر حفلات أم كلثوم ومعه كل أو أغلب أعضاء مجلس قيادة الثورة. وهناك تسجيلات في الاذاعة والتلفزيون المصريين لمثل هذه الحفلات ما زالت تبثها إذاعة الأغاني في الإذاعة المصرية التي كان اسمها من قبل محطة إذاعة أم كلثوم. وقد حصلت أم كلثوم على جائزة الدولة التقديرية - عندما كانت للجائزة قيمة - عام 1968، مثلما حصل عبد الوهاب عليها عام 1971، كما حصل على قلادة النيل في العام التالي وهي أرفع القلادات المصرية، وسلمها له خليفة عبدالناصر الرئيس السابق أنور السادات الذي منحه أيضاً رتبة لواء.
لكن، يبدو أن كل ذلك الحب المتبادل بين أم كلثوم وعبد الوهاب وحكومة الثورة حدث بعد العام الأول للثورة، وبعد أن تدخل سعودي باشارة من الملك عبدالعزيز الذي نجح في إنقاذ العلاقة. فالوثيقة التي بين أيدينا والمؤرخة في 4 حزيران 1953 تكشف عن أن مجلس قيادة ثورة يوليو في مصر كان يعد لقرار بمصادرة أموال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وتحديد إقامتهما.
محمد نجيب
محمد نجيب

الوثيقة رسالة كتبها محمد الطبيشى على ورق رسمي للسفارة السعودية في مصر بخط يده، من دون ذكر لتسمية منصبه في السفارة السعودية. فهل كان السفير أم القائم بالأعمال؟ ذلك لأن لديّ صورة من دعوة رسمية موجهة من محمد الطبيشي على ورق السفارة، مطبوعاً عليها أنه السكرتير الأول في السفارة، على رغم وجود خاتم على الدعوة باسم «وكالة نجد والحجاز». ومؤكد أن هذه الدعوة كانت سابقة على الرسالة التي نحن في صددها هنا، لأن دعوة محمد الطبيشي كانت موجهة في 14 آذار (مارس) من دون ذكر السنة، إلى سيد قطب أحد أقطاب الإخوان المسلمين الذي أعدمته حكومة ثورة يوليو في ما بعد. كانت الدعوة لمناسبة الاحتفاء بـ «حضرة صاحب المعالي وزير الدولة السعودية ورئيس الخاصة الملكية الشيخ عبد الرحمن الطبيشي». وواضح من الاسمين صلة قرابة بين السكرتير الأول للسفارة والضيف السعودي المحتفى به. ويبدو أن الشيخ الطبيشي كان كثير الحضور لمصر، لأن هناك دعوة أخرى من محمد الطبيشي موجهة «لفضيلة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد» لتناول «الفطور»، يوم الاثنين 25 رمضان الساعة الخامسة، احتفاء بحضرة صاحب المعالي.. الخ. وذلك على العنوان: 12 شارع الكامل محمد بالزمالك - القاهرة. ويبدو أن هذه الدعوة أحدث من الدعوتين السابقتين لأن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد بدأ شهرته متأخراً عنهما، لكن، لا نستطيع الجزم هنا، إذ يبدو أنه كان من عادة السيد محمد الطبيشي أن لا يذكر الشهر والسنة على الدعوات التي يوجهها. ويبدو أن لدى كثير منا العادة نفسها حتى اليوم. فلقد رأيت رسائل من مسؤولين كبار في العشرين سنة الأخيرة غفلاً من التاريخ.
المهم ان محمد الطبيشي كتب الرسالة المقصودة إلى اللواء محمد نجيب الذي أعلن أنه قائد الثورة في بدايتها، وعين أول رئيس للجمهورية المصرية، ثم انقلبت عليه الثورة وسجنته في بيته في المرج بعد اتهامه بالانقلاب على الثورة حتى مات. كانت سفارة السعودية في ذلك الوقت تسمى «وكالة المملكة العربية السعودية بمصر». وكتب الطبيشي هذه الرسالة بتكليف غير رسمي من الملك عبد العزيز شخصياً للتدخل لمصلحة عبدالوهاب وأم كلثوم. ويبدو من الرسالة أن الطبيشي قابل الرئيس السابق محمد نجيب أو حدثه شخصياً في قرار مجلس قيادة الثورة المزمع قبل يومين من كتابة الرسالة. وأنه كتبها لأن محمد نجيب قال له أنه يريد أن يعرف الموضوع كله.
توضح الرسالة أن الثورة كانت تريد مصادرة أموال أم كثلوم ومحمد عبدالوهاب وتحديد إقامتهما لأنهما - على حد نص الرسالة - «كانا مقربين من العهد البائد»، أي عهد الملك فاروق. وأن «الأستاذ عبد الوهاب له غنوة خاصة للملك ويطلق عليها اسم الفن، وأن السيدة أم كلثوم لها غنوة باسم (حبيبي يسعد أوقاته) وهي أيضاً خاصة للملك السابق. وأنهم يدينون بالولاء له إلى الآن». أي إلى وقت كتابة الرسالة بعد قرابة عام من قيام الثورة.
حرص الطبيشي في رسالته على أن لا يتدخل في أي قرار يكون في مصلحة الأمة، ولكنه يبدي رأياً ومشورة. ورأى المسؤول السعودي - وربما كان ذلك أيضاً رأي الملك عبد العزيز - أن تصرف الثورة ضد عبد الوهاب وأم كلثوم «سيكون له أثر بالغ القوة على الشعوب العربية والمصرية خاصة، ويعطي انطباعاً سيئاً جداً عن الثورة وأهدافها المقدسة».
تكشف الرسالة أن عبد الوهاب وأم كلثوم حضراً بنفسيهما الى المسؤول السعودي وقالا له: «هل كان لدينا أو لغيرنا اتخاذ قرار حر في ذلك الوقت. لقد كان يفرض علينا الأمر فرضاً وإلا كنا نستطيع أن نرفض».
ولا أعلم مدى صحة كلامهما، لكنني اشك فيه، فلقد كانت في مصر الملكية صحافة حرة ونشر حر للكتب والمؤلفات. وصلت هذه الحرية إلى سب الملك علناً، والى نشر كتب جنسية، وأخرى عن الإلحاد وغير ذلك. فلا أتخيل أن نظام الملك فاروق الضعيف كان يمكن أن يفرض شيئاً على قامتين مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وصلت شهرتهما إلى كل الشعوب العربية إلى درجة رأى فيها المسؤول السعودي أن الإساءة إلى الفنانين سيكون لها وقع «بــالغ القوة». كما كتب بخط يده.
لكن الأمر عندي هو أن الفنانين - مثل كثير غيرهما من الفنانين - لم يكن لهما رأي ولا موقف سياسي، ولم يكن يهمهما أن تسود في مصر الملكية أو أن تحل محلها جمهورية. كان يهمهما أولاً الشهرة والمجد. كانت الرعاية الملكية وسيلة من وسائل الشهرة والمجد، كما كانت وسيلة للثروة، بدليل أنهما أقرا للسفير السعودي أنهما حصلا على هدايا ذهبية ومجوهرات من الملك. مثلما كانت الرعاية الرئاسية الثورية بعد ذلك استمراراً للوسيلة ذاتها، مع الفارق أنهما لم يحصلا من الثورة على مجوهرات، ولكن على أوسمة ورتب مثل رتبة اللواء العسكرية التي حصل عليها محمد عبد الوهاب!. ولم يكن الفنانان يتوقعان حدوث ثورة يوليو ونجاحها. ولكن، بعدما قامت، غنيا للثورة ولعبدالناصر حتى مات عام 1970.
الملك فاروق
الملك فاروق

كان التمهيد «لانقلابهما على الملك» بعدما قلبته الثورة أن ذهبا إلى المسؤول السعودي ولم يكتفيا بالكلام، بل كتب كل منهما رسالة بخط يده يقر فيها بأنه «إننا الآن قلباً وقالباً مع الثورة المباركة، ونحن على استعداد للتنازل عن جميع الهدايا الذهبية والمجوهرات التي أخذناها في ذلك العهد وذلك عن طيب خاطر، وعلى استعداد للتبرع ليس بأعمال ولكن بالدم في سبيل الوطن ونجاح الثورة».
هكذا يمكن القول أن الفنانين اشتريا أنفسهما من الثورة من طريق السفير السعودي الذي نجحت مهمته بالتأكيد بدليل انقلاب العلاقة بين عبد الوهاب وأم كلثوم والثورة إلى علاقة حب.
وهذا لا ينفي إطلاقاً عبقرية كل منهما، وحلاوة ما أبدعاه للثورة في ما بعد...
علاقة أم كلثوم بالعهد الملكي لم تقتصر على أغنيتها للملك فاروق في الحفلة التي أحيتها في النادي الأهلي ليلة عيد الفطر 17 أيلول (سبتمبر) 1944، التي حضرها الملك فاروق حيث انعم على أم كلثوم بنيشان - وسام - الكمال. ففي وصلتها الثانية غنت أغنيتها الشهيرة «يا ليلة العيد» التي أصبحت لازمة كل عيد. دخل الملك فاروق إلى الحفلة أثناء الأغنية فغيرت من كلماتها لتذكر اسم فاروق: «يا نيلنا ميتك سكر وزرعك في الغيطان نوّر.. يعيش فاروق ويتهنى ونحي له ليالي العيد»..  كما غنت للملك فاروق في أغنية «حبيبي يسعد أوقاته» في الحفلة ذاتها وفيها:
«الليلة عيد ع الدنيا سعيد.. عز وتمجيد لك يا مليكي»..
وبعد انتهائها من الغناء استدعاها الملك ليصافحها فقبلت يديه، وأبلغها أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي بالإنعام عليها بنيشان الكمال من الدرجة الثالثة. فهرع الصحافي مصطفى أمين إلى الميكروفون ليذيع نبأ منحها الوسام، فتقدمت أم كلثوم إلى الميكروفون وشكرت الملك على هذا الإنعام. ليس ذلك فقط، بل ذهبت في اليوم التالي، صباح أول أيام عيد الفطر، على رأس وفد من نقابة الموسيقيين بصفتها كانت النقيب، إلى القصر الملكي في عابدين لشكر الملك على إنعامه السامي.
بعد 23 يوليو 1952 حذف اسم فاروق من الأغنيتين، لكن هذه القصة تلقي ضوءاً على علاقة أم كلثوم بكل من الملك فاروق ومصطفى أمين. حذف اسم الملك أخف كثيراً مما فعلت الإذاعة المصرية عقب ثورة يوليو بأغنية أخرى لأم كلثوم اسمها «مبروك لسموك وسموه» غنتها في فرح الأميرة فوزية وشاه إيران، فقد تخلصت منها الإذاعة ضمن مجموعة كبيرة من التسجيلات النادرة منها خطب الملك فاروق وزعماء مصر السياسيين قبل الثورة. وباعها أحدهم في وكالة البلح، وهي سوق شعبية في القاهرة للسلع المستخدمة، كما ذكر ذلك الإذاعي وجدي الحكيم في حديث إلى صحيفة «المصري اليوم» بتاريخ 28/3/2008.
أما محمد عبد الوهاب فقد تربى في بيت أمير الشعراء احمد شوقي الذي عمل في حاشية القصر الخديوي ثم الملكي في مصر، واشتهر عبد الوهاب قبل الثورة بلقب مطرب الملوك والأمراء، لذا كان من الطبيعي أن يغني للملك أغنية الفن التي أشار إليها الطبيشي في رسالته، وهي من تأليف صالح جودت وجاء فيها: «الفن مين انصفه غير كلمة من مولاه. والفن مين شرفه غير الفاروق ورعاه». كما غنى عبد الوهاب قصيدة في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي لصالح جودت أيضاً. أدى عبد الوهاب القصيدة على العود فقط بعنوان «أنزلت آية الهدى». الطريف أن هذه القصيدة منعت من الإذاعة في عهد الملك نفسه. ويقال أنها منعت بسبب آخر بيت فيها: «إن فاروق من هواك وطينك». وهناك رأي آخر بأنها منعت بسبب البيت الثاني الذي يخاطب فيه الملك فاروق قائلاً: «فإذا الشرق كله طور سينك». وبالطبع منعت القصيدة نهائياً بعد قيام الثورة.
محمد عبدالوهاب مع الشاعر بشارة الخوري
محمد عبدالوهاب مع الشاعر بشارة الخوري

