كتاب أميركي: 84 حقيبة خاصة بقنابل نووية اختفت في الاتحاد السوفياتي السابق
متزامنا مع الذكرى العشرين لحادثة شيرنوبل وانضمام إيران إلى النادي النووي
لم تكن مسألة سرقة المواد العسكرية أمراً افتراضياً، فقد أدين قائد الأسطول البحري الروسي في الباسيفيك، ببيع 64 سفينة من ضمنها اثنتان من حاملات الطائرات. وفي عام 2001، أعلن الرجل الثاني في تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري، قائلا «لقد اشترينا بعض قنابل الحقائب»، من مصدر في أوزبكستان.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، أعلم مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية الرئيس بوش، بأن تنظيم «القاعدة» يمتلك قنبلة «عشرة أطنان»، سُرقت من الترسانة العسكرية السوفياتية، ومن الممكن تفجيرها في نيويورك، وفي ساحة «تايمز سكوير»، وانها قادرة على قتل 1.100.000 إنسان، إضافة إلى قتل الآلاف أثناء هروبهم في جو من الرعب والهلع، وهجر مناطق بأكملها لعدم إمكانية سكناها لسنين عدة. هذا عدا الأمراض السايكولوجية المدمرة التي يسبّبها انفجار هذه القنبلة، التي تبقى بدون علاج لفترات طويلة. وبعد أسابيع من الرعب الذي عاش فيه نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، مغادراً واشنطن إلى «مكان غير معلوم»، تغيّر تقرير المخابرات المركزية الخاطئ، الذي اخطأ أيضاً في تقدير حجم التهديد النووي المتأتي من العراق.
وكما يرى مؤلف هذا الكتاب غراهام اليسون، فإن زراعة معدات نووية في مدينة كبيرة يبقى احتمالاً قوياً قائماً وما هو أكثر من ذلك، قد تم تنفيذه فعلاً: ففي الثالث والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، وضع المقاتلون الشيشانيون قنبلة قذرة (تتكون من سيزيوم 137)، في متنزه اسماعيلوفسكي في موسكو، بعد أن أخبروا الصحافيين عن مكان وجودها. وكان إجماع الخبراء، يكتب غراهام اليسون، أن هذه القنبلة القذرة قد «انتهى مفعولها منذ زمن»، ومن هنا فإن الإرهاب النووي في الوقت الراهن أمر «لا يمكن تجنبه«، وهنا يقتبس المؤلف ما قاله الجنرال الأميركي اويغن هابيغر، المسؤول عن الأسلحة النووية الاستراتيجية حتى عام 1998 «إنها ليست مسألة لو، إنما أين!».
والمؤلف اليسون له سجل طويل يتقاطع باستمرار مع خطوط الحزب الجمهوري. الرئيس السابق بيل كلينتون، كان قد احتفظ به كمساعد لوزير الدفاع بعد أن خدم تحت إدارة الرئيس الأسبق ريغان، وكعميد مؤسس لمدرسة هارفارد كندي الحكومية، عمل اليسون في الخط الأمامي. من هنا تأتي أهمية تحليله لخطورة الملف النووي. ففي لغة واضحة وصريحة، يؤكد على إمكانية توفر السلاح النووي لدى المجاميع المتطرفة كشبكة «القاعدة».
وبغض النظر عما كان موجوداً في الاتحاد السوفياتي السابق من أسلحة نووية (22 ألف قطعة)، فإن الإرهابيين يمكن أن يتطلعوا نحو باكستان أو كوريا الشمالية للحصول على المواد الانشطارية. ويؤكد اليسون بأنهم بإمكانهم حتى ان يصنعوا قنبلة بأنفسهم. وحينما أُلقي السؤال عن كيفية قيامهم بذلك، أجاب تيودور تايلور، مصمم اصغر وأكبر القنابل النووية: «في غاية السهولة». وفي الحقيقة فإن كيفية تركيب قنبلة نووية متوفرة على شبكة الإنترنت. أما في ما يتعلق بنقل القنبلة إلى الولايات المتحدة الأميركية، فإن الأمر بسيط جداً، بل «إنه أسهل من جميع خطوات مراحل العملية». ففي عام 2003، وكتجربة، قام مراسل صحافي في شبكة ABC الإخبارية الأميركية، بنقل ما زنته 15 باوند من اليورانيوم المستنفذ من جاكارتا إلى لوس انجليس داخل حقيبة من «السونسونايت»، فوصلت هذه الحقيبة من دون تفتيش وهي داخل واحدة من 20 ألف سفينة نقل تدخل موانئ الولايات المتحدة الأميركية كل يوم. ويكتب اليسون بأن البسطاء ما زالوا يحملون في أذهانهم بأن خمسة وتسعين في المائة من المواد المشحونة بحراً، لا تخضع للتفتيش.
وبعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، أصبح تهديد الإرهاب النووي خطيراً، ولا يبدو أن هناك استراتيجية متماسكة تمنع تنامي هذا التهديد: «لقد شخصت إدارة بوش التهديد بشكل صحيح، إلا أنها ذهبت وأطلقت النار على الرجل الخطأ». يعتقد اليسون بأن الحرب التي شُكلت ضد الإرهاب قد تحوّلت بدلاً عن ذلك ضد العراق، الذي لم يكن تشكل خطراً نووياً، والنتيجة أن موقف أميركا العالمي قد وصل إلى «أوطأ درجاته على مدى العصر الحديث». في حين أن كوريا الشمالية وإيران قد منحتا الوقت لالتقاط أنفاسهما للتقدم نحو طموحاتهما النووية.
إنها حالة، يحذّر اليسون، يمكن «أن تُعد بأن تكون من أكبر الأخطاء التي حدثت خلال حوالي 230 عاما من تاريخ سياسة أميركا الخارجية».
لكن اليسون، مع ذلك، يعتقد أن الكارثة يمكن تجنبها إذا ما اتخذت الحكومة الأميركية فعلاً سريعاً ومنظماً. وصدور هذا الكتاب يصادف مرور الذكرى العشرين على حادثة شيرنوبل النووية في روسيا السوفياتية السابقة، وفي وقت أعلنت فيه إيران انضمامها كتاسع دولة إلى النادي النووي العالمي.
بدأ نيقولو باربارو يومياته بالحديث عن بداية الحرب بين العثمانيين والبيزنطيين متعاطفاً مع البيزنطيين المسيحيين، واصفاً جميع الاعمال العسكرية التي حدثت تجاه القسطنطينية، «تلك المدينة سيئة الحظ». وحتى «النهاية القاسية والوحشية والغزو المفجع للمدينة»، كما ذكر قيام السلطان العثماني محمد الفاتح ببناء قلعة ضخمة عام 1452 باتجاه البحر الاسود، من اجل إحكام الحصار البحري على القسطنطينية ومنع تقديم المساعدات العسكرية للمدينة.
أدرك الامبراطور البيزنطي هدف السلطان الفاتح، وحاول إثناءه بالهدايا والاموال عن بناء تلك القلعة، لكن الفاتح رفض كل محاولاته بعد ان استقر عزمه على فتح القسطنطينية.
وتحدث نيقولو باربارو عما جرى من احداث داخل المدينة المحاصرة. فذكر وصول الكاردينال الروسي ايزيدور، مبعوث البابا نيقولاس الخامس، من أجل إقرار الاتحاد الكنسي بين كنيستي القسطنطينية الارثوذكسية وروما الكاثوليكية. كما ذكر انه تم عقد اجتماع الاتحاد الكنسي بالفعل يوم 13 كانون الاول (ديسمبر) 1452 داخل كنيسة أيا صوفيا/ وسط معارضة واسعة من سكان القسطنطينية الذين رفض معظمهم هذا الاتحاد.
كما أشار شاهدنا المسيحي باربارو ان الامبراطور البيزنطي أمر في الثاني من شهر نيسان (أبريل) 1453 بمد السلسلة الحديد لاغلاق ميناء القسطنطينية في وجه السفن العثمانية. ومن المعروف ان السلاسل الحديد كانت من أبرز مظاهر موانئ العصور الوسطى، التي كانت تغلق كل مساء خوفاً من تسلل السفن المعادية.
والحقيقة ان السفن العثمانية حاولت مرات عدة اختراق السلسلة الحديد والنفاذ الى خليج القرن الذهبي من اجل اقتحام القسطنطينية. الا ان جميع محاولاتها باءت بالفشل بفضل تفوق البيزنطيين في المعارك البحرية.
وذكر بابارو انه نتيجة لفشل العثمانيين في الدخول الى القرن الذهبي، فقد تفتق ذهن السلطان الفاتح عن فكرة عبقرية، جرى تنفيذها ليلة الثاني والعشرين من نيسان 1453 فقد أمر بتسوية الطريق البري بطول ثلاثة أميال من ساحل مضيق البوسفور وحتى الطرف النهائي لخليج القرن الذهبي.
وبعد ان تم ذلك جرى رفع السفن الى البر بعد استخدام العديد من البكرات وتشحيمها واستخدام المئات من الرجال الاشداء والثيران لسحب السفن التي اتخذت طريقها البري طوال الليل حيث نجح محمد الفاتح في النهاية في انزال 72 سفينة الى خليج القرن الذهبي بحيث استيقظ سكان القسطنطينية وهم في حالة من الذهول والذعر، بعدما وجدوا السفن العثمانية داخل القرن الذهبي، على رغم وجود السلسلة الحديد التي اغلقت مدخل الخليج.
وبدأ البيزنطيون يدركون انهم يتعاملون مع قائد عسكري فذ، كما شعروا بأن نهاية المدينة قد دنت بفضل تصميم السلطان الفاتح على احكام الحصار البري والبحري على القسطنطينية. وإدراكاً من البيزنطيين وحلفائهم البنادقة لخطر السفن العثمانية بخليج القرن الذهبي، فقد استقر عزمهم على ضرورة مهاجمة تلك السفن ليلاً واضرام النيران بها.
وفي ليلة الثامن والعشرين من نيسان، حدث الهجوم البحري البيزنطي – البندقي على السفن العثمانية. غير ان العثمانيين لم يباغتوا بهذا الهجوم. وقاموا بصده ورد السفن المهاجمة على أعقابها وإغراق العديد من الجنود والسفن المسيحية. ولم يفت شاهدنا المسيحي نيقولو باربارو من جمهورية البندقية ان يوجه أصابع الاتهام الى التجار من جمهورية جنوا المقيمين بالقسطنطينية، بأنهم الذين اطلعوا العثمانيين على خطة مهاجمة وإحراق السفن العثمانية. الامر الذي جعلهم يستعدون له. ويمكن فهم ذلك الاتهام في ظل سياسة التنافس التجاري في القسطنطينية بين تجار البندقية وتجار جنوا.
كانت المدافـع من أهم الاسلحة التي اعتمدت عليها القوات العثمانية إبان حصارها للقسطنطينية. ونجح السلطان محمد الفاتح في استمالة اشهر صانعي المدافع في أوروبا، ويدعى «اربان». وأمره بصنع عـدد من المدافـع، يـتميـز احداها بضخامـة حجمه وقـوة قـذائـفـه، من اجل دك اسوار القسطنطينـية. وبالفعل نجح الرجل بفضل دعم السلطان الفاتح في صنع مدفع عملاق لم تـعرفه العسكرية من قبل.
ويذكر نيقولو باربارو ان المدافع العثمانية تناوبت قذف اسوار القسطنطينية يومياً، مما وضع المدينة في حالة من الخطر الدائم، علاوة على إحداث العديد من الثغرات بالاسوار، وهو الأمر الذي أدى الى ضرورة الاسراع بترميمها. وبحسب كلمات شاهدنا المسيحي «لم يتوقف المدفع نهاراً وليلاً عن إطلاق قذائفه على الأسوار المنكوبة، فقام بتهديم اجزاء واسعة منها، بحيث اشتركنا نحن سكان المدينة طول النهار والليل في ترميم وإصلاح الاسوار التي تهدمت عبر استخدامنا للبراميل الخشبية والاغصان والشجيرات القصيرة، فضلاً عن الرمال».
لم يكتف العثمانيون بالهجوم البري والبحري على القسطنطينية، فاستخدموا ايضاً اسلوب حفر الانفاق للنفاذ الى داخل المدينة. غير ان البيزنطيين فطنوا لهذا الاسلوب وقاوموا بنجاح تلك المحاولات العثمانية.
وفي ليلة السابع من ايار (مايو)، وكذلك في ليلة الثالث عشر من ايار، حاول العثمانيون اقتحام القسطنطينية بواسطة خمسين الف مقاتل، لكن البيزنطيين نجحوا في مقاومة ذلك الهجوم.
ويذكر باربارو ان العثمانيين قاموا في الثاني عشر من ايار بتشييد برج خشبي ضخم ومرتفع للغاية، بحيث يعلو على مستوى أسوار الحصون الامامية. ولم ينس ان يسجل ذهول البيزنطيين تجاه هذا البرج، الذي تألف من دعامات خشبية قوية تمت تغطيتها بجلود الجمال من اجل حمايتها من السهام. وقاموا بسحب هذا البرج ليصبح في مقابل أسوار القسطنطينية.
كما قام العثمانيون في التاسع عشر من ايار بتشييد جسر خشبي على خليج القرن الذهبي الى القسطنطينية، له سياج من الأوتاد الخشبية القوية، مستخدمين البراميل الخشبيبة الكبيرة، بعد صفها جنباً الى جنب.
