|
رجالات سورية أن يموتوا في المنافي
بقلم: محمد فاروق الإمام *
أخبار الشرق – 6 كانون الثاني/ يناير 2009
في مثل هذا اليوم السادس من كانون الثاني من عام 1998 م طوت يد المنون في عمان (العاصمة الأردنية) رائداً من رواد المدرسة الدستورية العربية، المرحوم الدكتور ناظم القدسي الرئيس الشرعي للجمهورية العربية السورية (1961 ـ 7 آذار 1963م) تلك المدرسة التي سعت جاهدة لتحطيم آثار معاهدة سايكس ـ بيكو وتذليل الحدود المصطنعة بين الدول العربية وخاصة الفاصلة بين بلاد الشام والعراق بحكمة وهدوء وتعقل.
رحل القدسي عن 92 عاماً كان منها 35 سنة أمضاها في المنفى بعيداً عن وطنه ومرتع صباه وطفولته، بعيداً عن أهله وأحبته وصحبه ورفاق دربه.
ناظم القدسي هو من الرؤساء السوريين النادرين، فهو ثالث الرؤساء شكري القوتلي وهاشم الأتاسي، الذين زحفت الرئاسة إليهم، بعد نيل سورية الاستقلال، بإرادة شرعية شعبية عارمة متمثلة في مجلس النواب السوري المنتخب عبر صناديق الاقتراع في خريف عام 1961م إثر انفكاك الوحدة بين سورية ومصر، دون أن يزحف إلى المنصب والرئاسة بانتهازية استخدام سلاح الشعب، أو غوغائية الحزب الواحد أو الطائفة أو الإقليم أو استهلاكية الشعارات البراقة والعمل بعكسها، أو الزعم بالحصول على نسبة 99,99 % من أصوات الناخبين أو زواجه القسري الكاثوليكي مع كرسي الحكم.
وإذ نستذكر القدسي بعد اثنتي عشرة سنة لرحيله، فإنه من الوفاء لهذا الرجل أن نعيد إلى الذاكرة سيرة حياته فهو أحد سياسيي سورية البارزين، فقد شغل العديد من المناصب الهامة قبل أن يكون رئيساً للجمهورية.
ولد بحلب سنة 1906م، وتلقى علومه الابتدائية فيها ثم في الجامعة الأمريكية في بيروت وكلية حقوق دمشق، وحصل على الدكتوراه في الحقوق الدولية من جنيف عام 1929م. مارس المحاماة لدى عودته إلى حلب عام 1930م. عمل في صفوف الكتلة الوطنية، وانتخب نائباً عن حلب عام 1936م، ثم عمل سفيراً فوق العادة لسورية في واشنطن من عام 1944م إلى عام 1945م.
أعيد انتخابه نائباً عن حلب في تموز من عام 1947م، فكان من الأعضاء المؤسسين في المجلس النيابي للكتلة الدستورية التي اتخذت فيما بعد اسم حزب الشعب. تولى وزارة الخارجية في وزارة هاشم الأتاسي الانتقالية. أعيد انتخابه عام 1949م فانتخب رئيساً للجنة الدستورية في الجمعية التأسيسية، وشكل أول وزارة في العام نفسه، كما شكل الثانية واحتفظ فيها بالخارجية في حزيران عام 1950م. استقال لخلافه مع العسكريين في آذار من عام 1951م الذين كانوا يريدون منه أن يكون رئيس وزراء شكلي ودمية بأيديهم . انتخب مجدداً نائباً عن حلب بعد الإطاحة بعهد أديب الشيشكلي في صيف عام 1954م، وتولى تشكيل الوزارة في هذه الدورة مرتين، واعتزل السياسة عند قيام الوحدة غير المدروسة بين مصر وسورية.
انتخب عبر مجلس النواب المنتخب بإرادة شعبية صحيحة رئيساً للجمهورية العربية السورية بعد انفصال سورية عن مصر عام 1961م، وبقي في منصبه حتى الإطاحة به وبالحكم الدستوري الشرعي في انقلاب الثامن من آذار عام 1963م.
وللذكرى فإنه قد سبق الرئيس القدسي إلى دار الآخرة في ديار بعيدة عن مسقط الرأس خارج سورية الرئيس شكري القوتلي (أول رئيس جمهورية منتخب بعد الاستقلال)، ورشدي الكيخيا (عميد حزب الشعب)، والعالم الكبير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين)، ورئيس الوزراء والسياسي المخضرم خالد العظم، ومؤسس حزب البعث ميشيل عفلق، ومؤسس الحزب العربي الاشتراكي ونائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة أكرم الحوراني، ونائب دمشق ومؤسس الحزب التعاوني الاشتراكي فيصل العسلي، والرئيس السوري الدكتور نور الدين الأتاسي (1966-1970م بعثي)، ورئيس الوزراء السابق صلاح البيطار(بعثي)، ورئيس الوزراء السابق الدكتور معروف الدواليبي، والداعية الإسلامي الدكتور حسن هويدي (المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين)، والإعلامي الشهير شريف الراس، والداعية الإسلامي الشيخ سعيد حوا، والداعية الإسلامي العالم محمد العيد البغا، والأديب الإسلامي محمد الحسناوي.. وقافلة طويلة.. طويلة من أعلام سورية وقادتها وشيوخها وعلمائها قضوا في المنافي وبلاد الغربة بعيداً عن الوطن والأهل والأحبة.
__________
* كاتب سوري
|