أم كلثوم والسفارة السعودية

لماذا اهتم الملك عبد العزيز بإنقاذ أم كلثوم وعبد الوهاب من مصير مؤلم لهما كانت ستوقعه بهما حكومة ثورة يوليو؟
بالطبع، لسبب عام يكمن في شهرتهما وموهبتهما وعطائهما الفني العربي الشديد التميز. لكن، يبدو أن هناك سبباً خاصاً مع ذلك. إذ كانت أم كلثوم مقربة من السفارة - وكان يطلق عليها الوكالة أو المفوضية - السعودية في القاهرة في ذلك الوقت، فلقد اعتادت تلقي الدعوات من السفارة، مثل الدعوة الموجهة إليها من «فوزان السابق»، ولم يذكر منصبه عليها، الى العشاء يوم السبت 6/4/1953 بدار المفوضية. واستمرت علاقة أم كلثوم بشخصيات سعودية بعد ذلك، منها صداقتها مع الأمير الشاعر عبد الله الفيصل آل سعود ابن الملك فيصل وحفيد الملك عبد العزيز، الذي توفي في 8 أيار (مايو) 2007 عن خمسة وثمانين عاما. غنت أم كلثوم من كلماته قصيدتين: «ثورة الشك» عام 1962 و «من أجل عينيك» عام 1971 وهما من تلحين رياض السنباطي.
وبين الوثائق رسالة نادرة بخط يد الأمير الشاعر أرخها بالتاريخ الهجري «25/1/1393» ويقابل عام 1973 ميلادي، كتبها رداً على رسالة كانت قد بعثت بها إليه أم كلثوم وهي «منحرفة المزاج» و «منحرفة الصحة».


http://bsam.4t.com/
   Report 
   07-24-2008, 10:17 AM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة

«الحياة» تنشر وثائق «قبس من روح مصر» (2من 3)... رسائل من أم كلثوم واليها وشركة اسطوانات تكفل مشترياتها

سمير غريب     الحياة     - 24/07/08//

ام كلثوم
ام كلثوم
كانت أم كلثوم وثيقة الصلة بالكاتب الصحافي مصطفى أمين مؤسس دار «أخبار اليوم» مع أخيه التوأم علي أمين. وأعلنت أستاذة الموسيقى الدكتورة رتيبة الحفني في ندوة أقامتها مكتبة الإسكندرية في الذكرى الثلاثين لوفاة أم كلثوم أن كوكب الشرق تزوجت من مصطفى أمين سراً، وأمضت معه 11 عاماً، وكان عقد زواجها في يد جمال عبد الناصر. وبررت الدكتورة رتيبة سرية الزواج بأن أم كلثوم كانت تريد أن تكون ملكاً للجميع.

هنا رسالة صغيرة بخط يد أم كلثوم المميز موجهة الى مصطفى أمين، من دون تاريخ. ويبدو من الرسالة أن مصطفى أمين أرسل الى ام كلثوم قائمة لتجليد كتب وألبومات، واختارت أم كلثوم لون جلد الكتب الكبيرة ولون جلد الكتب الصغيرة ولون جلد الألبومات، وهي بدأت الرسالة بشكره على تعبه. ويبدو أن مطابع «أخبار اليوم» كانت تتولى تجليد كتب أم كلثوم.

وكانت الأميرة الأردنية دينا عبد الحميد من صديقات أم كلثوم، حتى أنها اعتادت أن ترسل الى الأميرة أسماء الأغنيات التي ستغنيها في حفلاتها قبل الإعلان عنها. كانت الأميرة المصرية المولد وخريجة جامعة كامبريدج، أولى زوجات ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال. ويقال إن الملكة زين أم الملك حسين هي التي زوجته بها في 19 نيسان (أبريل) 1955 على رغم أن الأميرة دينا كانت تكبره بسبع سنوات. ويقال أيضاً أن الملكة الأم كانت أيضاً وراء طلاقهما في العام التالي بعد أن أنجبت له الأميرة عالية، بل طردت الأميرة دينا من الأردن كله واستردت هذه الجنسية المصرية عام 1963 وعاشت في حي المعادي في القاهرة في البيت الرقم 63 في شارع حمل اسمها شخصياً. وهنا برقية مرسلة باسم الرئيس جمال عبد الناصر موجهة إلى السيدة دينا عبد الحميد في عنوانها في المعادي يشكرها فيها الرئيس على «صادق تعزيتك ومواساتك في استشهاد فقيد الوطن والعروبة الفريق أول عبد المنعم رياض. وأرجو أن يجنبك الله كل سوء».

البرقية مكتوبة بخط اليد، ومرسلة من مكتب بريد رئاسة الجمهورية بتاريخ 17/3/1969. ولا نتصور بالطبع أن عبد الناصر كتب البرقية بخط يده، وإنما الأرجح أنه خط أحد العاملين في مكتبه، لكن هذا لم يمنعني من التساؤل: لماذا لم تكتب البرقية على الآلة الكاتبة التي كانت مستعملة في ذلك الوقت؟ فهي ليست برقية من آحاد الناس، وإنما باسم جمال عبد الناصر!!

تزوجت الملكة والأميرة السابقة دينا عبد الحميد من صلاح تعمري أحد قادة حركة التحرير الفلسطينية «فتح» في تشرين الأول (أكتوبر) 1970، وكان رئيساً للجنة المعتقلين في أنصار (جنوب لبنان) بعد الاجتياح الإسرائيلي، ثم أصبح عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني.

مصطفى أمين
مصطفى أمين
لدينا برقية أرسلها المطرب والملحن فريد الأطرش الى الملكة دينا في 23 أيار (مايو) 1955 عندما كانت لا تزال متزوجة من الملك حسين وتلقب بالملكة، وفي البرقية تهنئة من فريد بـ «حلول العيد السعيد أعاده الله على جلالتك أعياداً بالأعياد ومتع جلالتك بالصحة والطمأنينة والعزة». وهذا من حال الدنيا أن تتحول الآنسة إلى صاحبة الجلالة ثم إلى سمو الأميرة ثم الى السيدة في غضون سنوات قليلة.

في وقت كانت تمر دينا عبدالحميد بمشاكل شخصية كتبت لها أم كلثوم رسالة بخط يدها الواضح والصريح والمتأني بحروفه الكبيرة وكأنه خط تلميذة مجتهدة. لم تؤرخ أم كلثوم رسالتها. لكن، من ثنيات الرسالة يبدو أنها كتبت في عام 1964. وذلك لأن أم كلثوم أشارت إلى حفلتها المقبلة التي ستغني فيها للمرة الأولى قصيدة «أراك عصي الدمع» من شعر أبي فراس الحمداني. وأغنية «سيرة الحب» التي كتبها مرسي جميل عزيز ولحنها بليغ حمدي. واقع الأمر أن أم كلثوم غنت سيرة الحب للمرة الأولى عام 1964. لكنها أخطأت عندما جمعت غناءها للمرة الأولى بين «أراك عصي الدمع» و «سيرة الحب». ذلك لأنها غنت قصيدة الحمداني للمرة الأولى قبل «سيرة الحب» بثمانية وعشرين عاماً، أي عام 1936 من تلحين عبده الحامولي. ثم غنتها مرة ثانية عام 1944 من تلحين الشيخ زكريا أحمد، والمرة التي تحدثت عنها للأميرة دينا عبدالحميد كانت الثالثة التي تغني فيها القصيدة ذاتها، ولكن من تلحين رياض السنباطي بعد أن أضافت إليها أبياتاً. وربما لهذين السببين وصفت هذه المرة بالأولى.

الملك حسين تزوج مرة ثانية من انطوانيت ابنة العقيد الإنكليزي توني غاردنر عام 1961 بعد أن غير اسمها إلى «منى». بالتالي فإن الأميرة دينا كانت مطلقة بالفعل من الملك حسين عندما كتبت لها أم كلثوم الرسالة. في هذه الرسالة المهمة تكشف أم كلثوم عن دور السياسة في الفن، وعلاقة السلطة السياسية بنجومه.
ايصال بجزء من ثمن سيارة ام كلثوم دفعته شركة الاسطوانات «غراموفون»
ايصال بجزء من ثمن سيارة ام كلثوم دفعته شركة الاسطوانات «غراموفون»

نفهم من أم كلثوم أنها تغني بتعليمات من رئاسة الجمهورية. ومن البديهي أن هذا يحدث أحياناً وليس دائماً. فهي شخصياً في هذه الرسالة تتعاطف مع محنة الأميرة دينا الشخصية. وعندما يقترح صديق مقرب لها – لم تفصح عن اسمه – أن «تأخذ موقفاً» ولا تغني في الأردن ترد عليه بصراحة أن الأمر ليس بيدها وانما بيد رئاسة الجمهورية في مصر طبعاً!

المدهش في رسائل أم كلثوم عموماً أنها بسيطة التعبير وتستخدم الصياغات العامية في الكلام. وكنت أتصور قبل أن أقرأ بعض رسائلها أنها مرتفعة الأسلوب، تستخدم الفصحى، نظراً الى شموخها الغنائي وصوتها النادر، ولما شدت من قصائد عربية فصحى صعبة ورفيعة المستوى. وتبدو أم كلثوم حريصة على وضع الهمزة على كل ألف ولام ألف. كما أنها لا تستخدم علامات الوقف إلا نادراً. فهي لا تضع فاصلة ولا نقطة حيثما يجب أن تضع لأن مثل هذه العلامات مهمة لفهم الكلام وليست شكلية. وهذا مثال آخر على أسلوب أم كلثوم في كتابة الرسائل أورده كما كتبته على وجه ورقة واحدة في رسالتها إلى الأميرة دينا:

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر
«الحبيبة الغالية والصديقة العزيزة سمو الأميرة دينا. وحشتيني جداً جداً. إيه الحكاية انتي ليه مش بتتكلمي في التليفون لعل المانع خير على فكرة أنا عرفه ان فيه بعض المشاكل ولكن أنا عارفة إنك قدها وأكتر بكتير... الحبيبة الغالية على فكرة كتير من أهل الصحافة بيحاولوا معايا علشان يأخذوا أي معلومة خاصة عنك ومصطفى أمين عايز يعمل مع سموك حديث صحفي وأنا رديت بشدة ان حياة سمو الأميرة ليست للنشر او الصحافة ولكن مصطفى أمين مصر على زيارة سموك ويقول الأميرة يعني سموك ملكاً للعرب كلهم ويريد الحضور معي فأرجو ان تخبريني برأيك وعلى فكرة أنا ماليش دعوة بالموضوع وانتي اللي الناس بتحبك ومتعاطفة معاكي جداً لدرجة ان أحد أصدقائي المقربين قال لي المفروض انك يا ست ما تغنيش في الأردن خالص ورديت عليه ان الموضوع ده خارج عن إرادتي ولو كان فعلاًَ انا صاحبة القرار فيه انا مش حأغني يا سيدي في الأردن بس روح انت الرياسة وقولهم كده. حبيبتي الغالية كما اعتدنا دائماً فأنا أرسل لكي أسماء الأغنيات التي سوف أغنيها في الحفلة القادمة الأولى قصيدة لأبي الفراس الحمداني وأسمها أراك عصى الدمع والثانية اسمها سيرة الحب ودي أول مرة أغني فيها غنوتين جداد في حفلة واحدة وطبعاً نلتقي بعد الحفلة».

ومن أطرف ما كتب عن أم كلثوم ذلك الإعلان المدفوع الأجر الذي نشرته «شركة الجراموفون ليمتد» في العدد 127 من مجلة «روزاليوسف». وكانت هذه الشركة هي ممثل الشركة الأكبر في العالم لتسجيل الاسطوانات والمعروفة بـ «صوت سيده His Master Voice» صاحبة الحق في طبع اسطوانات أم كلثوم المسجلة عليها أغنياتها.

فبعد مديح صوت أم كلثوم يذكر الإعلان أنه اجتمع في اسطواناتها ثلاثة: أعذب صوت لأم كلثوم وأعذب شعر لأحمد رامي وأعذب تلحين لمحمد القصبجي. «فلا عجب إذاً إذا حازت اسطوانات أم كلثوم في الشرق الأدنى والشرق الأقصى شهرة قل أن تنالها سواها حتى لقد بيع من إحدى اسطواناتها في شهر واحد وفي بلد واحد اكثر من عشرة آلاف اسطوانة»، لكن الإعلان لم يذكر اسم ذلك البلد.