وفي الحادي والعشرين من ايار، قام العثمانيون بدك الاسوار القسطنطينية في شكل رهيب، وتم إسقاط العديد منها. وسقط احد أجزاء البرج المدافع عن المدينة. وقام البيزنطيون بعملية ترميم سريعة وناجحة باستخدام الرمال والبراميل الخشبية وغير ذلك.
وفي يوم السادس والعشرين من ايار، اخبر السلطان الفاتح رجاله بأن الوقت قد أزف لاقتحام القسطنطينية والقيام بالهجوم النهائي عليها. كما أمر في الثامن والعشرين منه جميع المقاتلين العثمانيين بضرورة الالتزام بمواقعهم بحسب الخطة الموضوعة، وعندما حل المساء كان الجميع متلهفين على الاشتراك في المعركة، بقلوب ملؤها الشجاعة، وقاموا جميعاً بأداء الصلاة قبيل المعركة النهائية. حدث هذا في الوقت الذي اتجه فيه السلطان الفاتح لتفقد الاسطول العثماني من اجل المواجهة الاخيرة.
ويحدثنا شاهدنا المسيحي، عن يوم الهجوم النهائي على القسطنطينية (29 ايار 1453)، فيذكر انه قبيل فجر ذلك اليوم بثلاث ساعات، حضر السلطان الفاتح بنفسه الى اسوار المدينة فيكون على رأس قواته المهاجمة.
ويصف باربارو الهجوم العثماني على القسطنطينية بأنه كان هجوماً كاسحاً. فقد تكررت موجات الهجوم العثماني الذي قوبل بمقاومة بيزنطية، حتى نجح المهاجمون العثمانيون في اعتلاء الأسوار، ومن ثم فتح أبواب القسطنطينية للقوات المهاجمة. وهكذا فخلال ربع الساعة التي كان هناك اكثر من ثلاثة آلاف محارب عثماني داخل الحصون الامامية. قاموا في الحال بالاستيلاء على الصفوف الاولى منها. وأصبح وضعهم قوياً بفضل قواتهم من الانكشارية، الامر الذي مكنهم من اقتحام حصون وأسوار القسطنطينية بسبعين ألف مقاتل عثماني بكامل أسلحتهم. وبحسب تعبير نيقولو باربارو... «وبدا الوضع كأنه الجحيم بعينه!».
وهكذا دخل العثمانيون القسطنطينية عند شروق الشمس، من منطقة تقع بالقرب من بوابة القديس رومانوس، حيث كانت الأسوار قد جرت تسويتها بالأرض بواسطة مدفعهم الضخم. وأخذوا في مهاجمة وقتل كل من قابلهم، الامر الذي أدى الى مقتل الامبراطور البيزنطي وانهيار القوات البيزنطية المدافعة، وفرار القوات المدافعة عن المدينة الى منازلهم لحماية أبنائهم وزوجاتهم الذين أصابهم الفزع والرعب.
وبحسب كلمات نيقولو باربارو»، شعر سكان القسطنطينية البؤساء بأن المدينة قد سقطت بالفعل، وقاموا بدق النواقيس اعلى الاسوار، وأخذوا في الصياح والصراخ بكل ما أوتوا من قوة. الرحمة! الرحمة! أيها الرب. أرسل الينا مساعدة من السماء» وقام جميع سكان القسطنطينية، رجالاً ونساء، بالجثو على ركبهم، ودخل الجميع في صلاة جادة مكرسة للرب القادر على كل شيء، ووالدته المقدسة مريم العذراء، وجميع القديسين رجالاً ونساء، من أجل منحهم النصر على الاتراك العثمانيين الملاعين، وأعداء الدين المسيحي!».
على أية حال، وبحسب كلمات شاهدنا المسيحي نيقولو باربارو، فإن الرب كان قد اتخذ قراره هذه المرة، بمد يد العون للأتراك العثمانيين المسلمين...» في يوم التاسع والعشرين من ايار، آخر ايام الحصار، كان الرب قد اتخذ قراره مع وافر الاسى والأسف للبيزنطيين. لقد أراد الرب للمدينة ان تسقط هذا اليوم في قبضة محمد بك بن مراد التركي».
وفي النهاية، فعلى رغم تعصب اليوميات التي تركها لنا نيقولو باربارو للمعسكر البيزنطي المسيحي، لاسباب يسهل فهمها، وكراهيته الشديدة للعثمانيين، ولشخص السلطان محمد الفاتح، فإن ذلك لم يمنعه من ان يتحلى بالموضوعية عند ذكر بعض الاحداث العسكرية، وبسالة القوات العثمانية المهاجمة، فقد أشاد في اكثر من موضع من شهادته بجنود الانكشارية العثمانيين، ووصفهم بأنهم كالأسود الضارية، لا يهابون الموت، وبأنهم جنود محترفون. كما أبدى إعجابه بالروح القتالية التي يتمتعون بها، لدرجة انهم كانوا لا يسمحون للبيزنطيين بالحصول على جثث زملائهم الاتراك الذين سقطوا في ميدان المعركة، فكانوا يتقدمون لمواجهة الاسوار بجسارة وشجاعة بالغة، من أجل استرداد جثث زملائهم من دون خشية التعرض للموت.
ابن أحمد شوقي يكشف مناطق مجهولة في حياة أبيه
وصفه بأنه كان بوهيمياً شديد الأنانية
يقدم ابن أحمد شوقي، حسين شوقي، في كتابه «أبي شوقي»، صورة تلقائية عن أبيه نكتشف من خلالها شوقي وعالمه الشعري، ونتعرف على ملامح من صورة مصر في تلك الفترة على الصعيد الاجتماعي والسياسي والأدبي.
الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1947، أعادت طبعته هذه الأيام سلسلة «ذاكرة الكتابة»، التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، بتقديم الشاعر خليل مطران الذي كتب «أن عبقرية شوقي جمعت إلى عبقرية العقل عبقرية القلب، فكان كبيراً في أصغر دعاباته، كما كان كبيراً في أسمى مبتدعاته».
عن طفولته في كنف أبيه، يروي المؤلف أن والده كان دائماً يتوخى رضاه ويساير أهواءه هو وأخيه «علي»، حتى أنه «كاد يبطل قرار التحاقه بالمدرسة حين علم بغضبي من هذا القرار، وخوفي من الساعات الطويلة التي سأقضيها بين جدران أربعة..». ويذكر المؤلف أن ذلك كاد يتحقق بالفعل لولا تدخل مربيته التركية التي كانت تحكم البيت بيد من حديد. والطريف في هذه الواقعة أنه بعد أن التحق الابن بالمدرسة لم يجد مناصاً من التمارض، وكان شوقي يساعده على اختلاق ذلك نكاية في المربية الحديدية التي كانت لا تمر عليها مثل هذه الحيل.
وعن الشاعر الذي كان مناط احترام وتقدير شوقي، يروي الابن، أن شوقي كان شديد الإعجاب بالشاعر العباسي أبي نواس، وكان يرى أنه لم ينل حظه من الدراسة والتقييم، وأنه ظلم حين صوروه على أنه «شاعر ماجن». وقد تبلور هذا الإعجاب في إطلاق شوقي اسم «كرمة ابن هانئ»، على حديقة منزلهم الغناء الفسيحة، سواء منزلهم القديم في ضاحية المطرية آنذاك، أو بعد ذلك في منزلهم على نيل القاهرة بالجيزة.
وبكل شجاعة، يهتك الابن مناطق شديدة الخصوصية في شخصية شوقي، فيراه سريع التقلب كالمحيط، ويذكر أن أهم عيوب أبيه أنانيته الشديدة، متسائلا هنا: هل هي من لوازم الشعراء؟.
ويذكر في هذا الخصوص أنهم لم يكونوا يستطيعون الغداء في ساعة معينة، بل كان لزاماً عليهم أن ينتظروا إلى أن تحين شهية الأب، وكثيراً ما كان يطول هذا الانتظار، لأنه كان يصحو من نومه متأخراً، وسبب هذا التأخير ـ كما يروي الابن ـ أن شوقي كان يراجع بعدما يعود من سهرته ما نظم من شعر طوال نهاره.
ويدلل الابن على أنانية أبيه المفرطة بواقعة أخرى أكثر طرافة، فيروي أن والده كان يغضب منه هو وأخيه «علي»، حين يختارا أصنافاً مألوفة لهما في مطاعم اوروبا، وكان الأب يدفعهما إلى أن يختارا أصنافاً مجهولة كي يختار هو منها في المرة المقبلة إذا راقتهما. ويعلق الابن بأن اقتراحات الأب هذه كانت تفسد الأكلة، لأن تلك الأصناف المجهولة كانت «مقالب» في معظم المرات، وكان حظه منها مرة ضفدعاً سد نفسه عن تناول أي طعام آخر.
ومن مقالب شوقي تخليه عن السفر إلى الحجاز لتأدية فريضة الحج مع ولي نعمته الخديوي عباس حلمي، وكان شوقي هو شاعر بلاطه. ويروي حسين شوقي أن أباه لجأ إلى حيلة ماكرة للهرب من هذا المأزق، حيث أقنع الخديوي بأنه ذاهب معه إلى الحج، لكن لما بلغ الركب مدينة بنها فر منه واختبأ في منزل أحد أصدقائه. ولما عاتبه الخديوي بعد أن رجع من الحج، اعتذر له شوقي قائلا: كل شيء إلا ركوب الجمال يا أفندينا. وعزز اعتذاره بأن نظم له قصيدته الشهيرة تهنئة بالحج وترحيباً بالعودة، التي استهلها بقوله:
إلى عرفات الله يابن محمد
عليك سلام الله في عرفات
وعلى الرغم من احتفاء حسين شوقي بصورة أبيه واعتزازه بها، إلا أنه يرى أيضاً أنه كان بوهيمي النزعة إلى حد بعيد، ويدلل على ذلك بعدد من الوقائع الطريفة منها هذه الواقعة التي حدثت أثناء منفى شوقي في مدينة برشلونة بأسبانيا، في الفترة من عام 1915 إلى 1920 يقول: «ركبنا الحافلة ذات يوم، هو وأنا، فصعد رجل عملاق بادي الترف والثراء، يعلق سلسلة ذهبية بصدره وفي فمه سيجار ضخم، ثم ما لبث أن استسلم للنوم في ركن من العربة، وراح يغط غطيطاً يرهق الأعصاب. وصعد نشال في مقتبل العمر جميل الصورة، وهمّ بأن يخطف السلسلة، لكنه أدرك أن أبي يلمحه، فأشار إليه إشارة برأسه مؤداها: هل آخذها؟ فأجابه أبي برأسه «خذها»، فنشلها الشاب ونزل. بعدما حيّا أبي برفع قبعته!، ولم يكد ينزل حتى التفتّ إلى أبي وقلت: هل يصح أن تترك النشال يأخذ سلسلة الرجل وهو نائم؟، فأجاب: شيء عجيب يا بني!، لو كنت مقسماً الحظوظ فلمن كنت تعطي السلسلة الذهبية؟، أكنت تعطيها عملاقاً دميماً أم شاباً جميلاً؟، فقلت: كنت أعطيها الشاب الجميل، فأجاب ببساطة: ها هو ذا أخذها!».
سنوات المنفى
ويتناول الكتاب باستفاضة سنوات المنفى الخمس التي قضاها شوقي هو وأسرته في اسبانيا بعد عزل الخديوي عباس حلمي على يد الاحتلال الإنجليزي، وفرض السلطة العسكرية على مصر إبان الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم من قسوة المنفى وشظف العيش الذي لم يعتده شوقي، إلا أنه استطاع أن يتكيف مع هذه الأجواء وأن يجعل الحياة لذيذة مسلية ويخفف من وطأة المحنة على كاهل أسرته الكبيرة التي كانت تضم عشرة أفراد. وقد تولى شوقي تعليم أولاده الثلاثة، فكان يعطيهم دروساً في اللغة العربية طيلة مدة المنفى، كما وفر لهم مدرسين للغة الألمانية والفرنسية، علاوة على ذلك تعلم شوقي الأسبانية، لكن نطقه فيها لم يكن سليماً.
العودة إلى مصر
شتان ما بين مشهد الرحيل من مصر الذي لم يكن في وداع شوقي وأسرته إلا عدد قليل من الأقارب والأصدقاء تحسباً من بطش الاحتلال، ومشهد العودة من المنفى الذي تجمع فيه آلاف الطلبة لتحيته في فناء محطة السكة الحديد، ثم حملوه على الأعناق حتى السيارة وهم يهتفون بحياته وحياة الوطن.. يقول حسين: كانت الدموع تترقرق في عينيه طوال الطريق من المحطة إلى المطرية.
ويستعرض الكتاب صداقات شوقي لعدد من الساسة والأدباء والشعراء العرب والمصريين، ويستعيد ملامح من ذكرياته في باريس أثناء دراسته في جامعة مونبلييه، وتعرفه على الشاعر الفرنسي الشهير فرلين على أحد مقاهي ميدان السوربون. ويحكي شوقي أن فرلين كان لا يكف عن الشراب لحظة، وكانت الخمر تتساقط على ذقنه فلا يعنى بمسحها، إذ كان شاعراً بوهيمياً، وكان طلبة السوربون الذين يمرون بين يديه وهو على تلك الحالة يرفعون له قبعاتهم إجلالاً له، بينما هو لا يشعر بهم، فهو سابح في عالم الشعر والخيال.
ويروي الكتاب الكثير عن حفلات شوقي الذي كان يقيمها في الكرمة وبخاصة في المناسبات والأعياد، ومن أشهرها حفل تكريم شاعر الهند الكبير طاغور والذي حضره الكثير من الأدباء والكبراء، على رأسهم الزعيم سعد زغلول الذي أخر اجتماع مجلس النواب ساعة آنذاك، كي يتسنى للأعضاء المدعوين إلى الحفل تلبية الدعوة. وفي هذا الحفل أثنى طاغور على شعر شوقي لأن قراءه هم العالم العربي كله، بينما قراءه لا يتجاوز عددهم عشرة ملايين نظراً لأن كل ولاية هندية تتكلم لغة تختلف عن لغة الأخرى. وقد غنى محمد عبد الوهاب في هذا الحفل مقطوعة من رواية «مصرع كليوباترا» لأحمد شوقي احتفاء بطاغور.
في كل تلك الرحلة يذكر حسين شوقي أن الفضل الأكبر في نجاح والده في حياته يرجع إلى أمه بسبب خلقها النبيل وطيبتها، فهي لم توجه إليه لوماً في حياته مرة، مع أنه كان خليقاً ـ على حد قوله ـ باللوم أحياناً.
الوداع الأخير
في يوم 13 أكتوبر (تشرين الاول) سنة 1932، خرج شوقي يتروّض بالسيارة مع سكرتيره في ضاحية مصر الجديدة، وكأنه أحس بدنو أجله، فأدار حوارا مع سائقه عن التوبة والغفران حسبما نص عليهما القرآن الكريم، ثم زار في مساء اليوم نفسه محمد توفيق دياب بك، رئيس تحرير صحيفة «الجهاد»، وكان أحد أصدقائه المقربين، وقد نظم له شوقي بيتاً من الشعر جعله شعار الجريدة، يقول:
قف دون رأيك في الحياة مجاهداً
إن الحياة عقيدة وجهاد
وفي الثانية صباحاً رحل شوقي. وبعد عشر سنوات ـ يروي حسين شوقي ـ أنه سأل الطبيب النمساوي عن سبب موت أبيه، برغم أنه لم يكن متقدماً في السن إذ توفي في الثانية والستين، فقال له: «نعم لم يكن مسناً، لكن أعصابه مع الأسف كانت بالية، كانت أعصاب شيخ في الثمانين».
> المهم في الأمر ان بريخت إذ أقدم على كتابة هذا النص التمثيلي التاريخي، لم يتوخ كما يمكننا ان نفترض ان يكتب حقاً عملاً تاريخياً. كل ما في الأمر انه فيما كان ينقّب ليوجد موضوعاً يناسب المرحلة ويساهم به في السجال حول ما يقترفه هتلر من حروب وآثام في حق الإنسانية في ذلك الحين، وجد في كتاب بلوتارك عن حياة عظماء الرومان، ضالته عبر شخصية لوكولوس، وكتب ذلك النص الذي بعدما عاش على شكل تمثيلية اذاعية ثم نص مسرحي، تحول الى اوبرا بدءاً من العام 1951، حين قدّم على مسرح أوبرا الدولة في برلين. ولنذكر هنا ان بريخت كان في ذلك الحين بالذات، وانطلاقاً من الظروف نفسها يخطط لكتابة مسرحية عن يوليوس قيصر بيد انه لم يكتب هذه ابداً، اذ اكتفى كما هو واضح بـ «محاكمة لوكولوس» توضح افكاره حول هذا الموضوع، مكتفياً بأن يستخدم ما كان كتبه من ملاحظات حول يوليوس قيصر، في رواية تاريخية اصدرها لاحقاً تحت عنوان «قضايا السيد يوليوس قيصر». والحقيقة ان القرابة بين نص هذه الأخيرة ونص «محاكمة لوكولوس» جليّة، ولا سيما في مجال المواضيع الأساسية التي اراد للعملين الدنو منها. وهي، في ما يتعلق بـ «محاكمة لوكولوس»، أربعة لخصها د.بدوي، ويمكن ان نقول هنا انها تنطبق تماماً على نص «يوليوس قيصر»: في مقدمتها «الدعوة الى السلام وإدانة الحروب والغزوات التي تشنها الدول القوية على الدول الضعيفة، والتنديد بالبطولة القائمة على الانتصارات العسكرية»، بعد ذلك تأتي «الإشادة بالأعمال المفيدة للإنسانية التي قد يقوم بها القائد العسكري حتى وهو يقتل ويدمّر – حكاية الكرز، وكذلك ما يرد في التمثيلية من حديث عن نشر لوكولوس لفنون الطبخ-». وفي المقام الثالث «توضيح انه اذا كان حكام العالم السفلي (أي العالم الآخر) قد حكموا على لوكولوس بالذهاب الى العدم، فإن هذا عدل لأن الرجل ضحى بحياة الألوف من اجل انجازات لا تستحق ذلك، كما اخضع الشعوب الأخرى وأشاع الدمار». وبعد ذلك، اخيراً، هناك «ذلك الدفاع الحار عن المغلوبين الذين قهرتهم القوة الغاشمة، وذلك على الضد من هذه القوى الشريرة التي تنطلق في جرائمها دائماً من شعارات مثل «العظمة القومية» و «المجد الحربي»، عبر عبارات طنانة وشعارات رنانة».
> تروي تمثيلية «محاكمة لوكولوس» اذاً، حكاية الجنرال الروماني الكبير لوكولوس، الذي كان يعرف بـ «غازي الشرق». وهو هنا منذ بداية التمثيلية، ميت يدفن في ابهة وجلال، إذ ينقل العبيد والجنود جثمانه في مثواه الأخير وسط موكب جنائزي مهيب، حاملين في طريقهم شاهدة قبر عظيمة حفرت عليها مآثره العسكرية والإنسانية. وهنا، خلال ذلك الموكب، يعلو صوت يأمر بالتوقف، لأن الجنرال، من الآن وصاعداً يجب ان يجتاز الباب من دنيا الفناء الى دنيا البقاء، وحده من دون أي موكب. فهناك خلف الباب ثمة حكام ينتظرونه لكي يحاكم، مع آخرين، على ما فعله في الحياة الدنيا، ولن يتقرر مصيره – بالطبع – إلا بعد تلك المحاكمة. وهكذا ننتقل من الموكب الجنائزي الى المحاكمة، التي تبدأ ليتوالى على منصة الشهود، متحدثين عن مآثر الرجل والكوارث التي اقترفها في حياته، عدد من الشهود الذين عرفوه، وكانوا إما رفاقاً له، وإما ضحايا... والحال ان القسم الأعظم من الشهود، ومن بينهم الجنود والعبيد وأبناء المناطق التي وقعت ضحية له، يعطون شهادات قاسية في حقه. وفي المقابل، تكون هناك شهادة واحدة لمصلحته. ويكون من الطبيعي ان هذه الشهادة لا تمثل أي قيمة حقيقية في مواجهة الواقع المؤكد الذي يقول ان الضحايا التي سقطت على مذبح طموحات لوكولوس لا تقل عن 80 ألف نسمة. وهكذا، إذ لم يعد في الأمر ما يمكن قوله، شفاعة بالرجل، يأمر الحكام بأن يرسل، ليس الى الجحيم ولا طبعاً الى الفردوس أو الى المطهر، بل الى مكان من الواضح ان بريخت ابتكره خصيصاً له: الى العدم.
> من اللافت هنا ان بريخت اختار ان تتألف هيئة المحكمة – في عالم الموتى – من اناس رحلوا عن العالم بدورهم مثل لوكولوس، لكنهم جميعاً كانا اناساً عاديين: مزارعاً، وأستاذ مدرسة، فراناً وعاهرة وبائع سمك. اما حين يطلب من لوكولوس خلال المحاكمة، وقبل إصدار الحكم عليه، ان يختار شفيعاً له، فإنه يختار من فوره الاسكندر المقدوني ما يضعنا مباشرة امام لعبة التماثل في الطموح وفي المسعى المنفّذ لذلك الطموح، بين غازي الشرق الروماني وسلفه المقدوني. ولوكولوس يفاجأ حين يعجز المحكمون عن العثور على الاسكندر في حقول الفردوس حيث عليهم البحث عن الشفيع: لا يعثرون هناك لا على الاسكندر ولا على أي شبيه له. فلا يكون هنا، من شأن، الجنرال الروماني إلا ان يطلب إحضار شاهدة قبره التي دُوّنت عليها مآثره كما أسلفنا. فتحضر الشاهدة وعليها اسماء وتواريخ وسرد بأفعال عظيمة. ولكن حين يؤتى بالذين وردت اسماؤهم على الشاهدة مرتبط بمآثر لوكولوس، يتبين بعد سماع كل واحد منهم ان ما ذكر على الشاهدة، ينطلق دائماً من أمر حقيقي، لكن النتيجة تكون مضادة تماماً لما كتب. فإذ يذكر مثلاً ان لوكولوس اتى الى الوطن بذهب الآخرين، تشهد بائعة السمك انها لم تنل شيئاً من ذلك الذهب قائلة للوكولوس: «انت لم تعط بائعي السمك أي ذهب... ومع هذا لم تتوان عن ان تنتزع منهم ما هو اغلى من الذهب» اطفالهم»، مشيرة الى الجنود الذين ضحى بهم على مذبح شهواته.
> وعلى هذا النحو تمضي، اذاً، هذه التمثيلية التي تعتبر – على رغم ثوبها التاريخي – من أكثر اعمال برتولد بريخت، مباشرة وحديثاً عن الحاضر الراهن. ولنلاحظ هنا ان الحوارات بين لوكولوس والمحكمين تتحدث مباشرة عن الزمن الراهن، في عصره، بل في زمننا هذا، إذ ان في وسع المرء لو غيّر الأسماء والظروف، ان يجد كيف ان «محاكمة لوكولوس» تكاد تشبه كل محاكمة تجرى لديكتاتور أو طاغية حتى في أزماننا هذه، وفي شكل حرفي احياناً، وهو نفس ما يمكننا ان نقوله على اية حال، عن معظم المسرحيات التي كتبها بريخت خلال تلك المرحلة، واعتبر انه انما يعبّر فيها عن موقف الفنان إزاء عصره وكوارث عصره وكل العصور.