لم تكن العلاقة بين شركة الجراموفون وام كلثوم قاصرة على سداد مستحقاتها نقداً، بل اشترت الشركة لأم كلثوم سيارة جديدة ماركة «بنتلي» وهي أغلى سيارة من مجموعة رولزرويس البريطانية، وما زالت تصنع حتى الآن، وما زالت ملكة بريطانيا تستخدمها.

دينا عبد الحميد
دينا عبد الحميد
ولدينا وثائق نادرة لإيصالات سداد ثمن هذه السيارة. هناك إيصال مؤرخ في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1933 من محلات «تيلو – فنسان» يذكر أنه «وصلنا من حضرة الآنسة ام كلثوم ومحامي شركة الجراموفون القانوني مبلغ وقدره خمسمئة وثمانون جنيهاً وسبعون قرشاً مصرياً تحت حساب سيارة مركة بنتلي مجهزة موديل السنة وبها كامل التجهيزات المتفق عليها، على ان تتعهد الآنسة ام كلثوم وشركة جراموفون بسداد باقي المبلغ في الموعد المحدد». وفي أعلى الإيصال من اليسار توقيع أم كلثوم وهو عبارة عن كتابة الاسم بخط واضح كبير. وفي نهاية الإيصال الى اليسار توقيع حسن عبد العال المحامي ونائب مدير شركة الجراموفون. وفي نهاية الإيصال من اليمين توقيع محمد عبد الجبار حسن ممثل أو صاحب محل بيع السيارات. ونلاحظ هنا أن الإيصال اكتفى بالاسم الأول لأم كلثوم وهو أيضاً اسم شهرتها. وهذا غير التقليد القانوني المتبع بذكر الأسماء الثلاثية في المعاملات المادية والقانونية.

هناك إيصال آخر من الشركة ذاتها مكتوب فيه «وصلنا من حضرة الآنسة أم كلثوم إبراهيم والسيد مدير شركة جراموفون ووكيل الآنسة مبلغ وقدره مئة جنيه وثمانية عشر جنيهاً مصرياً فقط، مقدم سيارة مركة بنتلي كاملة التجهيزات موديل السنة مع فترة سماح 5 شهور. وهذه المدة تبدأ منذ هذا التاريخ. وقد تعهدت الآنسة أم كلثوم كما تعهد السيد مدير شركة جرامون بالمسؤولية الكاملة عن سداد باقي حق الشركة وضمان حقوقها القانونية». وقد وقعت أم كلثوم على هذا الإيصال مع حسن عبد العال المحامي ونائب مدير الشركة، وتوقيع أجنبي في ما يبدو انه لصاحب محلات «تويلو – فنسان» واسمه الأول «جون Jean «.

وضمنت شركة الاسطوانات أم كلثوم في شرائها مستلزمات أخرى بالتقسيط، فهناك إيصال مؤرخ في 18 حزيران (يونيو) 1938 من المحلات ذاتها «تويلو – فنسان» بتسلم مبلغ ثمانية عشر جنيهاً وستين قرشاً فقط من «حضرة أم كلثوم إبراهيم السيد بضمان شركة الاسطوانات والباقي على دفعات تحت حساب راديو ماركة اتواتر كنت، وجراموفون، وساعة روتر حركة دائمة، وخزان جنرال إلكتريك لحفظ السوائل الساخنة والباردة». ووقع عن المحلات شخص اسمه «ليتو باروخ» وهو بالطبع اسم يهودي. هنا يسجل في الإيصال الاسم الثلاثي لأم كلثوم، والطريف فيه هو ذكر صفة الساعة «حركة دائمة» ولا نعرف هل كانت هناك ساعات حركتها ليست دائمة، أو ما المقصود بهذا التعبير؟ وكذلك شراء «خزان» لحفظ السوائل الساخنة والبارد.


http://bsam.4t.com/
   Report 
   07-25-2008, 10:08 AM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة

«الحياة» تنشر وثائق «قبس من روح مصر» (3 من 3) ... القصبجي باع ألحانه لأم كلثوم

سمير غريب      الحياة     - 25/07/08//

أم كلثوم ومحمد القصبجي
أم كلثوم ومحمد القصبجي
من الطبيعي أن تتلقى أم كلثوم عدداً لا يحصى من الرسائل الرسمية والشخصية، بحجم شهرتها الكاسحة. ولا نعرف ما إذا كانت «الست» احتفظت بكل الرسائل التي وصلتها أم ببعض منها؟ وأين هذه الرسائل الآن؟
من الرسائل الرسمية تلك التي بعث بها محمد فتحي رئيس معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية في 6 حزيران (يونيو) 1950. وكان المعهد - ولا يزال - في شارع رمسيس في القاهرة، الذي كان اسمه وقت كتابة الرسالة شارع الملكة نازلي، وهي زوجة الملك فؤاد وأم الملك فاروق.
كتب محمد فتحي رسالته إلى أم كلثوم التي وصفها بـ «صاحبة العصمة الآنسة» ليبلغها بأن مجلس إدارة المعهد قرر انتخابها عضواً فخرياً. ويأمل في مؤازرتها المعهد والتعاون معه على الاضطلاع برسالته.
> وهناك رسالة غير عادية تلقتها أم كلثوم من «محمد علي زين مرتضى» الذي كان يعمل في الخزينة المركزية في سرايا الحكومة في دمشق كما كتب في رسالته المؤرخة «في ليلة الجمعة 29 تشرين الأول (اكتوبر) 1953» كما حدد. والطريف أنه لم يكتب لأم كلثوم عنوانا على مغلف الرسالة، واكتفى بكتابة: «إلى حضرة الآنسة ام كلثوم مطربة الشرق المحترمة. القاهرة. مصر»... وفي الأغلب وصلت الرسالة الى أم كلثوم على رغم عدم وجود عنوان عليها.
أرسل محمد علي رسالته تيمناً بشفاء أم كلثوم، وضمنها قصيدة وصفها بـ«العصماء» كتبها علي زين العابدين أحد أبناء الحسين بن علي بن أبي طالب، واسمها قصيدة «المناجاة». من الرسالة نفهم أن من الطبيعي أن يختار المعجب الدمشقي هذه القصيدة بالذات ليرسلها الى أم كلثوم. فهو لا يرى فيها إلا أنها وهبت نفسها لإعلاء كلمة الله «وإظهار فضائل رسوله الأعظم» على حد قوله. لذا فهو يعرض على أم كلثوم إنشاد هذه المناجاة ويشجعها على ذلك بأنها إن فعلت «تكون قد أرضت خالقها والمخلوقين من عشاق صوتها».
> وكما فعل المعجب من دمشق بإرساله رسالة إلى أم كلثوم من دون عنوان مفصل، فعل أيضاً الدكتور عبدالعزيز حجازي نائب رئيس الوزراء ووزير المالية والاقتصاد والتجارة الخارجية المصري، أطال الله في عمره. فقد أرسل الى ام كلثوم رسالة رسمية مكتفياً على المغلف باسمها، وقد أصبحت تلقب بالسيدة، واسم الحي الذي تسكن فيه وهو الزمالك.
لكن الدكتور حجازي بعث برسالته في 12/11/1973 ليشكرها على مشاركتها لمصلحة المجهود الحربي بشيك قيمته عشرة آلاف جنيه. وهو وإن كان مبلغاً له قيمته في ذلك الوقت، إلا أنه ليس كل ما تبرعت به أم كلثوم للمجهود الحربي، بل ربما يكون آخر ما تبرعت به، فتاريخ تبرعها يعود إلى أسبوعين بعد بدء حرب تشرين الأول (أكتوبر) ضد إسرائيل، وقبل يومين من قرار مجلس الأمن وقف إطلاق النار. وعلى رغم أن الرسالة رسمية كما قلت على ورق حكومي. إلا أن الدكتور حجازي حرص على إنهاء رسالته بآية قرآنية تــحض عـلى الــجهاد بالأمــوال والأنفــس.
 > وكما كانت أم كلثوم تتلقى رسائل المعجبين، يبدو أنها كانت حريصة على الرد عليها، أو على ما تختاره منها. هذا الحرص هو من قبيل احترام الآخرين والمحافظة على إعجابهم أو زيادته. مثل هذه الرسالة التي كتبتها أم كلثوم بخطها في وقت مبكر من حياتها الفنية، فهي مؤرخة في 4 تموز (يوليو) 1937، وحرصت أم كلثوم على كتابة عنوانها في أول الرسالة وقبل تاريخها. وكان العنوان كما كتبته: «فيلا البنفسج - القاهرة». الرسالة موجهة إلى «حضرة الفاضل السيد عبدالقادر بك المحترم». يبدو من الرسالة أنه عراقي مقيم في بغداد من محبي أم كلثوم، وليس من أصدقائها، فأسلوبها معه رسمي إلى حد ما. وفي الرسالة تصف أم كلثوم بغداد بأنها وطنها الثاني. وتسأل عبدالقادر بك عن «الشخص المدعو مير زعرور» الذي كتب إليها طالباً الاتفاق معها على الحضور إلى بغداد، وتسأل عن وضعه الاجتماعي وسمعته وأخلاقه... وهذا يدل على حرص أم كلثوم الشديد في علاقاتها واحترامها فنها. وهناك في وثائق أخرى كلام على مير زعرور (وهو بالطبع يهودي عراقي) ورسائل متبادلة معه.

أم كلثوم والقصبجي

ارتبطت أغاني أم كلثوم لفترة طويلة بالملحن محمد القصبجي. ولعل من شاهدوا مسلسل «أم كلثوم» الذي قدمه التلفزيون المصري عام 2001، وأدت فيه الفنانة صابرين دور أم كلثوم، يتذكرون علاقة القصبجي بأم كلثوم، وهي علاقة من طرف واحد هو القصبجي، على رغم عبقريته الموسيقية.
كان القصبجي ينادي أم كلثوم باسم التدليل «سومة». ولدينا رسالة كتبها بخط يده في 15 آب (أغسطس) 1953 على ورقتين صغيرتين، وقد كتب الرسالة أثناء سفر أم كلثوم للعلاج في الولايات المتحدة. والواقع أن عام 1953 كان نحساً على أم كلثوم، إذ توفي شقيقها ورفيق رحلتها الفنية خالد في العام نفسه أثناء وجودها في أميركا للعلاج، ولم تعرف بخبر وفاته إلا بعد عودتها إلى مصر. كما أنها لم تغن إلا في حفلة عامة واحدة خلال تلك السنة أقيمت في أول كانون الثاني (يناير) على مسرح حديقة الازبكية.

تلقي رسالة القصبجي التالية ضوءاً آخر على علاقته بأم كلثوم:

«عزيزتي سومة

تحياتي وأشواقي القلبية وتمنياتي لك بكل صحة وعافية. وسلامي وتحياتي للسيدة سعدية هانم وحضرة الدكتور أمين وتهنئتي لكم جميعاً بحلول عيد الأضحى المبارك أعاده الله عليكم بالصحة والعافية والسعادة والهناء.
سيدتي سومة. أنت وحشتيني كثير جداً جداً. وامتى إن شاء الله تعودي لنا بالسلامة. جميع الشعب يدعون لك بالشفاء ويسألونني عن موعد عودتك بالسلامة. وأما أنا فلا تسأليني عن الفراغ الذي أوجدتيه في نفسي وعن الوحشة اللي أنا فيها من بعدك (بضم الباء) وتفكيري ليل نهار فيك. واهتمامي بعلاجك وصحتك وعودتك بكل صحة وسلامة. مشتاق لرؤياك كثير جداً. أريد أن أطمئن منك على صحتك ولو أني باستمرار دائم السؤال عنك من منزلك العامر في مصر. وبقراءة الأخبار عنك في الجرائد وصورك الحلوة الخفيفة الروح وأنت تأكلين التفاح الامريكاني.
يا سومة هذا هو رابع خطاب أرسله لك، فعسى أن تكون جميع خطاباتي تصلك بانتظام.
وختاماً أدعو لك بالصحة والعافية وأرجو من الله عودتك لنا سريعاً بالسلامة.
وتفضلي بقبول تحياتي
من المخلص الوفي محمد القصبجي. (لم نعرف من هو الدكتور أمين الذي يحيّيه القصبجي في رسالته).

وهنا وثيقة أخرى في هذه العلاقة، هي بيع محمد القصبجي وتنازله عن حقوقه في ثلاث أغنيات لحنها لأم كلثوم، وكتب هذا التنازل في 15 نيسان (أبريل) 1943. والمدهش أن أم كلثوم لم توقع عليه مع القصبجي، بل وقع عليه ضابط جيش برتبة ملازم أول لم نستطع تبين اسمه الأول من توقيعه، لكن اسمه الثاني ابراهيم، فهل كان قريباً لأم كلثوم فوضته بالتوقيع على العقد؟؟. هنا نص التنازل:
«أنا الموقّع أدناه محمد القصبجي
ملحن الأغاني الآتية للآنسة أم كلثوم إبراهيم وهي:
1- ياللي جنيت ارحم حالي
2- ما دام تحب بتنكر ليه
3- رق الحبيب
وجميعها ملحنة للآنسة أم كلثوم ابراهيم المقيمة بمنزلها بشارع أبي الفدا بالزمالك. أقر بأني قد بعت الأغاني السابقة الذكر للآنسة أم كلثوم ابراهيم وتنازلت عنها بالنسبة لتسجيلها على اسطوانات فونوغرافية لبيعها في جميع الأسواق. وكذلك بالنسبة لإذاعة هذه الاسطوانات من محطات الإذاعة اللاسلكية في جميع أنحاء العالم. وليس لي الحق في الرجوع عليها بأي التزام بالنسبة لهذين الشرطين فقط مع حفظ جميع حقوقي الأخرى بالنسبة لأشرطة الراديو وإذاعة هذه الأشرطة من محطات الإذاعة وباقي حقوقي الأخرى للنشر.
كما أن هذا البيع والتنازل في ما يختص بهذين الشرطين فقط يمنع أي فرد أو أية هيئة من المطالبة بأي حق يتعلق بهذه الأغاني سواء أكان لحسابي أم لحساب أية هيئة أخرى.
وبذلك أكون قد تنازلت لحضرتها عن جميع حقوقي بالنسبة لهذه الأغاني في ما يختص بتعبئتها على الاسطوانات الفونوغرافية وبيعها وإذاعتها في جميع محطات الإذاعة في العالم فقط وذلك نظير مبلغ ستماية جنيه مصري فقط.
ويعتبر توقيعي على هذا البيع والتنازل إيصالاً علي وإقراراً مني باستلام المبلغ السابق تحديده».
والملاحظ هنا تلك الصياغة التي تكررت فيها تعبيرات البيع والتنازل كثيراً، ولم يأت ذكر المقابل المادي إلا في آخر سطرين من التنازل، على العكس مما هو متبع من ذكر المقابل المادي في بدايات العقود. وكأن القصبجي يخجل من ذكر المبلغ.


http://bsam.4t.com/
   Report 
   12-14-2008, 08:11 PM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة

(التاريخُ) يَرقصُ في مُسْتَشفى المَجانين!

GMT 17:00:00 2008 الجمعة 5 ديسمبر

د سيّار الجميل -->سيّار الجميل


(1) الفهم بديلا عن القداسة
 
" المتعصبون لازمانهم صور فاتنة للعامة، لأن البشر يفضلون رؤية إيماءات تافهة لما تربوا عليه بدلاً من أن يسمعوا صوت العقل ".
فردريك نيتشه

 اولا: مدخل: الى متى سيبقى الماضي وصيا علينا؟
     اليوم، اخذ كل من هّب ودّب يكتب " التاريخ "، بل قل يستنسخ ما قاله الاخرون، بلا اي منهج، او امانة، ومن دون اي حياء، ولا اي ضمير! بل وغدا البعض، يسلق ما يعرف بـ " الحقائق " بعد سرقتها ليقوم بتشويهها عمدا من دون اي احساس بالذنب! ناهيكم عن حجم اعداد المزورين والمدلسين والكاذبين والرواة العنتريين الذين ليس باستطاعتهم التحكم بعواطفهم، ونزق تعصبهم، وغربة سايكلوجياتهم ابدا.. تجدهم وكأنهم خرجوا من ذلك العصر توا، اذ يتحدثون وكأنهم قد رأوا احداثه، والتقوا شخوصه، وخبروا اسراره ومظانه.. وثمة من يرمي كل عفونة هذا الحاضر على تاريخنا بلا اي عقل، ولا اي حكمة.. لقد كثر المجانين في مجتمعاتنا بشكل لا يصدق، وكلهم يرقصون على لعبة التاريخ.. ومع هيجان الانقسامات، طفت على السطح كل رواسب الماضي، وبدا عصرنا يعيش في رعاية الماضي.. ان ابناء الماضي التليد او البليد  لو قاموا من قبورهم، ووجدوا انفسهم فجأة في طائرات جامبو، وفي ايديهم موبايلات، وفي بيوتهم تلفزيونات وكومبيوترات واتصالات لاصابتهم لوثات متنوعة من الجنون ولدخلوا كلهم مستشفى المجانين.. والامر سيّان عندي، ان يغدو ابناء اليوم وكأنهم خرجوا من عصور حجرية او بدائية، وقد افتقدوا التفكير والمنطق والعقل حتى لمرة واحدة! انني لا اتخيل ابدا ان ترتد مجتمعاتنا، هكذا نحو الماضي السحيق.. هذا الارتداد الكاسح بكل غباء من دون ان يحمل الناس زهرة الماضي ورموزه كي يخترقوا المستقبل.. فالمستقبل خطير جدا، ولا اعرف كيف ستواجهه مجتمعاتنا التي يزداد اهتراؤها، وينعدم انتاجها، ويغترب ابناؤها، يوما بعد آخر، وهي لم تزل بهوسها في مستشفى المجانين منذ خمسين سنة! وكل من يقرع الاجراس منبها، يغدو خصما يهاجمونه وعدوا وزنديقا يدعون لقتله او نفيه او تشويه سمعته!
 
ثانيا: كيف ننجح في توظيف الذاكرة التاريخية؟
 لقد تربت أجيال عربية عديدة على مدى قرنين من الزمن تربية تاريخية خاطئة، وعاشت جميعها على تضادين اثنين: حلم الأمجاد المفرحة، او بكائية المظلومية السوداء! وكانت ولم تزل، تربية ساذجة بلهاء، تضخ في العقول والوجدان والتفكير بأن كل ما افرزه التاريخ من التراث هو النافع والرائع، او تجد على الساحل الاخر منه، ذلك الماحق الساحق الذي لا يمكن أن يتجرأ أحد على دراسته ونقده وتمكين العقل منه.. حتى وجدنا كل مجتمعاتنا تعتبر " التاريخ " هو المقدس كـ " الدين "، ولا يليق بأي دارس ومؤرخ ومفكر أن يستكشف اية مقاربات للحقائق التي ربما تطفو على السطح، بل ولا يمكنه أبدا أن يستأصل العفن من واقع متزمت إزاء الماضي بسبب أن الحاضر كله لم يزل في جوف الماضي! ولا ان يصحح اية مفاهيم خاطئة غدت مع متتاليات الزمن، مجرد طقوس مبتدعة، لأن الاوصياء على التاريخ، هم " رجال دين "، ولهم القدرة الديماغوجية في تسويق القداسة وخداع العامة! ان اغلب مشاكل الحاضر تجدها راكنة من ترسبات الماضي وبقاياه التي يتزمت إزاءها كل من الدولة والمجتمع تحت مسميات عدة، وأغطية متنوعة، وتشكيلة فيها كل الألوان الفاقعة غير المتجانسة، أو عند آخرين يقبع كل شيء تحت عباءة داكنة سوداء لا يمكن أن يخرقها أي " منهج "، أو تتدارسها أية " فلسفة" من اجل تعرية مقاربات (الحقائق ) التي يؤمن بها كل طرف، مهما كان نوعها وشكلها وصنفها، ومهما بلغ كمّها وحجمها واتساعها! وهنا يمكن توظيف الذاكرة التاريخية توظيفا حقيقيا، خصوصا، اذا ما تميّزت بالنضوج، وانها مقارنة بذاكرة تاريخية غيرها، تمتلك ثقلا من الاحداث والتجارب وخزين خزائن من المستندات والوثائق والمعلومات.
 
ثالثا: دوامة الثنائيات وراء كل الانقسامات والصراعات
ان من اصعب الامور ان يكون " التاريخ " مادة مستلبة من قبل جهلة، او مرضى، او عصابيين، او مغالين، او مجموعة من الدجالين الذين تجمعهم كلهم في مستشفى المجانين، والتاريخ، لا يعرفه الناس الا من معلم او مؤرخ.. فاذا ما استسلمت لمن يهذي فيه، او يثرثر عنه، او يزّور منه.. وسوف يفسره كل واحد منهم على هواه، بل واصبحنا اليوم مجموعة مجتمعات، متناشزة، ومتنافرة، بل ومنقسمة في ساحة مليئة بالاضداد المذهبية والطائفية والتحزبية السياسية، هذا يدافع، وذاك يهاجم.. وتلك تزغرد، واخرى تولول وتلطم.. اولئك يدورون حول انفسهم، وهؤلاء يسبحون بامجاد سلالاتهم، والاخرون يقدسون اضرحة آل بيتهم، ومن دونهم يتهجدون عند قبور اوليائهم، ومنعزلون يقدسّون خرقهم ويهلوسون في تكاياهم، صباحهم ومساءهم.. واذا كان الشعراء والمعلمون يمجدون ويمدحون هذا " الخليفة " وذاك " السلطان "، يأتي من يسبّ ويشتم ويلعن الجميع! ويعجب الناس اليوم وهم يشهدون غرائب مناسبات تاريخية يحتفون بها كونها دينية مقدسة! وكّنا ولم نزل على امتداد التاريخ الاسلامي، وحتى يومنا هذا، ندور في دوامة ثنائيات مزمنة: صراع  قحطانيين ضد عدنانيين، أو بين شماليين وجنوبيين، أو بين مهاجرين وانصار، او بين صحابة وآل بيت، او بين خلفاء وأئمة، او بين بنو أمية وبنو العباس وما بينهما.. علويون ومرجئة، وحسينيون ازاء يزيديين، وما كان بين اهل العراق واهل الشام، او بين سلالة سادة وغير سادة، او بين نقباء حسينيين واشراف حسنيين، او بين دواخل وخوارج، او بين عثمانيين وصفويين.. او بين ايوبيين وفاطميين.. او شوافع وحنابلة، او بين سلفيين ومتصوفة، أو بين صوالح وطوالح، او بين روافض ونواصب، او بين ظاهرية وباطنية ناهيكم عن كم لا حصر له من طرق صوفية.. الخ من التحزبات والتمذهبات والطرائق التي عبثت بمجتمعاتنا على امتداد تاريخ طويل، بل وكانت من وراء اذكاء حروب واشعال صراعات بين دول كبيرة وصغيرة.
     