GMT 16:00:00 2006 الأحد 2 يوليو
سعد القرش
القاهرة (رويترز): يصف الخبير الامريكي جوزيف ستجليتز الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001 المؤسسات الاقتصادية الدولية بممارسة نفاق يزيد الاغنياء ثراء والفقراء فقرا. وقال في كتابه (ضحايا العولمة) ان صندوق النقد الدولي على سبيل المثال ينتهج سياسة تحركها الايديولوجيا والاقتصاد "الرديء" مفسرا قوة ردود الفعل المناهضة للعولمة بأنها نوع من الوعي بما وصفه النفاق الكبير. وأضاف "لا يوجد اليوم من يدافع عن هذا النفاق الكبير ألا وهو الادعاء بمساندة البلدان النامية باجبارها على فتح أسواقها لمنتجات البلدان الصناعية المتقدمة التي هي نفسها تستمر في حماية الاسواق الخاصة بها. ان طبيعة هذه السياسات تجعل الاغنياء أكثر ثراء والفقراء أكثر فقرا وأكثر سخطا."وأشار الى أن الدول الصناعية بنت اقتصادها عن طريق حمايته حتى يصبح قويا وقادرا على المنافسة أما التحرير السريع للتجارة فيؤدي الى نتائج وصفها بالوخيمة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي حيث يهدد فرص العمل كما يدمر القطاعات الصناعية والزراعية في الدول النامية. وقال ان الولايات المتحدة "بالطبع في مقدمة المذنبين وكانت هذه المسألة تحز في نفسي. وعندما كنت رئيسا لمجلس المستشارين الاقتصاديين حاربت بشدة ضد هذا النفاق."وعمل ستجليتز أستاذا جامعيا في كينيا بين عامي 1969 و1971 ومارس التدريس في بعض الجامعات الامريكية وترك الجامعة عام 1993 لينضم الى مجلس المستشارين الاقتصاديين التابع للرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون ثم انتقل الى البنك الدولي عام 1997 حيث شغل منصب النائب الاول لرئيسه حتى يناير كانون الثاني 2000.ويضم مجلس المستشارين الاقتصاديين ثلاثة خبراء يعينهم الرئيس الامريكي لتقديم الاستشارات الاقتصادية لمؤسسات السلطة النتفيذية الامريكية. وكان ستجليتز عضوا بهذا المجلس ثم أصبح رئيسا له.ووصف جلال أمين أستاذ الاقتصاد بالجامعة الامريكية في القاهرة الكتاب في المقدمة بأنه "من أهم الكتب الاقتصادية التي صدرت خلال الاعوام العشرة الاخيرة على الاقل" مشيرا الى أن مؤلفه حين قبل منصبي رئيس مجلس مستشاري الرئيس الامريكي وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي كان يريد أن يرى كيفية صياغة السياسات الاقتصادية "ومن المؤكد أن ما راه ستجليتز لم يعجبه." وصدر الكتاب في بريطانيا عام 2002 أما طبعته العربية الاولى التي ترجمتها المصرية لبنى الريدي فصدرت عن دار ميريت بالقاهرة في 334 صفحة كبيرة القطع.وأتاح عمل ستجليتز في البنك الدولي أن يزور عشرات الدول ويقابل ألوفا من المسؤولين والخبراء وأساتذة الجامعات والمناضلين والطلبة والمزارعين في نيبال والهيمالايا والصين وبنجلادش وكوريا واثيوبيا والمغرب. وقال "رأيت التاريخ وهو يصنع." لكنه لخص تلك التجربة قائلا "تأكدت أن القرارات تتخذ غالبا على أسس أيديولوجية وسياسية... يصبح الجامعيون (في البنك الدولي) عندما يضعون التوصيات مسيسين ويلوون الحقائق لتتناسب مع أفكار المسؤولين." وأشار أيضا الى أن اتخاذ القرار في صندوق النقد الدولي "يعتمد على ما يبدو على خليط غريب من الايديولوجيا والاقتصاد الرديء" مشيرا الى أن الدول النامية حين تلتمس من الصندوق العون في أكثر المواقف سوءا لا تعي أن حالات فشل العلاج لا تقل ان لم تزد على حالات النجاح.وقال ان سياسات صندوق النقد الدولي التي تهدف الى المساعدة في التكيف في مواجهة الازمات "أدت في العديد من الحالات الى المجاعة والهياج الشعبي. وحتى عندما نجحت هذه السياسات في احداث نمو هزيل لفترة فان جزءا كبيرا من هذه المكاسب ذهب في الغالب الى الاوساط الاكثر ثراء في هذه البلدان." وأضاف أن العولمة التي تحكمها ثلاث مؤسسات رئيسة هي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية اضافة الى "جيش" من مؤسسات أخرى تلعب دورا في الاقتصاد الدولي تهدف الى الغاء الحواجز أمام التجارة الحرة ولها أثر "مدمر" على البلدان النامية خاصة الفقراء في هذه البلدان.وقال ان تعامل صندوق النقد والبنك الدوليين مع برامج الخصخصة في الدول النامية ناتج عن "منظور أيديولوجي ضيق" مشيرا الى تجربة كان شاهدا عليها في بعض القرى الفقيرة في المغرب حيث شجعت منظمة أهلية على تربية الدواجن وكان نساء القرى يحصلن على كتاكيت عمرها سبعة أيام من شركة حكومية. ثم انهار المشروع لان صندوق النقد الدولي أبلغ الحكومة ألا يكون لها دور في عملية توزيع الكتاكيت فتوقفت عن بيعها. وعلق قائلا "قضي على صناعة وليدة كانت ستحدث اختلافا في حياة هؤلاء الفلاحين الفقراء" بسبب افتراض الصندوق أن مشروعا تقوم به نساء القرى الى جوار نشاطهن التقليدي سيملأ هذه الفجوة.وقال ان صندوق النقد الدولي في دفاعه عن تحرير سوق رأس المال يعتمد على تفكير اعتبره ساذجا. وسجل أن 1.2 مليار نسمة يعيشون على أقل من دولار يوميا كما يعيش 2.8 مليار يعيشون على أقل من دولارين. وقال ستجليتز ان العولمة خطر على الديمقراطية حيث تستبدل بالدكتاتوريات القديمة دكتاتوريات المالية الدولية.
سقراط قريت كتاب
يد الله للكاتبه الأمريكي غريس هالسل؟
وكتاب خريف الغضب لمحمد حسنين هيكل؟
انصحك تقرأهم
من الأفضل أن تقول «لا».. من أن تقول «نعم» وتعني بها «لا»
الـ «نعميون» والمترددون و«سادة الرفض» في كتاب أميركي
ترأس (جانا كيمب) منظمة «أساسيات الإدارة». وتعمل هذه المنظمة على مساعدة الأفراد والشركات في مجالات اتخاذ القرار، وإدارة الوقت، ومهارات الاجتماعات. وفي كتابها «لا»، تقسم (كيمب) الأفراد تبعاً لمهارات اتخاذ قرار الموافقة أو الرفض إلى ثلاثة أنواع: الـ «نعميون»، وهم من لا يستطيعون مواجهة الاقتراحات والمطالب بالرفض، و«المترددون»، وهم من يترددون كثيراً قبل اتخاذ قرار بالموافقة أو الرفض، ثم النوع الأكثر فعالية وتأثيراً، وهم «سادة الرفض». سادة الرفض هم من يتحكمون في قراراتهم بشكل كامل، فهم يرفضون أو يقبلون تبعاً لشخصياتهم لا لشخصيات المقترحين.
لقد حان الوقت لنتوقف عن ترددنا ونكون حاسمين، ونمتلك القوة على قول «لا». فلقد تعودنا على أن نجيب بـ «نعم» أمام أي شخص وتجاه أي شيء، فانتهى بنا الأمر إلى فقدان أنفسنا، ووقتنا وفي بعض الحالات حياتنا. نحن نمثل العدو الأول لأنفسنا عندما نجيب بـ «نعم» على كل طلب أو اقتراح، ونقع ضحية قراراتنا المطردة بأن نجيب بنعم. أما عندما نفشل في أن نقول «لا» للآخرين، فالتأثير السلبي لذلك يعود علينا بشدة، فالآخرون يشعرون بأنهم مدعوون لفعل أشياء بغض النظر عن رغبتنا.
إذاً علينا تحويل الـ «لا» الداخلية وغير المنطوقة إلى «لا» خارجية منطوقة ومسموعة وصريحة، وشديدة اللهجة. المشكلة أنك عندما تردد هذه الـ «لا» بشكل حاسم جداً في أعماقك، لا تستطيع ترجمتها إلى «لا» منطوقة وحاسمة وعالية النبرة ومسموعة للجميع. لم؟ لأنك لا تجيد توصيل الشعور الداخلي (حاجتك للرفض) إلى الشعور الخارجي (الرفض الفعلي) للعديد من الأسباب. أنت ترفض داخلياً وتقبل خارجياً ومظهرياً لأنك لا تريد أن تظهر بمظهر سيّئ، أو لأنك تريد أن تحوز إعجاب شخص ما. ويتمثل مفتاح النجاح بواسطة استخدام «لا» هو أن تقول «لا» بثبات وبأسلوب يمكن أن يسمع ويؤخذ مأخذ الجد. ويتكون نموذج «لا» من النقاط التالية:
« الهدف، وما إذا كان يتفق مع الأهداف المنظّمية، أو أهدافك الشخصية، أو حتى العائلية.
« الاختيارات، وهي القائمة التي تختار منها طريقة تحقيقك لأهدافك وأغراضك.
« الوقت، فكلمة «متى» تحدد التوقيت والإطار الوقتي الذي يحتاجه الهدف كي يصل لتحقيقه.
« العواطف، إذ ينبغي عليك تقبل ما تنوي أن تقوله من رفض أو موافقة.
« الحقوق، إذ يجب أن تضع في اعتبارك حقوقك، وواجباتك، ومواردك الداخلية قبل اتخاذ قرار.
أنت تقول «لا» مطبقاً ما تمليه عليك شخصيتك وخبراتك، وتقديرك للموقف، وفهمك للعواقب. وتساعدك قوة نموذج «لا» على تحديد الموقف بدقة، وتحديد العواقب السلبية أو المحايدة أو الإيجابية للرفض، وتسعفك في ذلك بالطبع خبراتك السابقة والحالية. أما "سادة الرفض" فمحدودون، ويتلخصون في الأنواع التالية:
« المباشر: يبدأ جملة الرفض بـ «لا» ولا يضيف شيئاً بعدها، ولا يوضح أعذاراً لذلك الرفض مما لا يعطي أية مساحة للتفاهم أو التفاوض
« غير المباشر: يقصد أن يقول «لا» ويعبر عن رفضه الشديد، ولكن دائماً ما ينتهي به الأمر إلى الظهور بمظهر المتردد. مثل الذي يقول: «أنا لا أعتقد أني سوف استطيع».
« المهذب: يستخدم أفضل المصطلحات للتعبير عن رفضه، فهو الأكثر تهذيباً، والأكثر حسماً في الوقت ذاته. مثل الذي يقول: «لا... أشكرك».
« المفصل: يعرف جيداً سبب الرفض، فيبدأ في ذكره وتعزيز إجابته به. مثل الذي يقول: «لا... لن أشترك في مشروعات إضافية لأني أملك من المشاريع ما يتحمله وقتي بالكاد».
« الملهم: يرفض دون أن يتسبب في جرح أو إغضاب أحد، مثل الذي يقول: «أشكرك في التفكير بي للقيام بتلك المهمة، ولكني غير متحمس تماماً لذلك العرض، ولذلك فلن أشارك فيه للأسف».
« الجشع: يستشعر الراحة في الرفض، فهو يشعر بسيطرته على الآخرين. مثل الذي يقول: «لا... لست مستعداً للمساعدة في ذلك... اعمل وحدك».
GMT 12:00:00 2006 الإثنين 28 أغسطس
د. رياض الأسدي
القوي والجبار.. كتاب مادلين اولبرايت الجديد منذ ان نشر شمعون بيريز كتابه ذائع الصيت: الشرق الاوسط الجديد الذي ترجم بسرعة البرق إلى العربية بعد معاهدة وادي عربة عام 1994 بين الاردن وأسرائيل، والعالم والعالم العربي يتلقى الدعوات تلو الاخرى نحو ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد. مرة من حيث الواقع السياسي الحالي واخرى من حيث التاريخ القديم خاصة. ومناقشة القوة والجبروت البشريتين لا تحلو للباحثين إلا بعد أن يأتي الشرق الاوسط فيحضر بتاريخه المفعم بالحضارة والصراعات الدموية في آن.القوة والجبروت: مسألتان طالما شغلتا العقل البشري منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا. ومن الصعب على البشرية تجاوزهما في كلّ عصر. فقد عمل الرسل و الانبياء والمصلحون على نقل القوة والجبروت إلى الله سبحانه او إلى الجماعة وما تتفق عليه لكي يمنحوا البشر قدرا اكبر من السلام بينهم. لكن تلك المحاولات الكبيرة على الرغم من جديتها وسلامة مواقفها لم تحقق ما تصبو إليه البشرية من سلام شامل ودائم. وبقيت في حالة صراع مستمر بين الاقوياء والجبارين والمستضعفين في كلّ عصر منذ ان قتل قابيل هابيل لتحدث اول جريمة مسجلة رسميا في التاريخ المكتوب.ومادلين اولبرايت المرأة القوية في البيت الابيض سابقا تريد ان تخبرنا بالقصة من جديد وعلى طريقتها المشكوك فيها سلفا. فطوال مدة ولايتي الرئيس بيل كلنتون شغفت السيدة اولبرايت دائما بوضع (البروج) على الصدر: كانت تضع (كوبرا) على الجهة اليسرى حينما عينت سفيرا للولايات المتحدة في الامم المتحدة، وبعد ان أصبحت وزيرة لخارجيتها أيضا. ربما كانت الحية التي (خدعت) سيدنا آدم في التوراة هي شعارها الفلسفي والعملي، سواء ادركت ذلك ام لم تدرك! فقد اولت التوراة للحية ما يكفي من عناية فكرية واسطورية في الوقت نفسه مما لا يدع مجالا للشكّ بأهمية طريقة تفكير اولبرايت الفلسفية والتاريخية. عملت مادلين على مناقشة القوي والجبار من وجهة نظر (اولبرايتية بحتة) لتهتم بالشان الدولي والشرق اوسطي خاصة. وليس اعتباطا ان ركزت اولبرايت طروحتها على منطقة الشرق الاوسط الإسلامي، حيث تكون واحدة من مناطق التصادم الدائمة منذ الحرب اليونانية الفارسية في التاريخ القديم. فالشرق الاوسط كان وما يزال موضع اهتمام العالم، ليس لأن الخليقة بدأت من الشرق الاوسط، او الكتابة ظهرت فيه لأول مرة، او النظم السياسية، او الديانات السماوية والرسالات الإلهية، بل لأن الشرق الاوسط هو روح العالم منذ البداية وهو كينونته الاولى. ويبدو ان (قدره التاريخي) هو ان يبقى كذلك.وجدت اولبرايت وهي المتحدرة من اوربا الشرقية ضالتها في التعبير عن روح العالم الذي لم تدرك مقاصده جيدا، لأنها بقيت حبيسة الرؤى القديمة التي تعتور في راسها والمتمثلة بالعلو اليهودي والجبروت الاميركي في الوقت نفسه. من الصعب على السيدة اولبرايت ان تدرك طبيعة التحولات التي تجتاح العالم، وخاصة تلك الاحداث التي تعصف باميركا اللاتينية وظهور قوى اليسار الجديد فيها. وهاهي تعود إلى اوراق قديمة في البحث عن القوي والجبار.. ومصير العالم المتعلق بالشرق الاوسط.. هذا الشرق المفعم بالرسالات الإلهية والديانات والبترول أيضا. يمكننا ان نختصر العالم القديم كله بعالم الشرق الاوسط؛ باوراقه ومدوناته. ربما قبل ظهور اليهودية نفسها التي تهتم اولبرايت بالانتماء إليها بحكم الطبيعة البيتية المتشددة التي ورثتها عن أسرتها. تجد اولبرايت صعوبات كبيرة ليس في تفهم التركيبة التاريخية للشرق الاوسط وطبيعة رؤاه المختلفة والموحدة بازاء الإنسان، ولا في تفسير التشدد فيه الذي ظهر اخيرا بين ظهراني المسلمين، بل في تلك الرؤية التوراتية التي طالما طاردت مادلين مذ كانت صغيرة وهي تحتمل افكار القدوم من التشدد الاوربي الشرقي إلى عالم حرّ. فجزء من التشدد الاولبرايتي يعود إلى الثقافة التوراتية التي هيمنت على الوزيرة السابقة. فهي في سلوكها الفكري لا تستطيع فكاكا عن ذلك، وطالما بقيت في حدود المواقف التوراتية القديمة التي لم تحاول اولبرايت مناقشة مدى ضيق افقها ومدى تزييفها للوقائع. انعكس الوضع بقوة على سلوك مادلين السياسي وطريقة حديثها التي تعجب جون بولتن سفير الولايات المتحدة الآن لدى الأمم المتحدة: السخرية وعدم التروي والهجوم على الثوابت. فإن اولبرايت طالما عملت على هدم الثوابت الإنسانية المتعلقة بالحصار الأعمى الذي رسم لأبادة الشعب العراقي طوال 13 عاما سوداء.أهتمت اولبرايت في الدعاية لكتابها بعلاقتها الحميمة باختها الجمهورية المس كونداليزا رايس، فذكرتنا اولبرايت بالعلاقات الحميمة التي تربطها بوزيرة الخارجية على الرغم من ان الاخيرة تتحدر من الافارقة وهي من حزب غريم تاريخي؛ فرايس كان قد أشرف والد اولبرايت الأستاذ الجامعي للعلوم السياسية على رسالتيها في الماجستير والدكتوراه والمتعلقتان بسياسة مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق، وطرق تعامل الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة مع اكبر قوة نووية عرفها العالم في القرن المنصرم. وتذكرنا اولبرايت دائما بكولدا مائير تلك المراة التي تمتلك ما يكفي من (الحديدية المتصهينة والمعجّنة بتوراتية في دمها) قبل مارجريت تاتشر صاحبة اللقب العتيد بعد ذلك. فاولبرايت تشبه في سلوكها السياسي المتشدد وقتذاك (قريبتها) العتيدة (كولدا مائير) رئيسة وزراء أسرائيل السابقة التي تعد واحدة من أهم صناع القرار في أسرائيل في النصف الثاني من القرن العشرين. ربما وجدت سيدة السياسة الاميركية على مدى ولايتين في عقد التسعينات ما يكفي من الصعوبات في فهم توجهات السياسة الخارجية في عهد الصقور المغامرين في البيت الأبيض. وهاهي لا تبخل عليهم بنصائحها (الديمقراطية) لأنها قد تجد نفسها معهم في خندق واحد. ومادلين على الرغم من أنها (ديمقراطية) فهي لما تزل تحظى باستشارات من البيت الابيض الذي يديره الصقور الجمهوريون الآن، وهي تقدم كلّ معلوماتها المفيدة وغير المفيدة إلى اولئك الذين تجد في نياتهم رسم خارطة جديدة للشرق الاوسط، صراحة - كسايكس بيكو جديدة- وكما عرض ذلك موقع Armed Forces Journal خريطتين للشرق الأوسط قبل وبعد وتناقلها البريد ووسائل الاعلام.تظهر الخارطة الثانية تقسيم الشرق الاوسط بتفتيت الوحدات الكبرى فيه كالعراق وإيران والسعودية.. وهي النظرية الإسرائيلية القديمة التي تدعو إلى نشر الطائفية والعرقية في جميع مناطق الشرق الأوسط محاولة لرسم سبل جديدة في الهيمنة الجديدة وضرب حزام ما يعرف بدول الطوق التي تخلى معظمها عن المواجهة العسكرية وما تزال سوريا على القائمة أيضا. ولمادلين اهمية شبه استثنائية ولأقوالها وتحديداتها في السياسة الخارجية الاميركية وقع خاص في أروقة الإدارة الحالية. لاشكّ بانها قد حزنت كثيرا الآن على المصير الذي آل إليه ليبرمان الديمقراطي الصديء المدافع عن بشاعات الصهاينة وسياساتهم اللاإنسانية. كانت مادلين - من اجل تحسين صورتها البشعة- قد اعتذرت قبل مدة عن تصريحات سابقة بشأن أطفال العراق، وعما إذا كانوا يستحقون الموت في عهد العقوبات المفروضة على نظام صدام. لكنه جاء أعتذارا متأخرا ولا موقع له بعد ان فقدت منصبها بإدارة جمهورية جديدة. ولو كانت صادقة بالاعتذار المزعوم ذاك فلربما جاء إبان مدة بقائها في المنصب، او بعد مدة قصيرة من قدوم الجمهوريين إلى البيت الابيض في الاقل. لكنه اعتذار بارد جدا ولم يعد ذو معنى الآن بعد ان قضى اكثر من مليون طفل عراقي على الأسرة البيض..وهاهي مادلين اولبرايت أبنة السياسي وأستاذ الجامعة اللاجيء التشيكسلوفاكي في الولايات المتحدة، تهتم بما هو قادم، وتنهمك في المستقبل الشرق اوسطي من وجهة نظر قديمة لرسم خارطتة المستقبلية. ولا تجد أولبرايت تناقضا واضحا في ذلك. فالافكار القديمة يمكن ان تسهم في بناء المستقبل أيضا!! لقد حصلت اوابرايت على ما يكفي من تعليم في وطنها الجديد الولايات المتحدة مما أهلها للوصول إلى أعلى المناصب، وهاهي تعمل من اجلها بروح استعلائية مقيتة احيانا. فقد عرف عن الوزيرة السابقة تجهمها وشعورها الدائم بالحزن اللامبرر. حسنا، هاهي تعود إلينا من جديد بعد ان استبدلت (بروج) الحية ببروج الفراشة.. فهل تريد السيدة اولبرايت أن تفهم الآخرين وداعتها الجديدة بعد ان عملت على إذكاء روح العداوة بينها وبين الشعب العراقي؟ربما على أولبرايت ان تقدم هي والإدارة الأميركية السابقة والإدارة الحالية أيضا ملايين الأعتذارات إلى الشعب العراقي المظلوم في كلّ وقت وفي كلّ حين. فهي تعلم قبل غيرها ان (العقوبات الدولية الصارمة) التي طالت معظم أبناء الشعب العراقي لم تطل رموز النظام ولا العناصر الموالية له، ووقعت بالدرجة الاساس على الطبقات الفقيرة والمعدمة منه ليس إلا.. كانت السيدة الفريدة تصرّ وبقوة على بقاء المذبحة اليومية للعراقيين.. أفلا يستحق الشعب العراقي جميعا الأعتذار الآن عن مجمل السياسات الخاطئة واللاإنسانية؟ من هو القوي ومن هو الجبار بنظر اولبرايت؟هاهي التقارير الدولية تترى حول عدم تمكن العقوبات الصارمة السابقة من أسقاط نظام صدام حسين بل هي تحذر من تكرار التجربة في أي بلد آخر في العالم، لأن العقوبات لن تطال دائما إلا الفقراء والمعدمين والمهمشين اجتماعيا. اما رؤوس النظام فهي غالبا ما تحتفل بأعياد ميلادها بعربة من ذهب.. أليس كذلك؟مرة اخرى: من هو القوي ومن هو الجبار في الشرق الاوسط بالنسبة لمادلين اولبرايت؟من المفيد ان نذكر بان عديدا من الساسة الاميركيين بعد تقاعدهم او أنسحابهم من الاضواء لا يلجأون إلى كتابة مذكراتهم كما فعل رئيس أولبرايت السابق بيل كلنتون، بل هم قد يلجأون إلى الكتابة في التاريخ أوالثقافة، أوكيفية الحصول على منصب في بلد حرّ عن طريق الإنتهازية الشرعية. فتحقق هذه الكتب على العموم مبيعات عالية بعد ان تجرى لها سلسلة من الدعايات الواسعة كما يجري الآن لكتاب اولبرايت: القوي والجبار..تحاول اولبرايت في كتابها أن تدرس الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وهي تجهد نفسها لإيجاد الوشائج بينها.. على الرغم من ان تلك المحاولة قد جرت من عديد من الباحثين الاكاديمين في كليات حوار الأديان او دراسات الشرق الأوسط القديم. وخاصة تلك الوشائج التي تدعو إلى السلام بين الديانات الثلاث.. لكن محاولة اولبرايت في توظيفها في الشرق الأوسط الجديد هو الجديد في المسألة.فالسلام بين الديانات الإلهية الثلاث ليس اختراعا اوليبرايتيا بل هو حقيقة قائمة يدركها كلّ من عمل في حقل التعايش السلمي بين الديانات الرئيسة الثلاث في الشرق الأوسط. فإن نزعة السلم بين الشعوب في الشرق الاوسط هي الثابتة والقائمة، وما وضعية الحرب او الإرهاب إلا حالة طارئة يذكيها أصحاب المصالح والنفوذ والهيمنة بكل اشكالها. ويبدو ان اولبرايت لم تبذل كبير جهد في ذلك لأن جميع الديانات مصدرها واحد هو الله سبحانه، وهي تدعو إلى الخير والسلام والحرية لجميع البشر. اما ما حرّف او شوه او وضع في غير موضعه عن هذا الدين او ذاك فهو ردّ.. واولبرايت لا تسوق كتابها المزعوم عن القوي والجبار بدوافع إنسانية او اكاديمية بل من اجل وضع (برواز) غير مناسب لعملية ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد.من المفيد ان نذكر بان شعوب الشرق الاوسط تعمل على وضع أسس لشرق اوسط جديد بعيدا عن الهيمنة والتحكم الاميركيين. فشرق اوسط لن يكون في ظل سيطرة أقتصادية اسرائيلية وضياع كامل لحقوق الشعب الفلسطيني في العيش في دولة حرة ومستقلة على ترابه الوطني. كما انه لا يكمن ان يعيش في ظل انظمة اقل ما يقال عنها انها دكتاتورية عفنة تعمل على الضد من حقوق الإنسان دائما. ومن هنا فإن قضية الشرق الاوسط لا تحل إلا بإرادة شعوب الشرق الاوسط نفسها وليس على وفق إرادة من خارجه. فليس ثمة مكان لديمقراطية (السردين) التي تحاول الولايات المتحدة تصديرها إلى المنطقة من حين لاخر. وعلى الرغم من ان الرئيس بوش قد أشتكى مؤخرا من عدم تفهم الشعوب - وخاصة الشعب العراقي وحكومته- للدور الاميركي.. إلا ان الواقع لا يتعلق بتفهم الشعوب والحكومات لقضية الحرية والديمقراطية بل بالطريقة التي يعمل على تطمينها.. فالولايات المتحدة بمجموع اخطائها المعترف او غير المعترف بها- في العراق حصرا- تشكل حجر الزاوية في سؤ الفهم ذاك..كتاب اولبرايت ليس دعوة إنسانية بزغت فجاة في عقل قاتلة الاطفال العراقيين، بل هو يصبّ في مشروع ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد ومقولته: لم تتقاتلون ومصدركم واحد: أبراهيم او أبرام؟ الكتاب على العموم ليس بحثا تاريخيا بل هو يصبّ في الاتجاه الاميركي لبناء ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد. وإذا كان ثمة ما يلفت النظر إليه هو هذا التوقيت الفريد في دعوات كوندا ليزا رايس وصدور الكتاب..؟إن القوي والجبار ليس الخالق والسياسي الحاكم، وما هو ذلك الجدل القديم بين الديني و الدنيوي؛ بل هو ذلك الصراع المقيت بين طلاب السلطة والهيمنة والأستحواذ غير المشروع دائما.القوي والجبار هي الولايات المتحدة التي تأمل ان تحوز على الصفتين في الشرق الاوسط: القوة والجبروت. د. رياض الأسدي
القوي والجبار.. كتاب مادلين اولبرايت الجديد