رابعا: الفهم بديلا عن القداسة
متى تفهم مجتمعاتنا تواريخها بمنتهى الحياد والاستقلالية والنضوج العلمي؟ متى تبتعد عن مزاولة هذا الالتصاق الذي يقربها من تقديس الأشياء، واعادة إنتاجها بعيدا عن فهمها وإدراك مخاطرها؟ متى تتخلص من كل التمجيدات، والمفاخرات، او كل الكراهية، والمكبوتات ازاء ما دار في الأيام الخوالي، علما بأنها لم تدرك، ان التاريخ كله، هو امتداد من الازمان النسبية المتغايرة والتي لا تحتمل المطلقات ابدا، فزهرة الماضي لم يصنعها إلا المبدعون والمنتجون والعلماء ونخب من المثقفين الحقيقيين، وان الفجائع والنكبات لم يصنعها الا الاغبياء والمتخلفون والمشرعون المتعصبون؟! فهل باستطاعة الناس أن تنجح في تحكيم العقل وهم يتدارسون وينقدون الأحداث والأشخاص والمواقف والنصوص مهما بلغت درجة ثقتهم بها؟ اننا نرى اليوم، ومع ثورة المعلومات الالكترونية استخداما جنونيا لتشويه التاريخ وتحريفه بالرغم من انوف الفلاسفة العقلاء والمؤرخين المنهاجيين.. فهل يمكننا ايقاف هذه الموجات الكاسحة التي تريد ان تجد لها مشروعية من نوع ما في ظل خيمة تاريخية قديمة تقع في مستشفى للمجانين! هنا، هل تنجح السياسات التربوية العربية ( او تلك التي يمارسها شيوخ وملالي في دول اسلامية معينة سنّية وشيعية ) أن تزرع وازع الحيادية، والموضوعية، والعلمية مهما بلغت درجات التاريخ من القداسة؟؟ كي يدرك المرء يوما معنى الخطأ، ومعنى الاعتراف به والتعلم منه؟؟ ولكن من سيقوم بالمهمة اذا كانت مجتمعاتنا قاطبة قد غاصت في التخلف حتى الركب؟ من سيغرس فلسفة القطيعة كي يحل الفهم بديلا عن القداسة؟
 
 
(انتهت الحلقة الاولى.. انتظروا الحلقة الثانية )
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

التاريخُ (يَرقصُ في مُسْتَشفى المَجانين! 2

GMT 10:00:00 2008 الأحد 14 ديسمبر

د سيّار الجميل -->سيّار الجميل


(2) دعوة من اجل العقل
"المجانين يصنعون التاريخ والعقلاء يكتبونه وليس العكس"
البير كامو

خامسا: التفكير التاريخي العربي بين ألامس واليوم!
 
   لقد شهد النصف الأول من القرن العشرين حركة فكرية عربية نقدية جادة في دراسة التاريخ العربي على درجة من التحليل والعلمية، وأن الفكر العربي –حينذاك- قد ازدهر على أيدي أصحابه في ميادين الأدب والفلسفة واللغة والتاريخ والنقد الأدبي، وجاءت الاستفادة والنجاح من خلال المزاوجة الحية بين القديم والجديد، ولم يكن ذلك بالأمر الهين ليتم النجاح والازدهار، إذ توفر له أحد أهم الشروط متمثلا بالسيطرة على مادة كل من القديم والجديد. وعليه، فقد زخرت الفترة المعنية بنشاطات عديدة لرجال أغنوا المكتبة العربية بتجارب تحقيقاتهم ومعارفهم لأعمال حية وصعبة ومفيدة من تاريخنا الذي اعتبروا سدنته، امتدوا بثقافتهم الموسعة مع جذوره العميقة، ووظفوا معاصرتهم مع مناهجه النقدية الصارمة. كانوا اكثر حكمة في التعامل مع الاحداث والشخوص، مهما بلغت قيمتها، ومهما اتفقوا معها او اختلفوا عنها..
وفي تلك الفترة أيضاً، تمتعت طبيعتها الفكرية بمزايا تخالف ما يتصف به واقعنا الفكري المأزوم هذه الأيام، لم يكن الاحتراب بين التراث والمعاصرة، أو التقليدية والتغريب هو ظاهر للعيان في إعلاناته وشعاراته، أو أنه يعمل تحت الأرض سراً وبخفاء دفين، أو كالجمر الأحمر تحت الرماد… وهذا هو حال حاضرنا الفكري العربي المعاصر، إننا اليوم لا نتعامل مع التاريخ والجذور والتراث تعاملاً علمياً أو حيوياً ونقديا. إن جيل اليوم يرى أن تاريخه منفصل عن حياة الحاضر المعاصر، وتراكيبه الفكرية وموازينه، ويرى البعض في تراثه إجهاض للتقدم والتحضر، نظراً لما يتمثله من عقم هذا التراث كونه جاءنا من الماضي، هكذا ينظرون إلى الماضي، وقد انعزلوا عنه عن كره، أو سوء فهم، أو جهل، أو ضعف قراءة، أو لامبالاة قاتلة! وعليه، فإننا نرى حتى في الذين يعملون عليه اليوم، ان أساليبهم في كتابة التاريخ، لم تزل، تقليدية وضعيفة وعاجزة تمام العجز عن إحيائه والاستفادة منه، وتوظيفه على درجة مثلى من الدقة والعمل والنقد العلمي بعيدا عن المنهج وآليات النقد والتفكير والفهم الفلسفي المتحرر من قيود اي نوع من السلطات القاهرة.. كما يجري عند بقية الأمم التي تتدارس تواريخها، وتعتني بحقائق ماضيها وجذور حاضرها.. اننا بحاجة الى ان يكون التاريخ  داخل مختبرات العقل وبايدي مؤرخين حاذقين امناء اذكياء، صادقين وحياديين بدل ان يبقى تاريخنا المتنوع، كتابا يتمزق بايدي الحنقى والمرضى القاطنين في مستشفى المجانين.
 
 
سادسا: بعيدا عن اي خلل في التفكير والرؤية!
إن الخلل والأخطاء في دراسة تواريخنا وفهمها، والتعامل مع الجذور بعلم ودقة، ثم العجز في توظيف المناهج النقدية وتكريسها لخدمة الحاضر، جعل جيل اليوم من المهتمين به، والقارئين له، لا يجدون غير التفاخر به، وتقليب صفحات كنوزه، دون دراسته وفحصه، والتوقف عنده ملياً، إذ أنه يحتوي وفي شتى ميادين المعرفة على آلاف الظواهر والحوادث والوقائع والسير والتجارب والشخوص.. التي تستحق الاهتمام والوقوف عند كل كلمة وجملة وفقرة، وفي شتى الميادين التي كتبت تواريخنا فيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية.. فلم يزل الحاضر يجهل عوالم تفصيلية من تواريخ مجنونه مزدحمة بالتناقضات: صفحات رائعة زاهية، أو صفحات سوداء قاتمة لابد من إماطة اللثام عنها بكل جرأة، وعقلانية، وشجاعة نقدية، واستقلالية تامة عن أي جهة، أو تيار، أو سياسة يطمح أصحابها إلى توظيف الماضي لخدمتهم وخدمة أغراضهم ووسائلهم وأهدافهم العقائدية او المذهبية او الطائفية او الايديولوجية.
 
سابعا: النقد وحرية التفكير: ضرورتان اساسيتان
إن المثقف العربي – اليوم – يستهويه أن يقتني مثلاً، عدداً كبيراً من كتب التاريخ والتراث العربي والإسلامي، ولكن لنتساءل: إلى أي درجة يستطيع هذا المثقف أن يتوفق في فحص ما اقتناه بدقة وموضوعية وتركيز؟؟ قد يقف قليلاً عند أمهات مأثورات العرب خلال القرن الرابع الهجري، ليقرأ من دون اية قدرة لديه ان يشرح ما قرأه بطريقة نقدية محكمة! ولئن وقف العديد من الدارسين العرب المحدثين عند كثير من مأثورات القرن الرابع الهجري – مثلاً -، فإنه من المستبعد أن يقف عند مأثورات حية أخرى أنجبتها قرون أخرى، تلك المأثورات المهمة التي ساهمت في التطور أو الأفول التاريخيين، وهذا نتيجة واضحة لعلة مزمنة في الفكر العربي الحديث تكمن في تركيز اغلب الدراسات والتخصصات والآراء العلمية حول تاريخ عصر ازدهارهم، ولم يهتم الدارسون والعلماء العرب اهتماماً جدياً، وكافياً، ومعقولاً بالأحقاب الأخرى ومأثوراتها الغزيرة. أي أن العرب وكل شعوب العالم الاسلامي ينظرون إلى تواريخهم نظرة مجتزأة وغير متكاملة، ان رؤيتهم افقية قاصرة تمتد في السراب في حين ان من الضرورة ان تكون عمودية ومسيطرة على كل الدوائر لتغدو رؤية تشخيصية من فوق! 
 
ثامنا: " التاريخ " عندما يغدو معولا هداما!
بدون شك، إن الظروف التاريخية المختلفة قد أثرت في تطور هذا التاريخ وتراكيبه وبنيوياته، وفي معطياته، إلا أنه بقي وحدة حية متواصلة غير منقطعة عن الجذور الأولى، بل أنه تطور وتبلور في أحاديته الثقافية التاريخية الطويلة، ولكن انقسمت المجتمعات على نفسها بتأثير السياسات والصراعات والانقسامات الفكرية والايديولوجية والمذهبية والطائفية.. التي عانت منها طويلا. وأعتقد أن أكبر جناية يمارسها العرب تجاه تاريخهم، ليس فقط تزويره او تشويهه او التنكيل به من داخله، بل عدم الاهتمام به أو فهمه، وقد وصل الامر الى سحبه من مواقعه التي عاش فيها ليفسر كما يحلو لمفسره اليوم، هذا الذي يعيش جميع متناقضات أيامنا المعاصرة، ومن جملة الأخطاء التي تمارس اليوم سحب كل طرف للتاريخ كي يكتبه على هواه من دون أي شعور بالذنب أو إحساس بالمسؤولية في ما يحتاجه الواقع من الاستقلالية والحيادية واقصى درجات النقد في الكشف عن الحقائق مهما كانت مريرة وقاسية.. ومن دون أي مهادنة سياسية، أو قداسة دينية، أو نفاق فكري، أو غباء علمي!! وفي ذلم اذكاء لانقسام مجتمعاتنا في العالم العربي والاسلامي برمتهما!
 
تاسعا: مستلزمات ثلاثة أجيال قادمة:
وعلى الجيل العربي المعاصر أن يصحح نظرته للتاريخ، ويعمل على تقييمه من خلال دراسته واستيعابه وفهمه، وإلا يصبح منقطع الجذور، معدوم الأسبقيات، هزيل اللغة، ضائع تائه في زحمة الأفكار السياسية والأيديولوجية المعاصرة التي لم يستطع أبداً من السيطرة عليها، وتحقيق ذاته وأمانيه من خلالها. إن الأجيال الثلاثة القادمة في القرن الحادي والعشرين مطالبة بفهم تواريخها لا بإعادة استنساخها وكتابتها.. إنها مطالبة بالكشف عن الحقائق التاريخية مهما كانت مرة وقاتمة ومشينة، من اجل أن يتعلم منها الجميع.. ولابد أن تكون الأجيال الجديدة منفصلة في تفكيرها، ومستقلة في إبداء وجهات نظرها، وحرة في ممارساتها ووظائفها الفكرية.. وعليها بالسعي لكي تحل القطيعة بين المزدوجات وتنفض القداسة التي يفرضها الآخرون على الماضي، وكأن كل ماضينا كان مدهشا رائعا او مقدسّا نال منه الاعداء!! وعلى الأجيال الجديدة أن ترى نفسها طبيعية ومتوازنة مع الآخرين، لا أن تعتقد خاطئة كما أساءوا تربية من سبقها من الأجيال بأنها من افضل شعوب الأرض!! إن ثقافتنا العربية القادمة، بحاجة إلى نخبة ذكية وحيوية ونشيطة وعلمية جدا من المؤرخين والفلاسفة الجدد الذين باستطاعتهم أن يزرعوا موسوعيا روح فهم التاريخ، العاقل والمجنون معا، من جديد، وباستقلالية تامة بعيدا عن التقاليد المميتة التي اتبعها السلف في القرن العشرين ليس من المؤرخين العرب فحسب، بل من القادة والزعماء والمسؤولين والمتفذلكين عن الدنيا وتعقيداتها باسم الشعر مرة، او باسم الدين مرات!.
 
عاشرا: واخيرا: ليس لنا الا امتلاك العقل والخروج من مستشفى المجانين
وأخيرا، أقول بأن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، قاطبة، بحاجة ماسة إلى فهم تواريخها على ضوء التفكير العلمي، واستدعاء العقل والحرية في منهج تفكيك التناقضات التي تزدحم بها تواريخنا، او اية تواريخ لمجتمعات ودول اخرى.. لقد باتت مجتمعاتنا ليست بحاجة إلى إعادة كتابتها من جديد تحت وصايا سياسية وأيديولوجية معينة، ولكن بحاجة الى امتلاك العقل او اي مدرسة للعقل في كيفية الحد من سلطة جنون التاريخ على اجيالنا، وبمباركة معلنة من قبل الاوصياء الجدد. لابد من العمل للخروج من مستشفى المجانين.. ولكن متى سيتحقق الأمل؟ لا أحد يعلم!