منذ ان نشر شمعون بيريز كتابه ذائع الصيت: الشرق الاوسط الجديد الذي ترجم بسرعة البرق إلى العربية بعد معاهدة وادي عربة عام 1994 بين الاردن وأسرائيل، والعالم والعالم العربي يتلقى الدعوات تلو الاخرى نحو ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد. مرة من حيث الواقع السياسي الحالي واخرى من حيث التاريخ القديم خاصة. ومناقشة القوة والجبروت البشريتين لا تحلو للباحثين إلا بعد أن يأتي الشرق الاوسط فيحضر بتاريخه المفعم بالحضارة والصراعات الدموية في آن.القوة والجبروت: مسألتان طالما شغلتا العقل البشري منذ بدء الخليقة إلى يومنا هذا. ومن الصعب على البشرية تجاوزهما في كلّ عصر. فقد عمل الرسل و الانبياء والمصلحون على نقل القوة والجبروت إلى الله سبحانه او إلى الجماعة وما تتفق عليه لكي يمنحوا البشر قدرا اكبر من السلام بينهم. لكن تلك المحاولات الكبيرة على الرغم من جديتها وسلامة مواقفها لم تحقق ما تصبو إليه البشرية من سلام شامل ودائم. وبقيت في حالة صراع مستمر بين الاقوياء والجبارين والمستضعفين في كلّ عصر منذ ان قتل قابيل هابيل لتحدث اول جريمة مسجلة رسميا في التاريخ المكتوب.ومادلين اولبرايت المرأة القوية في البيت الابيض سابقا تريد ان تخبرنا بالقصة من جديد وعلى طريقتها المشكوك فيها سلفا. فطوال مدة ولايتي الرئيس بيل كلنتون شغفت السيدة اولبرايت دائما بوضع (البروج) على الصدر: كانت تضع (كوبرا) على الجهة اليسرى حينما عينت سفيرا للولايات المتحدة في الامم المتحدة، وبعد ان أصبحت وزيرة لخارجيتها أيضا. ربما كانت الحية التي (خدعت) سيدنا آدم في التوراة هي شعارها الفلسفي والعملي، سواء ادركت ذلك ام لم تدرك! فقد اولت التوراة للحية ما يكفي من عناية فكرية واسطورية في الوقت نفسه مما لا يدع مجالا للشكّ بأهمية طريقة تفكير اولبرايت الفلسفية والتاريخية. عملت مادلين على مناقشة القوي والجبار من وجهة نظر (اولبرايتية بحتة) لتهتم بالشان الدولي والشرق اوسطي خاصة. وليس اعتباطا ان ركزت اولبرايت طروحتها على منطقة الشرق الاوسط الإسلامي، حيث تكون واحدة من مناطق التصادم الدائمة منذ الحرب اليونانية الفارسية في التاريخ القديم. فالشرق الاوسط كان وما يزال موضع اهتمام العالم، ليس لأن الخليقة بدأت من الشرق الاوسط، او الكتابة ظهرت فيه لأول مرة، او النظم السياسية، او الديانات السماوية والرسالات الإلهية، بل لأن الشرق الاوسط هو روح العالم منذ البداية وهو كينونته الاولى. ويبدو ان (قدره التاريخي) هو ان يبقى كذلك.وجدت اولبرايت وهي المتحدرة من اوربا الشرقية ضالتها في التعبير عن روح العالم الذي لم تدرك مقاصده جيدا، لأنها بقيت حبيسة الرؤى القديمة التي تعتور في راسها والمتمثلة بالعلو اليهودي والجبروت الاميركي في الوقت نفسه. من الصعب على السيدة اولبرايت ان تدرك طبيعة التحولات التي تجتاح العالم، وخاصة تلك الاحداث التي تعصف باميركا اللاتينية وظهور قوى اليسار الجديد فيها. وهاهي تعود إلى اوراق قديمة في البحث عن القوي والجبار.. ومصير العالم المتعلق بالشرق الاوسط.. هذا الشرق المفعم بالرسالات الإلهية والديانات والبترول أيضا. يمكننا ان نختصر العالم القديم كله بعالم الشرق الاوسط؛ باوراقه ومدوناته. ربما قبل ظهور اليهودية نفسها التي تهتم اولبرايت بالانتماء إليها بحكم الطبيعة البيتية المتشددة التي ورثتها عن أسرتها. تجد اولبرايت صعوبات كبيرة ليس في تفهم التركيبة التاريخية للشرق الاوسط وطبيعة رؤاه المختلفة والموحدة بازاء الإنسان، ولا في تفسير التشدد فيه الذي ظهر اخيرا بين ظهراني المسلمين، بل في تلك الرؤية التوراتية التي طالما طاردت مادلين مذ كانت صغيرة وهي تحتمل افكار القدوم من التشدد الاوربي الشرقي إلى عالم حرّ. فجزء من التشدد الاولبرايتي يعود إلى الثقافة التوراتية التي هيمنت على الوزيرة السابقة. فهي في سلوكها الفكري لا تستطيع فكاكا عن ذلك، وطالما بقيت في حدود المواقف التوراتية القديمة التي لم تحاول اولبرايت مناقشة مدى ضيق افقها ومدى تزييفها للوقائع. انعكس الوضع بقوة على سلوك مادلين السياسي وطريقة حديثها التي تعجب جون بولتن سفير الولايات المتحدة الآن لدى الأمم المتحدة: السخرية وعدم التروي والهجوم على الثوابت. فإن اولبرايت طالما عملت على هدم الثوابت الإنسانية المتعلقة بالحصار الأعمى الذي رسم لأبادة الشعب العراقي طوال 13 عاما سوداء.أهتمت اولبرايت في الدعاية لكتابها بعلاقتها الحميمة باختها الجمهورية المس كونداليزا رايس، فذكرتنا اولبرايت بالعلاقات الحميمة التي تربطها بوزيرة الخارجية على الرغم من ان الاخيرة تتحدر من الافارقة وهي من حزب غريم تاريخي؛ فرايس كان قد أشرف والد اولبرايت الأستاذ الجامعي للعلوم السياسية على رسالتيها في الماجستير والدكتوراه والمتعلقتان بسياسة مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق، وطرق تعامل الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة مع اكبر قوة نووية عرفها العالم في القرن المنصرم. وتذكرنا اولبرايت دائما بكولدا مائير تلك المراة التي تمتلك ما يكفي من (الحديدية المتصهينة والمعجّنة بتوراتية في دمها) قبل مارجريت تاتشر صاحبة اللقب العتيد بعد ذلك. فاولبرايت تشبه في سلوكها السياسي المتشدد وقتذاك (قريبتها) العتيدة (كولدا مائير) رئيسة وزراء أسرائيل السابقة التي تعد واحدة من أهم صناع القرار في أسرائيل في النصف الثاني من القرن العشرين. ربما وجدت سيدة السياسة الاميركية على مدى ولايتين في عقد التسعينات ما يكفي من الصعوبات في فهم توجهات السياسة الخارجية في عهد الصقور المغامرين في البيت الأبيض. وهاهي لا تبخل عليهم بنصائحها (الديمقراطية) لأنها قد تجد نفسها معهم في خندق واحد. ومادلين على الرغم من أنها (ديمقراطية) فهي لما تزل تحظى باستشارات من البيت الابيض الذي يديره الصقور الجمهوريون الآن، وهي تقدم كلّ معلوماتها المفيدة وغير المفيدة إلى اولئك الذين تجد في نياتهم رسم خارطة جديدة للشرق الاوسط، صراحة - كسايكس بيكو جديدة- وكما عرض ذلك موقع Armed Forces Journal خريطتين للشرق الأوسط قبل وبعد وتناقلها البريد ووسائل الاعلام.تظهر الخارطة الثانية تقسيم الشرق الاوسط بتفتيت الوحدات الكبرى فيه كالعراق وإيران والسعودية.. وهي النظرية الإسرائيلية القديمة التي تدعو إلى نشر الطائفية والعرقية في جميع مناطق الشرق الأوسط محاولة لرسم سبل جديدة في الهيمنة الجديدة وضرب حزام ما يعرف بدول الطوق التي تخلى معظمها عن المواجهة العسكرية وما تزال سوريا على القائمة أيضا. ولمادلين اهمية شبه استثنائية ولأقوالها وتحديداتها في السياسة الخارجية الاميركية وقع خاص في أروقة الإدارة الحالية. لاشكّ بانها قد حزنت كثيرا الآن على المصير الذي آل إليه ليبرمان الديمقراطي الصديء المدافع عن بشاعات الصهاينة وسياساتهم اللاإنسانية. كانت مادلين - من اجل تحسين صورتها البشعة- قد اعتذرت قبل مدة عن تصريحات سابقة بشأن أطفال العراق، وعما إذا كانوا يستحقون الموت في عهد العقوبات المفروضة على نظام صدام. لكنه جاء أعتذارا متأخرا ولا موقع له بعد ان فقدت منصبها بإدارة جمهورية جديدة. ولو كانت صادقة بالاعتذار المزعوم ذاك فلربما جاء إبان مدة بقائها في المنصب، او بعد مدة قصيرة من قدوم الجمهوريين إلى البيت الابيض في الاقل. لكنه اعتذار بارد جدا ولم يعد ذو معنى الآن بعد ان قضى اكثر من مليون طفل عراقي على الأسرة البيض..وهاهي مادلين اولبرايت أبنة السياسي وأستاذ الجامعة اللاجيء التشيكسلوفاكي في الولايات المتحدة، تهتم بما هو قادم، وتنهمك في المستقبل الشرق اوسطي من وجهة نظر قديمة لرسم خارطتة المستقبلية. ولا تجد أولبرايت تناقضا واضحا في ذلك. فالافكار القديمة يمكن ان تسهم في بناء المستقبل أيضا!! لقد حصلت اوابرايت على ما يكفي من تعليم في وطنها الجديد الولايات المتحدة مما أهلها للوصول إلى أعلى المناصب، وهاهي تعمل من اجلها بروح استعلائية مقيتة احيانا. فقد عرف عن الوزيرة السابقة تجهمها وشعورها الدائم بالحزن اللامبرر. حسنا، هاهي تعود إلينا من جديد بعد ان استبدلت (بروج) الحية ببروج الفراشة.. فهل تريد السيدة اولبرايت أن تفهم الآخرين وداعتها الجديدة بعد ان عملت على إذكاء روح العداوة بينها وبين الشعب العراقي؟ربما على أولبرايت ان تقدم هي والإدارة الأميركية السابقة والإدارة الحالية أيضا ملايين الأعتذارات إلى الشعب العراقي المظلوم في كلّ وقت وفي كلّ حين. فهي تعلم قبل غيرها ان (العقوبات الدولية الصارمة) التي طالت معظم أبناء الشعب العراقي لم تطل رموز النظام ولا العناصر الموالية له، ووقعت بالدرجة الاساس على الطبقات الفقيرة والمعدمة منه ليس إلا.. كانت السيدة الفريدة تصرّ وبقوة على بقاء المذبحة اليومية للعراقيين.. أفلا يستحق الشعب العراقي جميعا الأعتذار الآن عن مجمل السياسات الخاطئة واللاإنسانية؟ من هو القوي ومن هو الجبار بنظر اولبرايت؟هاهي التقارير الدولية تترى حول عدم تمكن العقوبات الصارمة السابقة من أسقاط نظام صدام حسين بل هي تحذر من تكرار التجربة في أي بلد آخر في العالم، لأن العقوبات لن تطال دائما إلا الفقراء والمعدمين والمهمشين اجتماعيا. اما رؤوس النظام فهي غالبا ما تحتفل بأعياد ميلادها بعربة من ذهب.. أليس كذلك؟مرة اخرى: من هو القوي ومن هو الجبار في الشرق الاوسط بالنسبة لمادلين اولبرايت؟من المفيد ان نذكر بان عديدا من الساسة الاميركيين بعد تقاعدهم او أنسحابهم من الاضواء لا يلجأون إلى كتابة مذكراتهم كما فعل رئيس أولبرايت السابق بيل كلنتون، بل هم قد يلجأون إلى الكتابة في التاريخ أوالثقافة، أوكيفية الحصول على منصب في بلد حرّ عن طريق الإنتهازية الشرعية. فتحقق هذه الكتب على العموم مبيعات عالية بعد ان تجرى لها سلسلة من الدعايات الواسعة كما يجري الآن لكتاب اولبرايت: القوي والجبار..تحاول اولبرايت في كتابها أن تدرس الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام. وهي تجهد نفسها لإيجاد الوشائج بينها.. على الرغم من ان تلك المحاولة قد جرت من عديد من الباحثين الاكاديمين في كليات حوار الأديان او دراسات الشرق الأوسط القديم. وخاصة تلك الوشائج التي تدعو إلى السلام بين الديانات الثلاث.. لكن محاولة اولبرايت في توظيفها في الشرق الأوسط الجديد هو الجديد في المسألة.فالسلام بين الديانات الإلهية الثلاث ليس اختراعا اوليبرايتيا بل هو حقيقة قائمة يدركها كلّ من عمل في حقل التعايش السلمي بين الديانات الرئيسة الثلاث في الشرق الأوسط. فإن نزعة السلم بين الشعوب في الشرق الاوسط هي الثابتة والقائمة، وما وضعية الحرب او الإرهاب إلا حالة طارئة يذكيها أصحاب المصالح والنفوذ والهيمنة بكل اشكالها. ويبدو ان اولبرايت لم تبذل كبير جهد في ذلك لأن جميع الديانات مصدرها واحد هو الله سبحانه، وهي تدعو إلى الخير والسلام والحرية لجميع البشر. اما ما حرّف او شوه او وضع في غير موضعه عن هذا الدين او ذاك فهو ردّ.. واولبرايت لا تسوق كتابها المزعوم عن القوي والجبار بدوافع إنسانية او اكاديمية بل من اجل وضع (برواز) غير مناسب لعملية ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد.من المفيد ان نذكر بان شعوب الشرق الاوسط تعمل على وضع أسس لشرق اوسط جديد بعيدا عن الهيمنة والتحكم الاميركيين. فشرق اوسط لن يكون في ظل سيطرة أقتصادية اسرائيلية وضياع كامل لحقوق الشعب الفلسطيني في العيش في دولة حرة ومستقلة على ترابه الوطني. كما انه لا يكمن ان يعيش في ظل انظمة اقل ما يقال عنها انها دكتاتورية عفنة تعمل على الضد من حقوق الإنسان دائما. ومن هنا فإن قضية الشرق الاوسط لا تحل إلا بإرادة شعوب الشرق الاوسط نفسها وليس على وفق إرادة من خارجه. فليس ثمة مكان لديمقراطية (السردين) التي تحاول الولايات المتحدة تصديرها إلى المنطقة من حين لاخر. وعلى الرغم من ان الرئيس بوش قد أشتكى مؤخرا من عدم تفهم الشعوب - وخاصة الشعب العراقي وحكومته- للدور الاميركي.. إلا ان الواقع لا يتعلق بتفهم الشعوب والحكومات لقضية الحرية والديمقراطية بل بالطريقة التي يعمل على تطمينها.. فالولايات المتحدة بمجموع اخطائها المعترف او غير المعترف بها- في العراق حصرا- تشكل حجر الزاوية في سؤ الفهم ذاك..كتاب اولبرايت ليس دعوة إنسانية بزغت فجاة في عقل قاتلة الاطفال العراقيين، بل هو يصبّ في مشروع ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد ومقولته: لم تتقاتلون ومصدركم واحد: أبراهيم او أبرام؟ الكتاب على العموم ليس بحثا تاريخيا بل هو يصبّ في الاتجاه الاميركي لبناء ما يعرف بالشرق الاوسط الجديد. وإذا كان ثمة ما يلفت النظر إليه هو هذا التوقيت الفريد في دعوات كوندا ليزا رايس وصدور الكتاب..؟إن القوي والجبار ليس الخالق والسياسي الحاكم، وما هو ذلك الجدل القديم بين الديني و الدنيوي؛ بل هو ذلك الصراع المقيت بين طلاب السلطة والهيمنة والأستحواذ غير المشروع دائما.القوي والجبار هي الولايات المتحدة التي تأمل ان تحوز على الصفتين في الشرق الاوسط: القوة والجبروت.
جيل جديد يتربى في ظروف أصولية دينية
العسكريون الأميركيون نجحوا في الاستقلال عن الحكومة والشعب بعد 11 سبتمبر
يرى مؤلف هذا الكتاب، جيمس كارول، ان الجيل الجديد من العسكريين الأميركيين يتربى في ظروف اصولية دينية وتطرف سياسي. ولهذا اختار اسم «بيت الحرب» لكتابه هذا، لكنه يخشى ان المتطرفين دينيا وسياسيا سوف يحولون «بيت الحرب» الى «بيت الله»، إشارة الى الدمج بين الحكومة والدين.
يقول جيمس كارول، مؤلف كتب وكاتب عمود في جريدة «بوسطن غلوب»، إن العسكريين الاميركيين «ظلوا دائما يريدون الاستقلال عن الحكومة وعن الشعب. لكنهم لم ينجحوا في تحقيق ذلك مثلما نجحوا خلال السنوات القليلة الماضية»، بعد هجوم 11 سبتمبر.
ووصف كارول البنتاغون (مبنى وزارة الدفاع، عبر نهر بوتوماك، في الجانب الآخر من واشنطن العاصمة) انه «اكبر مدفع في تاريخ اميركا، لكنه مدفع غير منضبط»، وانه غيّر سياسات اميركا الخارجية كثيرا، وكان يريد ان يغيرها اكثر لولا «حكمة» رؤساء جمهورية وبعض اعضاء الكونغرس.
وركز كارول على الرئيس دوايت ايزنهاور (الذي كان جنرالا، وقاد قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية حتى انتصرت على محور المانيا وايطاليا واليابان). واشار الى عبارتين مشهورتين قالهما:
ـ الاولى: «احذركم من المؤسسة العسكرية الصناعية (قصد التحالف بين العسكريين ومصانع السلاح)».
ـ الثانية: «البنتاغون دليل على القوة غير المنضبطة التي تنمو وتنمو».
شرح كارول هذه الآراء في كتاب «بيت الحرب: البنتاغون وزيادة القوة الكارثة»، الذي صدر أخيرا. كتب كارول كتابا عملاقا (657 صفحة)، وأهداه الى والده الجنرال جوزيف كارول، حتى لا يتهمه اي شخص بأنه يكره العسكرية والعسكريين. وهنا يتذكر زياراته الى البنتاغون مع والده، عندما كان عمره عشر سنوات، ويقول: «لستين سنة ظل البنتاغون مثل معبد عملاق محرم. عندما كنت صغيرا، والآن؟».
ثم وقع هجوم 11 سبتمبر، الذي أدانه كارول ادانة قوية. ولاحظ ان الهجوم وقع في ذكرى وضع حجر اساس البنتاغون (11 ـ 9 ـ 1941) في حوالي الساعة العاشرة صباحا. قال ان ذلك مجرد صدفة، لكنه اشار الى ان حجم مبنى البنتاغون كان الثاني بعد حجم مركز التجارة العالمي في نيويورك، الذي دمره هجوم 11 سبتمبر. ولاحظ انه «بعد سقوط البرجين الشمالي والجنوبي، اصبح البنتاغون اكبر مبنى في اميركا، رغم انه اصبح مبنى مجروحا».
لكن البنتاغون، كما كتب جورج مارشال (كان جنرالا في الحرب العالمية الثانية ثم اصبح وزير خارجية) في كتاب مذكراته، «مثلما كان رمز قدرة اميركا على هزيمة الاعداء، كان هدفا سهلا للاعداء، خاصة من الجو». وحدث ذلك بعد خمسين سنة من نشر المذكرات.
ولهذا لم يستغرب كارول لأن الارهابيين استهدفوا البنتاغون «لأنهم ارادوا ضرب رمزنا الاقتصادي، ورمزنا السياسي، ورمزنا العسكري». ولاحظ ان العسكريين اسرعوا ونظفوا مكان سقوط الطائرة، في شبه سرية، واصلحوا الجزء الذي اصيب، واحتفلوا بذلك، وكأن شيئا لم يكن. وقال ان هذا ساعده على فهم «سايكولوجية البنتاغون».
لم يقلل كارول من دور البنتاغون في الحرب العالمية الثانية (بني خلالها)، وفي حربي كوريا وفيتنام، وفي حصار برلين وكوبا، وفي اغاثة الصومال واندونيسيا، وفي غزو العراق. لكنه قال «ان في التاريخ اشرارا»، واشار الى «رجال اغرتهم الماكينة العسكرية الجبارة، وخلطوا بين الوسيلة والغاية، وظنوا ان القوة الاميركية لا حدود لها».
وانتقد كارول، ايضا، «روح الانتقام» عند كثير من الاميركيين. وقال انها ظهرت مع نهاية الحرب العالمية الثانية (تدمير مدينة درسدن الالمانية قبيل استسلام المانيا، والقاء قنبلة هيروشيما قبيل استسلام اليابان). وفي حرب فيتنام (حرق القرى وقتل اكثر من ثلاثة ملايين فيتنامي). وبعد هجوم 11 سبتمبر. لكن هذه المرة حدث شيئان اضافيان:
ـ اولا، ظهرت «روح الانتقام واضحة وعلنية».
ـ ثانيا، ظهرت معها «روح الخوف».
وقال كارول: «يفعل السياسيون الخائفون اشياء مروعة، منها تخويف شعوبهم. ويسعد العسكريون بالانتقام ممن ضربهم».
وأضاف كارول عاملي الانتقام والخوف الى العامل الاساسي في نقده للبنتاغون وهو عدم القدرة علي السيطرة عليه. وعاد، ليثبت رأيه، الى خطب الرئيس (الجنرال ايزنهاور) بعد ان ترك البيت الابيض، ونقل على لسانه قوله: «ليس هناك اقوى من رغبة القوي في زيادة قوته. انا لا اتحدث عن القوة العادلة، انا اتحدث عن القوة الكارثة. ولهذا يجب مواجهة هذا التحالف بين القوة والكارثة لأنه يهدد حريتنا ونظامنا الديمقراطي» (ولهذا اسم الكتاب: «زيادة القوة الكارثة»).
وقال كارول: «ظلت الرغبة في الرد على ضربة شخص آخر جزءا من طبيعة البشر. لكنها رغبة تدعو الى الخجل، وهذا ايضا جزء من طبيعة البشر. لانها تفتح الباب للدخول الى مكان مظلم هو بيت اللاعقلانية الذي نعرف اننا يجب الا ندخله».
«ولهذا نخلق اسباباً واعذاراً عندما نرد على ضربة عدو، ونستعمل كل الكلمات إلا كلمة: انتقام»
برر الرئيس هاري ترومان ضرب هيروشيما بالقنبلة النووية بأنه «عمل عسكري لا بد منه»، لكنه شتم، في نفس الخطاب «اليابانيين الأوغاد».
وكان بوش يقدر على ارسال فرق سرية، بالتعاون مع دول اخرى، لقتل قادة منظمة القاعدة في معسكراتهم في افغانستان».
واشار كارول ان توماس فريدمان، الكاتب في جريدة «نيويورك تايمز»، كتب عمودا بعد ايام من هجوم 11 سبتمبر، عنوانه: «الحرب العالمية الثالثة» (ضد القاعدة). وان آخرين يكتبون الآن عن «الحرب العالمية الرابعة» (ضد الارهاب في كل مكان). وقال ان هؤلاء يريدون انتقاما على نطاق واسع.
قدم كارول كتابه عن تاريخ البنتاغون (الناصع وغير الناصع) في صورة قصة شخصية: زار البنتاغون وهو طفل مع والده الجنرال جوزيف كارول، وحتى زيارته الاخيرة، قبيل اكمال الكتاب، الى مقابر آرلنغتون، حيث دفن والده ووالدته. وقال: «يرقد والداي على مسافة قريبة من تمثال الجندي المجهول. على لوحة قبر والدي تاريخ ميلاده، وتاريخ وفاته، سنة 1991، سنة حرب الخليج. والدي، والمدفونون حوله، ماتوا قبل جيل الحروب شبه الدينية».
واضاف: «جيل والدي هو جيل الحرب الباردة، لكنه لم يقتل العدو، بل تفاوض معه، على الجانب الآخر من الستار الحديدي (الذي فصل بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي). جيل والدي لم يضرب موسكو، لكنه عقد اتفاقيات معها. جيل والدي لم يتردد في النقد الذاتي. جيل والدي لم يبالغ في دينه، ولا في آرائه السياسية. لم يكن اصوليا ولا متطرفا».
واضاف كارول: «لكن يبدو ان الجيل الجديد من العسكريين يتربي في ظروف اصولية دينية وتطرف سياسي» ولهذا اختار كارول اسم «بيت الحرب» لكتابه، لكنه يخشى ان المتطرفين دينيا وسياسيا سوف يحولون «بيت الحرب» الى «بيت الله»، اشارة الى الدمج بين الحكومة والدين.
ووصف كارول كيف ان والده كان عسكريا من الدرجة الاولى، لكنه لم يكن متطرفا سياسيا ولا دينيا. وانه قال له مرة: «احذر يا ابني من يوم تعلن فيه حرب بدون سبب اخلاقي ومصيري» وانه نصحه مرة: «لا تنتظر حتى تقع هذه الحرب. انت صحافي مشهور. اكتب عنها، وحذر الناس منها» ولهذا، كما يقول، كتب هذا الكتاب.
=
حرب عالمية رابعة على الأبواب قطباها الصين وأميركا
«الخطر الأصفر» القادم من أقصى الشرق في كتاب فرنسي
أيعقل أن يكون كل هذا الخراب الجوّال الذي تشهده أكثر من منطقة في العالم اليوم موصول الأسباب بالحرب المضمرة التي تشنها الولايات المتحدة الاميركية على المارد الصيني الخارج للتوّ من قمقمه وأسواره؟
هذا ما يعتقده الكاتب «جان فرانسوا سوسبيال» في كتابه «الصين والولايات المتحدة الاميركية، الحرب المبرمجة»، الصادر حديثا بالفرنسية عن دار «فيرست اديسيون.
ان القوة المنتصرة، كما يقول، لا يمكن لها ان تتنفس وتعيش بلا وقود عدائي، فإنها لا بد من ان تختلق الاعداء ان كانوا غير موجودين. لم يكن ايجاد العدو صعبا على الولايات المتحدة التي تخرج الاعداء من قبعتها كالساحر ساعة تشاء، والعدو الآن هو الصين، الخطر الاصفر القادم من أقصى الشرق. ثمة اعداء آخرون، الا انهم ثانويون، او في الدرجة الثانية في نظر المؤلف، والاصولية الاسلامية هي عدو من الدرجة الثانية، وبن لادن بحسب قول الكاتب ليس الا الشجرة التي تخفي غابات الخيزران الصينية.
ليس بامكان الولايات المتحدة ان تضرب الصين على رأسها ضربة تفقدها قوتها البشرية والاقتصادية، فرأت انه من الافضل أن تضربها من خاصرتها النفطية، وعليه فإن الكاتب يقرأ الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق قراءة مفادها انها ضربة موجهة الى الصين اكثر مما هي موجهة الى صدام، وجواب الحرب مدفون في رمال العراق. كما يرى ان الحروب التي تشنها الولايات المتحدة على «الارهاب الاسلامي» في بقاع الارض، انما هي ايضا حروب تسعى من خلالها الى محاصرة الصين بطريقة غير مباشرة، ويقول الكاتب ان الاصولية الاسلامية ليست اكثر من سيف تستخدمه الولايات المتحدة الاميركية في حربها على الصين، وانتشار قواعدها العسكرية الكثيرة تشبه الحواجز والعوائق التي تضعها في طريق الصين عبر الاشراف على المضائق البحرية الحيوية لناقلات النفط وللبضائع الصناعية الصينية في الوقت نفسه.