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

    
http://bsam.4t.com/
   Report 
   03-21-2009, 12:09 AM
soukrat is not online. Last active: 12/9/2011 5:17:12 AM soukrat



Top 10 Posts
Joined on 11-20-2005
germany
Posts 15,431

VIP
Re: history geschichte تاريخ توثيق صور قديمة
هيكل.. دور ماتيلدا كريم في أحداث 1967
function PopReadonlyMetadataAudio() { var winShowMedia = window.open('/Channel/KServices/SupportPages/ShowMedia/showMedia.aspx?fileURL=/mritems/streams/2009/2/1/1_890789_1_13.wma','ShowMediaWin','width=590; height=450; scrollbars=1'); winShowMedia.focus();} function PopReadonlyMetadataVideo() { var winShowMedia = window.open('/Channel/KServices/SupportPages/ShowMedia/showMedia.aspx?fileURL=/mritems/streams/2009/2/1/1_890789_1_13.wma','ShowMediaWin','width=590; height=450; scrollbars=1'); winShowMedia.focus();}
 
ضيف الحلقة: محمد حسنين هيكل/ مفكر عربي
تاريخ الحلقة: 29/1/2009

- شخصية ماتيلدا وظروف جونسون
- رئيس معقد وامرأة متعددة الوجوه
- جيوش السيدة ماتيلدا

 

شخصية ماتيلدا وظروف جونسون

محمد حسنيين هيكل
محمد حسنين هيكل:
مساء الخير. في خبايا وخفايا وقائع سنة 1967 قصة أعتقد كأنها من قصص جيمس بوند فيها كل عناصر الإثارة التي لا يمكن تصور أنها موجودة في مثل هذه القصة الدامية في حقيقة الأمر لأنها قصة فيها الغرام وفيها الجاسوسية وفيها السر وفيها ما لا يمكن تصوره في مساق أو مسار أزمة من هذا النوع وعلى هذه الدرجة من الخطورة ولكن هذه القصة هي قصة السيدة ماتيلدا كريم وهي سيدة لعبت دورا شديد الأهمية في حرب سنة 67 وأظن أنه ليس هناك مؤرخ أو أحدا كتب عن 67 إلا وأشار إلى الدور الخطير جدا الذي قامت به هذه السيدة، يعني على سبيل المثال وليام كونت اللي هو مستشار مجلس الأمن القومي للخاص بالشرق الأوسط بيتكلم على أن الرئيس جونسون كان بيسمع لها أكثر ما بيسمع لأي أحد، أنا بأقول شفت عشرات الكتب وقصة ماتيلدا كريم فيها قصة أساسية ودورها في كل العمليات دور لا يمكن لأحد أن يتجاهله، أنا قلت المرة اللي فاتت إنه في أكثر من ثمانين كتابا في مكتبتي عن 67 على أقل تقدير فيها أكثر من سبعين كتابا كلهم متكلمين على ماتيلدا كريم ومتعرضين لدورها بالتفصيل ولكن بعضهم أفاض وبعضهم أشار، من الناس اللي أفاضوا على سبيل المثال دونالد نيف، أنا ما أقدرش أجيب معي 82 كتابا أو 70 كتابا ولكن جبت اثنين، كتابين مهمين، واحد كاتبه رئيس محرري التايم ماغازين وهو كان مراسلا لمجلته في القدس في وقت الحرب وجايب واحد عميد المؤرخين الإسرائيليين أو على الأقل واحد من أهم المؤرخين الموجودين، الصحفيين الموجودين وهو أورن لأن كتابه أيضا عن 67 معتبر مرجعا وهو الآخر أفاض في دور السيدة ماتيلدا كريم، فجايب الاثنين فقط كنموذج إلى جانب كتاب وليام كونت لأن دورها مما لم يعد.. الغريبة أنه أنا شخصيا لغاية بعد الحرب بحوالي سبع، ثماني سنين لم أكن متنبها لدورها ولما حاولت أكتب كتابا لأنه حصل لي مرة أنه في فترة ما بعد الحرب كنت متضايقا جدا من الحملات الموجودة الموجهة ضدنا من غير معنى سنة 67 وفيها شماتة فكتبت كتابا فعلا وبعثته، بدأ ينتشر في التليغراف عن حرب 67 لكن تصادف في وقت نشره، الوقت المقرر له أن مقدمات 73 كانت بدأت تبان ولقيت أن موعد النشر حيبقى متطابقا مع موعد حرب 73 يعني وبعد ما طلعت الحلقة الأولى والحلقة الثانية من الكتاب أنا أوقفته وحصل أن الرئيس السادات اتصل بي في ذلك الوقت وقال لي ده سفارتنا، سفارتنا في ذلك الوقت كان فيها السيد كمال رفعت سفير وقال لي ده كتابك عن 67 يظهر بينتشر دلوقت وممكن قوي أنه يعمل بلبلة، قلت له يا افندم أنا أوقفته، هذا الكتاب أنا أوقفته وفعلا، بعثت للورد هارد ورئيس مجلس إدارة التلغراف ورجوته أن الكتاب يتأجل وتأجل ولحد النهارده ما طلعش، لكن هذا الكتاب أنا حسيت أنه دفاعي أكثر من اللازم فيما بعد يعني وأنه في واحد مستفز أمام حملة موجهة إلى بلده من غير معنى وعنده الفرصة يكتب بره في العالم فكتبت لكن بعدها سحبت الكتاب ولم يصدر لكن في هذا الكتاب أنا لم أكن تنبهت إلى الست ماتيلدا كريم لكن فيما بعد وأنا بأقرأ الوثائق وبأقرأ الشهادات وبأقرأ الكتب اللي طالعة أدركت إلى أي مدى هذه السيدة كان لها دور كبير جدا، لأنها ببساطة كده كانت آخر قصة غرام في حياة رجل بلغ، هي كان عمرها 38 سنة لما عرفته، عرفت الرئيس جونسون، الرئيس ليندون جونسون وأنا حكيت المرة اللي فاتت أنه كان عنده أقوال مأثورة منها غرامه بالسيدات، بالستات يعني، وده بيقوله في معرض الكلام عن السياسة، بيسألوه عن السياسة بيقول لهم الستات. طيب هذه السيدة ماتيلدا كريم عرفته وهو عمره 58 سنة وهي عمرها 38 سنة فرق السن 20 سنة ويبدو لي أنها ست كانت فادحة الجمال أو على الأقل كانت جميلة، أنا شفتها لها صور ولكن الصورة اللي شفتها كانت متاخدة لها أظن وهي ما بين في مرحلة 52، 55، باين فيها آثار جمال ولكن ليس الجمال اللي بيوصفوه، يعني واحدة مثلا زي هالسيل وهي واحدة من سكرتيرات جونسون بتقول إنها لاحظت يوما ست شقراء وجميلة جدا بتقول stirringly beautiful يعني جمالها ملفت وأنها داخلة فايتة عليهم في مكتب الرئيس وطالعة على الدور الثالث مطرح ما فيه أوضته، مطرح ما فيه جناحه، جناح نومه وجناح عيلته، طبعا بعض الناس ممكن يقولوا إزاي حاجات زي دي بتحصل في البيت الأبيض؟ ولكن للأسف الشديد الضعف الإنساني بيعمل حاجات، شفنا بعد كده كلينتون عمل إيه في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض على أي حال يعني لكن على الأقل جونسون الست فاتت عليه وطلع معها فوق، ولكن يبدو أن هذه السيدة لعبت دورا خطير جدا في حياة جونسون في هذه المرحلة ويبدو أنه بالتحديد دورها في وقائع سنة 1967 كان له أثر، يعني تقريبا تكاد تكون هي رأس الحربة في كل المناخ اللي كان محيطا بجونسون واللي كانوا كل المراقبين يصفوه أنه جو يهودي صهيوني متشدد جدا وأن ماتيلدا كريم كانت هي رأس الحربة في هذا الجو. لما آجي أشوف من هي ماتيلدا كريم لأنه أكثر واحد تقصى من هي ماتيلدا كريم أظن كان دونالد نيف، ودونالد نيف كان عنده الحظ أن يقابلها أو هو على الأقل سعى بعد سنين طويلة أن يقابها وأنا شفت دونالد نيف وحتى كتابه أهداه لي سنة 1992، 1993 في نيويورك كنا سوا وأنا حاولت أسأله لأني كنت اكتشفت الدور الكبير قوي اللي عملته ماتيلدا كريم وبدأ يحكي لي عنها وكلمني عنها ولكن على أي حال ماتيلدا كريم بدت هي مولودة أظن سنة 1927 وهي أبوها كان طلياني وأمها سويسرية، أبوها وأمها أحبوا بعض في إيطاليا وخلفوها البنت دي وبعدين قعدت مع أبوها في إيطاليا بعض الوقت أو قعدت مع أمها في إيطاليا بعض الوقت وبعدين راحت لأبيها في سويسرا، في سويسرا راحت تتعلم دخلت مدرسة وحاولت تدرس الطب وبعدين وهي تدرس الطب قابلت زوجها الأولاني أو قابلت شابا من أصل بلغاري، مهاجر بلغاري بيدرس الطب في جنيف ده بقى يهودي وصهيوني متحمس جدا ومعه في قصة الحب راحت معه إسرائيل وقعدت في إسرائيل وهناك تهودت وهناك انضمت معه هو إلى جمعية الآرغون سفاي وهي الجمعية الإرهابية التي كانت تابعة لحزب حيروت اللي كان فيه مناحيم بيغن اللي كان بيرأسه مناحيم بيغن وزوجها هذا ثابت وفي المحاضر كلها وفي الوثائق كلها أنه كان اشترك في عمليتين إرهابيتين كبيرتين، عملية اغتيال اللورد موين وزير الدولة البريطاني المقيم في ذلك الوقت وقد اغتيل سنة 1945، واشترك في عملية نسف فندق الملك داود اللي راح فيه عدد كبير من الضباط الإنجليز خمسة أو ستة وعدد كبير قوي من النزلاء في فندق النبي داود وهي فيما بعد اعترفت وحتى قالت هو ممكن قوي أحد يصنف عمل دانون زوجها على أنه عمل إرهابي ولكن هو عمل بطولي بالدرجة الأولى حتى وإن وصفه بعض الناس بالإرهابي، لكن هي في هذه الفترة ست متطوعة في الآرغون بتعمل عمليات بنفسها مع زوجها مع دانون وهي نشيطة جدا في دوائر الآرغون، بعدين في ذلك الوقت السلطات البريطانية بتحاول تقبض عليها، الحركة الصهيونية هربته برضه مرة ثانية إلى أوروبا ومعه ماتيلدا وبعدين، هم كان خلفوا بنت وهم في إسرائيل، لما راحوا جنيف، رجعوا جنيف ثاني بشكل ما دب خلاف بينهم ولكن حاجة غريبة قوي أنه هي سابته لكي تتزوج رجلا شديد الغنى وهو آرثر كريم، آرثر كريم كان أصله منتج إعلانات عنده وكالة إعلانات في أميركا في هوليود بالتحديد وبعدين أصبح منتج أفلام برضه في هوليود وكان هو يهوديا ونشيطا جدا في الحركة، في حركة جمع التبرعات لأنه combination بتاع إعلانات وعلاقات عامة مع بعض قريب جدا من عملية جمع التبرعات واعتبر أنه آرثر كريم مع واحد ثاني اسمه فايم بيرغ صاحبه يهودي برضه مهتم بالتبرعات وبيشتغل بنفس الشغلة تقريبا أن الاثنين مع بعض والمجموعة المحيطة بهم كانوا بيجيبوا نسخة تبرعات القادمة للحزب الديمقراطي وده تقليديا اليهود المشايعين لإسرائيل في أميركا هم تقريبا بيلعبوا دورا رئيسيا جدا في جمع التبرعات وفي الحملات إلى آخره، في هذا الإطار الست دي قابلت الرئيس جونسون، زي ما قلت هي، طبق الأوصاف اللي شافوها زي مثلا هيلسيل اللي كانت سكرتيرته بتقول إنها شقراء و stirringly beautiful  فادحة الجمال وملفتة يعني  ويبدو حتى من شهادة من كلامي حتى مع الرجل الوحيد تقريبا اللي قابلها وهو دونالد نيف واللي قعد معها طويلا، يبدو أنه كان عندها ميزة أنها جانب الجمال في ذكاء يبدو أن مزيج الجمال والذكاء في ست بيخلي تأثيرها نافذا تقريبا وإذا كان لها أهداف تبقى تستطيع أن تحقق أهدافها بسهولة. في هذه الظروف والرئيس جونسون لازم نفتكر هي عرفته سنة 1965 لكن لازم نفتكر الظروف اللي كان هو جاي فيها، أنا حكيت بعض الحاجات على شخصيته لكن 1965 لو نفتكر كانت هي 1965، 1966، 1967 كانت هي الذروة في معارضة حرب فييتنام وكانت الذروة في ضيق الرئيس جونسون بكل ما يراه حوله سواء مظاهرات الشوارع ومظاهرات الشباب والعمليات التي جرت في الشارع الأميركي واللي وصفها نورمان ميلر الكاتب الأميركي العظيم في كتابه THE ARMIES OF THE NIGHT "جيوش الليل" كان مضايقاه جدا وكان كل اللي شافوه في هذه الفترة كانوا يشعرون أن الرئيس تقريبا في البيت الأبيض تحت الحصار بسبب ظروف حرب فييتنام، جانب الرجل نفسه كان موسوسا وكان جاي بعد كينيدي واللي في البيت الأبيض ما عنده ثقة بحد، بشكل ما عنده، وهو جاي من الجنوب إلى الشمال عنده من تكساس هو جاي من تكساس ورايح واشنطن، نحن مرات ما بنقدرش نتصور إلى أي مدى الولايات، حد جاي من الغرب على سبيل المثال أو أي حد جاي من الجنوب إلى أي مدى واشنطن تبقى صعبة جدا عليه، لدرجة أن جزء كبير جدا من الحملات الانتخابية يتباهي بعض المرشحين أنهم ليسوا من واشنطن ما هو ماشي من المؤسسة لكن هنا بشكل أو بآخر جونسون كان حاسس بنوع من الإنكسار قدام المؤسسة لأن عائلة كينيدي وروبرت كينيدي بالتحديد هو يعتقد أنهم أساؤوا معاملته وهو نائب للرئيس لأنهم أهملوه وتركوه وقت، يعني نائب الرئيس عادة في البيت الأبيض ممكن قوي زي ما قلت المرة اللي فاتت أن يبقى مهمته أن يتنفس لغاية ما نفس الرئيس ينقطع أو يتوقف لكن في جونسون  بسبب حساسيته الشديد وبسبب أنه هو كان منافسا أيضا لكينيدي كان حاسس بالإهمال، جرعة الإهمال الموجهة ضده كانت جارحة يبدو بالنسبة له فكان بشكل أو بآخر كان يعني لما دخل البيت الأبيض واضطر يستعين بكل الطاقم اللي كان بيشتغل مع كينيدي كان عنده إحساس تجاههم لدرجة معينة من الإنكسار والعدوانية في نفس الوقت لأنه دائما أي أحد منكسر في داخله في تعامله مع الآخرين يبان عدواني كنوع من الدفاع عن النفس تقريبا، الدفاع المبكر عن النفس. لكن أنا بألاقي أن غرام هذا الرجل بهذه السيدة حأتكلم قبلها على الدرجة التي هذا الرجل تصرف بها مع هذه الست بطريقة مش طبيعية وحآخذ قدامي شهادة غريبة قوي قوي قوي وهي من أغرب الوثائق لأنه في أميركا بيعملوا حاجة اسمها الـ Oral history التاريخ الشفوي لما جرى، في الوثائق بتقول حاجة وفي التقارير الرسمية بتقول حاجة وفي التقارير الدولية والسجلات بتقول حاجة لكن بيعملوا التاريخ الشفوي أنه كل الناس اللي شافوا حوادث مهمة بيقعدوا أمام مايكروفونات وقدام عدسات وأنه في واحد بيسألهم في التاريخ، جاؤوا يعملوا التاريخ الشفوي بتاع الرئيس جونسون، طلبوا أنه ماتيلدا تتكلم فاعتذرت لكن زوجها آرثر -وهي غريبة جدا- من الحاجات الإنسانية اللطيفة جدا أن الزوج هو الذي تكلم في هذه الحالة، بدأ يحكي، بيسألوه أسئلة كثير قوي أولا على العلاقة، على الصداقة وعلى العلاقة، فالرجل بيقول أول يوم لأنه فوجئ الرجل أن الرئيس مهتم بهم قوي جدا بهم يعني، بهم ده مجازا، لكن هو بها واقع الأمر مش بهم، فهو بيقول الرجل بيحكي على أول يوم راحوا البيت الأبيض، بيحكي على أول يوم راحوا لكامب ديفد معه سهرة، بيحكي على أول يوم راحوا فيه في مزرعته في تكساس، روايته أنا بأعتقد أنها مش بس شهادة على الدور اللي عملته ماتيلدا كريم ولكن أيضا على التأثير الذي مهد لها كي تقوم بهذا الدور.


[فاصل إعلاني]

"
ماتيلدا كريم لعبت دورا في تعديل النقاط الخمس الشهيرة للرئيس جونسون عن تسوية ما بعد 67
"
رئيس معقد وامرأة متعددة الوجوه

محمد حسنين هيكل: يعني أنا لما ألاقي أول يوم في كامب ديفد على سبيل المثال وألاقي كيف تصرف الرئيس بقى هنا بأتكلم على رئيس الولايات المتحدة الأميركية مش هزار يعني لكن الرئيس يتصرف طبقا لآرثر كريم اللي هو زوج الست المعنية بيقول إنه هو أولا طبعا الرجل متاخذ بالجو لكن قاعد بيحكي أولا الرئيس بدأ يكلمهم وهم مستغربين جدا، بدأ يكلمهم عن قصة حياته وعن فقره وكيف اجتاز العوائق كلها وكيف انطلق من غير حدود إلى المستقبل، طيب وبعدين بيحكي على الإحباطات التي يشعر بها لأن الشعب الأميركي مش فاهم هو بيعمل إيه في فييتنام -يظهر أن كل رئيس لما بيلاقي نفسه لا يحقق ما يتصوره فشعبه هو المتهم- وبالتالي فهو بيحكي لهم إحباطاته بسبب حرب فييتنام وأن ما حدش راضي يدي له الفرصة الكافية علشان ينهي مهامه، وبعدين بيتكلم بيلفت نظره حاجة غريبة قوي أن الرئيس بيشرب كثيرا وهو هنا في الكلام بيقول إيه؟ أنا لاحظت أن الرئيس بيتكلم وشرب -ده في أول يوم في كامب ديفد- شرب 10 أو 12 ويسكي ده معناه تقريبا قزازة، قزاة ويسكي بحالها كده شربها الرئيس وهو بيتكلم، وبعدين بيحكي أنه على الساعة عشرة بالليل الليدي بيرد امرأة الرئيس بدا أنها مش مبسوطة كده وطلعت تنام، الساعة عشرة، وهم قعدوا كملوا، والرئيس جونسون بيحكي لغاية الساعة السادسة صباحا نزلت زوجة الرئيس فوجدت الرئيس ما زال ساهرا يتكلم ، نصف سكران، بيتكلم مع ماتيلدا ومع آرثر -والواقع ماتيلدا يعني- ولسه عمال يتكلم وبان عليها أنها مستغربة إزاي قعدوا لغاية الساعة ستة صباحا، سابتهم الساعة عشرة بالليل نزلت ستة صباحا لقيتهم لسه موجودين وواضح أنها بدأت تتضايق، وبعدين بيحكي إزاي أخذهم معه بالهيلوكوبتر، راحوا معه أولا إلى تكساس بالطائرة الرئاسية وبعدين بدأ يأخذ ماتيلدا بالهيلوكوبتر يوريها، يزورها جيرانه، يأخذ ماتيلدا يروح معها رحلة بحرية وهكذا في.. وبعدين بقى وهو ده كله لغاية دلوقت قصص غرام ما عنديش فيها حاجة، لكن واضح، مش واضح، هم بيقولوا كلهم بيقولوا، كل الشهادات بتقول إن هذه السيدة، هو بيحكي هنا مثلا على سبيل المثال، هو سألها هو وجد أنها تعرف إسرائيل واكتشف وكان لازم يكتشف من بدري أنها مش بتعرف إسرائيل بس، بتعرف إسرائيل وحافظة إسرائيل وبتتكلم عن إسرائيل وهي ولاؤها لإسرائيل، مع الأسف الشديد، ولاؤها الكامل لإسرائيل وهي تقريبا موجودة توجه ما تقول إليه وفي ذهنها طول الوقت إسرائيل إلى درجة أنه يحكي كل الناس الموجودين كلهم يحكون كيف كانت بتكلمه عن إسرائيل، سألها مرة مثلا عن إشكول قالت له عن رئيس الوزراء ليفي إشكول، قالت له تعرف أنه ده شكلك، شبهك في حاجات كثيرة قوي، ومزاجه تقريبا زيك ولما تشوفه أنت حتعجب به إلى أبعد درجة ووجهت دعوة لإشكول يشوفه، تقابل الرئيس جونسون، بدأت تدي له معلومات عما يجري في إسرائيل، بدأت تدي له مذكرات رسمية، بدأت تتدخل في مقترحات، يعني يحكي، كثير قوي يحكوا ومنهم دونالد نيف ومنهم أورن أنه كانت تيجي مذكرات متعلقة بموقف بأشياء تجري في السياسة وتجري في إسرائيل، تدخل ماتيلدا، كانت تقرأ المذكرات وتؤشر على مذكرات وتبدي آراء وتقبل منها إلى درجة أن مشروع جونسون، الخمس نقاط الشهيرة لجونسون عن تسوية ما بعد 67 السيدة ماتيلدا كريم داخلة بالتعديل فيها في أربع مواقع على أقل تقدير، وهو وكل الناس بدأت تحس أن ماتيلدا كريم بتلعب هنا دورا. لما أمشي مع كلام الزوج ألاقي أنه وصلوا في الآخر، وصلنا في الآخر إلى حد أنه أقنعها، أنه أقنع زوجها أنها تشتري، أنهم يشتروا أرضا قريبة منهم في تكساس وأنها تبني بيتا سموه Matilda's lodge سموه كوخ ماتيلدا، التأثيرات بدأت تبدأ موجودة إلى درجة أنه على طول أول ما جاء، أول ما تعقدت أزمة 67 وأول ما بدا أنه في تلاقي حلفاء أو تلاقي أضداء أو تلاقي قوى، بدا واضحا أن ماتيلدا كريم بتلعب دورا مهما جدا لأنها هي رأس الحربة في تحالف بدأ ينشأ في هذا الوقت، يعني لما جاء على سبيل المثال، في علاقة قوية جدا بينها وبين إفرون الممثل الدائم للموساد في واشنطن، في لها إسرائيل كان لها اثنان ممثلان رئيسيان، هارمان واهو السفير الرسمي المعتمد لإسرائيل في واشنطن وإفرون، إيب إفرون وهو مندوب الموساد الذي كان له نفاذ على كل الجهات، وأنا واضح قدامي أنه هو أولا كان عنده نفاذ من الأول لكن أيضا تحالفه مع ماتيلدا في هذه الظروف، بدا يبقى فيه نطاق حديدي تقريبا لدرجة أنه على سبيل المثال واحد زي آرثر غولدبيرغ وهو يهودي هو نفسه بيقول إن كل المجموعة المحيطة حوالين جونسون في هذا الوقت كانت من اليهود وهو فعلا لما أشوف أن الأخوين روستو، جين روستو وولت روستو وهم أخوات وهم يهود، واحد مستشار أمن قومي وواحد مساعد وزير الخارجية وهو شبه مقيم في البيت الأبيض، ولآرثر غولدبيرغ وهو ممثله في مجلس الأمن، في الأمم المتحدة أيضا يهودي وكلهم مشايعين لإسرائيل وألاقي فاين بيرغ الممول الرئيسي الموجود معه وألاقي السيدة ماتيلدا كريم، وألاقي زوج السيدة ماتيلدا كريم وألاقي هم دول الإطار المحيط بالرئيس في ذلك الوقت، الواحد على وجه اليقين يبتدي.. بعدين ماتيلدا كريم إحنا عرفنا قبل كده ستات عملوا أدوارا كثير في التاريخ ممكن قوي تكون جاسوسة، عندنا قصة ماتاهاري لكن جاسوسة بس، ممكن تكون مؤثرة على زوجها وشفنا كثير قوي في التاريخ،نماذج من ده جوزفين مع نابليون، شفنا كثير قوي، لكن حاجة واحدة بس، لكن هذه سيدة مش جاسوسة، بتعمل دور أكبر كثير جدا من جاسوسة وأكبر كثير جدا من عشيقة وأكبر كثير جدا من، علشان أبقى منصفا هي قالت لدونالد نيف لما أنا شفته في نيويورك وكنت بأتكلم معه في واشنطن وكنت بأتكلم معه عليها وكنت بأسأله عليها لأنه أنا ما عرفتش أقابلها ما قدرتش كان بدي جدا أقابلها لكن بشكل ما لم أتمكن، وهو على أي حال كان عندي شواغل أخرى في وقتها في واشنطن لكن على أي حال ما شفتهاش، لكن لأن دونالد نيف وأنا بأعرفه وهو صديق أو زميل قريب يعني، بدأت أسأله عليها فهو بيقول لي هو سألها (بوندبليغ) زي هم ما بيقولوا، كده مباشرة، هل كان بينك وبين جونسون علاقة غرام؟ فهي قالت له كان في بيننا -وده أنا بأقوله إنصافا يعني علشان أبقى مكمل للرواية من كل جوانبها- قالت له ما كانش بيننا علاقة جنس لكن كان بيننا ما يمكن أن تسميه -واستعملت الوصف الفرنساوي [كلمة أجنبية]- علاقة صداقة عاطفية. مع جونسون، مع واحد زي جونسون واحد يحط نفسه مثلا في السرير بتاع سكرتيرته ويقول لها Don't be scare babe ما تقلقيش ده رئيسك اللي جانبك بالليل، ده مش بتاع علاقة عاطفية! ولكن هي قالت كده على أي حال، لكن هنا أنا قدام ست ما هياش جانب واحد، ما هياش فقط جاسوسة، مش جاسوسة، ما هياش فقط عشيقة، ما هياش فقط صديقة ولكن واضح أنها بتمثل حاجة وأنها في الآخر بقيت هي عن طريق إفرون اللي هو مندوب الموساد استطاعت هي أن تكون في وسط دائرة في منتهى الأهمية، لأن هي تقريبا، تقريبا تكاد تكون هي اللي حلت المأزق اللي كان فيه الرئيس جونسون في ذلك الوقت لأنها جمعت كل أطراف الشبكة المؤثرة، الرئيس جونسون في ذلك الوقت -وأنا تكلمت فيها- كان واضحا أنه حائر جدا أمام مأزق سياسي كبير جدا يواجهه وهو مأزق أنه هو مقتنع بأنه ضرب جمال عبد الناصر. حكى لي مثلا على سبيل المثال جورج بندي وكان مستشار الأمن القومي حكى لي مرة بعدها بسنين طويلة وإحنا قاعدين مرة بنتعشى في سطح سميراميس القديم، في فندق سميراميس في القاهرة، بيقول لي إنه هو جمال عبد الناصر استفز جونسون لأنه قال عليه مرة في خطاب شهير في بور سعيد، لما جاؤوا استعملوا الضغوط علينا بقطع القمح والسيدة ماتيلدا كريم لم تكن بعيدة عن هذه الضغوط عن الإيحاء بهذه الضغوط، لكن على أي حال بيحكي لي هناك جورج بندي بيقول لي إنه حصل أنه في خطاب قاله جمال عبد الناصر في بور سعيد وهاجم فيه الرئيس جونسون وقال فيه إن سياسة الـ cowboys رعاة البقر لن تجدي مع مصر، بيقول لي هو بيقول لي -ما اعرفش إذا كان سمعها هو مباشرة بنفسه أو نقلت إليه- إن ماتيلدا كريم سمعت الرئيس جونسون بيشوف ملخص الخطاب، بيوروا له ملخص الخطاب، بيوريه له والت روستو مستشار الأمن القومي لخطاب جمال عبد الناصر في بور سعيد وبيقول فيه حكاية الـ cowboys فالرئيس جونسون يظهر تضايق من حكاية الـ cowboys فهي قالت له، ماتيلدا كريم بقى تدخلت في الحديث وقالت له إيه، إذا كان هو بيقول عليك cowboys إنت بقى لازم تخليه الهندي الأحمر The Red Indian. لكن هنا أنا قدام واحدة ست داخلة في كل حاجة لكن هي جاءت حلت له الإشكال الموجود عنده، لأنه هو زي ما كنت بحكي هو عنده إشكال كبير جدا متمثل في أنه هو عنده قرار أو عندهم القرار بعدم التعاون مع جمال عبد الناصر وبأن هذا نظام لا أمل فيه لأنه لا يستطيع أن يحقق المطالب الأميركية وهي علاقة قريبة من أميركا بعيدة عن السوفيات تماما معادية لهم إذا أمكن، صلح مع إسرائيل، قيادة عملية صلح في المنطقة وهذه نقطة لا بد أن تلفت الأنظار، لا ترضى الولايات المتحدة عن أحد إلا بهذه المواصفات الثلاث، صديق قريب، صلح مع إسرائيل يدعو آخرين يمهد مع آخرين بصلح مع إسرائيل وهذا موضوع لا يزال يرن في أذهاننا ولا نزال نرى شواهده حوالينا يعني، ما حدش، الدول الكبرى لا تغير سياساتها بهذه البساطة ولا تبدل إستراتيجياتها ولكن مستمرة فيها فجونسون عنده ده، لكن في67 عنده محاذير، عنده محاذير كبيرة وأنا أشرت إلى بعضها، لكن عنده عُقد لا بد لأحد أن يحلها له، العقدة الأولى أنه يخشى جدا أن هجوما إسرائيليا في هذه الفترة قد يدعو إلى تدخل الاتحاد السوفياتي لأنه إذا تدخلت فيه، إذا إسرائيل هاجمت دولا عربية أو دول عربية شاركت في الحرب فقد يتسع نطاق الحرب ويطول أمدها وبالتالي تصبح الفرصة متاحة قدام الاتحاد السوفياتي لكي يتدخل وده هو ما كانش عايزه في كل الاحوال، نمرة اثنين أنه هو ما كانش عايز كمان أيضا لكي لا تضطر الولايات المتحدة لتقوم بدور أكبر من مجرد المساندة من بعيد أو المساندة من قرب ولكن من بعد، ونمرة ثلاثة مش عايز أي حاجة تحرج أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة وهو بالتحديد ما خباش في ذلك الوقت هو كان بيتكلم عن السعودية بيتكلم عن الأردن وبشكل غريب قوي أنه كان بيتكلم أيضا على أنه ضرورة ما يحصلش حاجة على سوريا، يمكن ده كان تأثير دول عربية ولكن على أي حال فهو كان راغبا في ده لكن كيف السبيل إليه؟ كيف السبيل إلى أن تسيب إسرائيل تعمل اللي عايزاه تعطيها الوسائل لكي.. لأنه هنا لا يكفي إطلاقا أنك تقول لأحد I'm going to unleash you أنا سوف أطلق لك العنان لتفعل ما تشاء لأنه وأنت تطلق له العنان وأنت تعطيه رخصة ما يفعل لا بد أن توفر له الوسائل وهنا دي كانت أهم حاجة أنك توفر له الوسائل ولما أشوف الوسائل اللي توفرت لإسرائيل وهي الآن واضحة قدامي وهي أيض ليست مبررا لأحد، بس علشان ما حدش يتصور أن أي حاجة ثانية، قدام الرئيس جونسون في قدامه معادلة تكاد تكون مستعصية، عايز أسيب إسرائيل تعمل اللي عايزاه عايز أحافظ على العالم العربي مش عايز أحرج أصدقائي في العالم العربي عايز أن لا أعطي فرصة للسوفيات أن يتدخلوا عايز كمان قدام الرأي العام، أنا مشغول كمان هو مشغول في فييتنام ولا يتصور أحد أنه مطلوب منه في هذا الوقت وشعوره في فييتنام ما هو عليه وشعبيته متدنية إلى ما كانت عليه، ما حدش يتصور أن ده بالنسبة له يقدر يخش في حرب على جبهتين واحدة في الشرق الأقصى وواحدة في الشرق الأوسط أو يتصور ويهتم ويجيد الاثنين في نفس الوقت وهو يعتبر الولايات المتحدة لها مصالح حيوية شديدة جدا في المنطقة.


[فاصل إعلاني]

جيوش السيدة ماتيلدا

محمد حسنين هيكل: عدد الناس المحرضون له، الناس المحرضون له كثير قوي، في لوبي بتاع إسرائيل طبيعي، لوبي إسرائيل نشيطة إلى أبعد مدى، لوبي البترول وهذه مهمة جدا، في ذلك الوقت شركات البترول الكبرى وهو ده الرئيس جاي من تكساس، تكساس فيها شركات بترول هي تكساس هي مقر head quarters هي المقر الرئيسي لمعظم شركات البترول الأميركية الكبرى ودول قريبن منه قوي ومصالح البترول عنده في الشرق الأوسط كبيرة، مهولة يعني وهو ضغطهم عليه مش بس محسوس، واصل إليه، لأنه في ولايته وفي موطنه فواصل ضغط البترول، الإنجليز كمان عندهم وأنا ده حأتكلم عليه بعدين لكن بقى في الإنجليز كمان، والإنجليز عندهم أسباب كثير جدا في ذلك الوقت وفي واقع الأمر من أول السويس لغاية، زادت دواعيها، الغريبة جدا أن الدواعي الإنجليزية لعمل شيء لتصفية الأوضاع في مصر إلى وضع ملائم لهم بدأت تزيد جدا ووصلت ذروتها سنة 1967 لأنه في ذلك الوقت كان في قرار الحكومة البريطانية، حزب العمال، بأنه لا يستطيع مواجهة تكاليف الإمبراطورية الكبيرة بهذا الشكل وبالتالي اعتمدت سنة 1966 وكانت سارية سنة 1967 سياسة الانسحاب من شرق السويس وإنجلترا وهي تنسحب من شرق السويس، كل المنطقة لشرق السويس معناه بتسيب كل الخليج والهند لغاية هونغ كونغ بتصير قواعدها كلها هناك لأن تكاليف الإمبراطورية كانت بقيت تبقى فادحة عليهم فالإنجليز بقى عندهم كمان دافع أنه، هم خارجين من بعد السويس وفي ذهنهم أنه لا بد من تصفية نهائية لهذا الذي جرى لهم سنة 1956 وماكميلان كان واضحا في هذا جدا وخلفاء ماكميلان وأنا شخصيا تكلمت مع ماكميلان وهو طبعا معي ما قاليش إنه والله كنا ناويين نعمل كذا وكنا مصممين على كذا، ولكن على أي حال حأرجع أتكلم أنا على ماكميلان فيما بعد وعلى سياسة إنجلترا، لكن إنجلترا في ذلك الوقت كانت عنصرا ضاغطا كبيرا جدا، الـ(سي. آي. إيه) اللي لأسبابها وأنا برضه حأتكلم عليها بالتفصيل كانت بدأت تبقى يائسة بالموقف في مصر، طبيعي، وموضوع الـ(سي. آي. إيه) ده كان موضوعا معقدا مملوء بالعقد الطويلة لكن اللي حصل أن الـ(سي. آي. إيه) في ذلك بقيت تقريبا سياستها في الشرق الأوسط تحت تأثير واحد اسمه جيمس أنغلتون وهذا هو الرجل اللي كان من أنصار الاعتماد على إسرائيل في الشرق الأوسط وليس على أي طرف آخر، لأنها الطرف الذي يعتد به في المنطقة، وبعدين بقى فيه اللوبي اليهودي وماتيلدا كريم واللوبي الإسرائيلي ووجود الموساد في واشنطن بقى في هنا بدأ يتبدى حلف من نوع لا بد من الالتفات إليه لأنه حلف أراد أن يحقق أهدافا ولكن أن يحقق أهدافه كلها بطريقة بالعمل السري وبالعمل غير المرئي، وإن كان شواهده قدامنا كثيرة قوي ما عادش ممكن أحد يخبي حاجة فيه لكن على أ