كلمة القوة الفصل برأي المؤلف، هي اليوم لمن يملك مفاتيح انابيب ضخ الذهب الأسود، الذي اضحى بمثابة الدم الحار المتدفق في شرايين الحياة الاقتصادية، وما شنّ الحروب على المناطق العربية والاسلامية الا عملية تمويه على العدو الأصلي، والمثير للرعب، وهو التنين الاحمر الاسطوري الذي ينهض من وراء سور الصين عملاقا اقتصاديا وبشريا وجغرافيا وحضاريا. فأي حضارة يمكن لها ان تدّعي انها لا تزال على قيد الحياة منذ خمسة آلاف سنة غير الحضارة الصينية؟ أليس كل الحضارات التي رافقت الحضارة الصينية في البدايات آلت آثارا في المتاحف باستثناء هذه الحضارة التي تتعايش في تضاعيفها العراقة والحداثة في آن؟
إن الكاتب يعتبر ان نتيجة هذه الحرب التي لم تنضج بعد لن تكون لصالح الولايات المتحدة، ولا يبني كلامه على الأمنيات، وانما على الوقائع الحضارية والاقتصادية والديمغرافية، بل يعتبر ان هذا القرن هو قرن الثأر، ومحو عار قرن ونصف القرن من الاذلال التي عاشته الصين، وهي لم تنس الى اليوم ان الحظّ، والحظ وحده هو الذي انقذ ارضها من التمزق والتفتت، اذ لو لم تختلف الدول الاستعمارية على قرص الجبنة الصينية، لكانت اليوم ربما مجموعة «ممالك متحاربة»، كما ان الكاتب وهو يقرأ النزاع الراهن بين الصين والولايات المتحدة، يعمد الى تحليل بعض الأمور التي تبدو في الوهلة الاولى ضعفا صارخا في السياسة الصينية، وحتى يفهم موقف الصين، فإنه يعود الى تاريخها بحثا عن الاجوبة، فكثير من أجوبة الحاضر يمكن أن يقرأها الانسان في صفحات الماضي، والصين التي اخترعت الورق والحبر كانت ماهرة في تدوين تاريخها.
ويعتبر المؤلف أن الفكر السياسي والعسكري والاقتصادي ممكن ان يجد القارئ نبذا منه في كتاب «فن الحرب» لصن تسو، وهو الكتاب الذي يرى المؤلف انه لا يخصّ فقط الناحية العسكرية، وانما الاقتصادية ايضا، ودليله على ذلك هو ان «فن الحرب» يدرس في الكليات الحربية، كما يدرس ايضا في كليات ادارة الاعمال والتسويق. وينظر الكاتب ايضا الى ناحية فولكلورية ربما بنظر السائح، وهي الاحتفال الذي يتم خلاله تكريم التنين في الصين، وهو الكائن الاسطوري الداخل في لبّ الفكر الصيني، ويقول الكاتب ان التنين يرمز الى الفكر الصيني والى أسلوبه في نيل المبتغى. فالتنين ليّن، جسده كالعجين، وهو يتحكم في كلّ ذرة من عضلاته، يتكوّم على بعضه ويتمدّد وينقبض بسرعة فائقة، وليونة جسده تبيح له تجنّب الضربات.
ويشير الكاتب الى قصة صينية مجازية ايضا عن صراع «النسر والافعى»، واختار الكاتب عمدا هذه القصة، لما يتضمنه النسر من اشارة الى الولايات المتحدة، ويرى الكاتب ان النصر ليس بالضرورة ان يكون حليف النسر، لأن ليونة الأفعى الصينية تحميها من منقار النسر، بفضل طواعية جسدها وانسيابيته، ولم تستطع الى الآن مخالب النسر الاميركي أو منقاره الجارح اصابة الأفعى الصينية بأذى.
وثمة ناحية اخرى انتروبولوجية، جديرة بالاعتبار، والمعروف ان الفكر الديني الصيني، مختلف جذرياً عن فكر الاديان السماوية، فإن كان في معتقد الديانات السماوية ان الانسان من سلالة آدم واحد، فإن في الصين اعتقادا بأن البشرية لا تنتمي الى آدم واحد او أصل واحد، وانما الى «أوادم» اذا صح التعبير، وهو اعتقاد ديني، يقوم الانتروبولوجيّون الى البرهنة عليه من خلال المتحجرات او اللقى البشرية او الآثار، ويشير الكاتب الى ان هذه النظرة تترك آثارها على الأمور السياسية والحضارية، لأن هذا الايمان ادى بالفكر الصيني الى عدم الاعتقاد او الاذعان لفكرة القطب الواحد، وهي الفكرة التي تسعى الولايات المتحدة الى ترسيخها، اي ان العالم الانساني من يوم وجوده قائم على التعددية القطبية، والاحادية استثناء ولا يمكن الا ان يكون عابراً وهشاً.
كما ان مقولة «نهاية التاريخ» ليس لها في الفكر الصيني اي قيمة او اعتبار، لانها على نقيض الفكر الطاوي المنتشر أيضا في الصين، القائم على الحركة الدائمة وبطلان الاستقرار وهشاشة النهايات. بل ليس ثمة فرق بين البداية والنهاية، ففي اللغة الصينية الكلمة نفسها تستعمل للدلالة على المعنيين، اي انها تشبه ما يسمّى في العربيّة بالأضداد اللغويّة.
ويرى الكاتب ان النصائح التي تسدى الى الصين بخصوص نظام الحكم نصائح خبيثة وغبية في احيان كثيرة، اذ من يعطي كما يقول النصائح لأمّة تدير شؤون مليار ونصف المليار من البشر؟ كما يقول ان اعتبار الديمقراطية هي الحكم الامثل ليس بالضرورة ان يكون صالحا ايضا، اذ ان النظام القائم في الصين، ومنذ عهد وانغ زياو بنغ انتشل 450 مليون شخص من الفقر في مدى عشرين سنة؟
ويشير المؤلف الى نوع من الحرب، يقض مضجع اميركا ومضجع كل الدول الصناعية، فيما بات يعرف بحرب المقاييس اي الـ«ستاندار». فاذا كانت الصين هي مصنع العالم اليوم «وأمازون الانتاج»، فإنها ستكون ايضا السوق الاول، لا سيما بعد زيادة حجم الطبقة الوسطى القادرة على الاستهلاك. واذا كان الزبون دائما على حق بحسب القول الشائع فإن الصين هي التي سوف تفرض المقاييس والمعايير الصناعية في المستقبل.
ويقول الكاتب تخيل ان مليار مستعمل للهاتف الجوال مثلا سوف يعتمدون مقياسا آخر، فإنه من المتوقع حكما ان يتحول ما يختارونه الى مقياس عالمي ترضخ له الصناعات الدولية، وهذه قوة لا يستهان بها. ويقول الكاتب ان هذه القدرة هي سلاح استراتيجي لم تستعمله الصين بعد. وان من سوف يحدد المقاييس في المستقبل هو الصين وليس ميكروسوفت.
ان السياسة الاميركية تحركها، كما يرى المؤلف، رغبة واحدة هي منع الصين من ان تحتل مكانتها المفترضة والمتوقعة، وعلى ضوء هذه النقطة يمكن ان نفهم سياسة اميركا تجاه عدد كبير من دول العالم، في تايوان وفي اليابان، وهما ذراعا اميركا العسكرية في الشرق الاقصى. وقد يستغرب المرء اخلاص اليابان للسياسة الاميركية رغم كل ما فعلته بها، من تدمير نووي، لهيروشيما وناغازاكي، ومن حرب نقدية في عامي 1971 و1985، ومن حرب نفطية عام 1973 وعام 1991، ويرى الكاتب ان الاخلاص للولايات المتحدة الغريب لا يمكن تفسيره الا على ضوء علاقة اليابان مع الصين، ان الصين ذاقت مرارة الاحتلال والاذلال من اليابان، التي لم تكن تختلف نظرتها للصيني عن نظرتها للكلاب. ووقوف اليابان الى جانب اميركا هو نوع من الحماية الذاتية من ثأر محتمل. والكاتب يرى ان وضع الشرق الاقصى، راهنا، لا يختلف كثيرا عن حال اوروبا في عام 1914. والصين الى اليوم لا تزال تعتبر ان تايوان المحافظة الثالثة والعشرون من الصين. والولايات الاميركية تحمي تايوان، وحذرت الصين تايوان من ان اي اندفاعة نحو الاستقلال لن تكون محمودة العواقب. ولكن اميركا بالمرصاد والصين تحاول ردعها من ارتكاب مغامرة عسكرية عن طريق جعل التكلفة اكبر من ان يحتملها الجسد الاميركي.
يقول الكاتب ان الصين ومنذ عام 1997، وخصوصا بعد عام 2001 امتلكت القدرة على ضبط خطابها وأعصابها، فهي لا تواجه الاستفزازات اليابانية او الاميركية الا بأعصاب باردة. والولايات المتحدة تحاول عبر مقولة «حقوق الانسان» السماح للفرق الدينية بالتكاثر في الصين، ولا سيما الانجيليون الذين ينتمي اليهم جورج بوش الابن، وعددهم في الصين أكثر من عددهم في اميركا نفسها.
وثمة فصل عن علاقة الصين مع اميركا اللاتينية، وهي سياسة تنطلق من نظرية صينية كما يقول المؤلف عن الفراغ، فالإناء قيمته في الفراغ الصالح للاستعمال وليس في مادته، وهي تحاول أن تملأ الفراغ الذي رأته في اميركا اللاتينية، أي قريبا جدا من حدود الولايات المتحدة. أما بالنسبة لـ«الفوضى الخلاقة» التي خرج بها جورج بوش، فإنها لا تعني للصين شيئا والسبب في ذلك هو ان هذه العبارة ليست اميركية ولا مخترعا اميركيا، وانما هي صينية عمرها أكثر من ألفي سنة، وردت على لسان «لاو تسو« في كتاب «الطاو»، وعليه فإن الصين أمهر من غيرها في التعامل مع هذه الفوضى الخلاقة، ويلفت الكاتب النظر، في أي حال، الى ان حكام الصين اليوم بغالبيتهم من خريجي كلية الهندسة، وهم لا ريب يحسنون التعامل مع «الفوضى الخلاقة».
ان قارئ الكتاب يخرج بفكرة، وهي ان فرص بقاء الولايات المتحدة القوة العظمى تتقلص يوما بعد يوم، والمحافظون الجدد يحاولون بشتى الوسائل إيقاف دولاب الزمان الصيني.
يشير المؤلف الى نوع من الحرب، يقض مضجع اميركا ومضجع كل الدول الصناعية، فيما بات يعرف بحرب المقاييس اي الـ«ستاندار«. فاذا كانت الصين هي مصنع العالم اليوم «وأمازون الانتاج»، فإنها ستكون ايضا السوق الاول، لا سيما بعد زيادة حجم الطبقة الوسطى القادرة على الاستهلاك. واذا كان الزبون دائما على حق بحسب القول الشائع فإن الصين هي التي سوف تفرض المقاييس والمعايير الصناعية في المستقبل. ويقول الكاتب تخيل ان مليار مستعمل للهاتف الجوال مثلا سوف يعتمدون مقياسا آخر، فانه من المتوقع حكما ان يتحول ما يختارونه الى مقياس عالمي ترضخ له الصناعات الدولية، وهذه قوة لا يستهان بها. ويقول الكاتب ان هذه القدرة هي سلاح استراتيجي لم تستعمله الصين بعد.وان من سوف يحدد المقاييس في المستقبل، هو الصين وليس ميكروسوفت.
GMT 16:45:00 2006 الخميس 14 سبتمبر
سلوى اللوباني
سلوى اللوباني من القاهرة: لا يكف المغترب عن الحفاظ على هويته والبحث عن مكان له في غربته... وقد يكون المكان قهوة أو مكتبة أو معلم حضاري أو غيره... ولكنه مكان يبعث الطمأنينة في نفسه ويساعده على استدعاء ذكرياته وثقافته...فتنشأ علاقة وجدانية بين المغترب وبين مكانه الذي اختاره.. وما يدعو الى التساؤل هنا الى أي مدى تستمر هذه العلاقة الوجدانية... وهل تأثيرها وقتي أم يستمر بعد مغادرة المكان؟ فقد اختار د. سعيد اللاوندي برج إيفل منذ وصوله الى باريس عام 1980 ليصبح مكانه الاثيري، المكان الذي يلتقي به مع رفاق الغربة ليتذكروا أيامهم الخوالي في مصر، يقول في كتابه "ثرثرة تحت برج إيفل..هموم جيل مغترب" أصبح البرج ملاذي الذي ألجأ اليه كل فترة، واعتدت أنا ورفاقي أن نلتقي هناك بموعد أو بدون موعد، وكما ذكر أنه كان يهرب اليه من ضوضاء الحياة الباريسية ليجد الهدوء والراحة في الحديقة الممتدة بجوار البرج. الحكم على الآخر:ضم في كتابه الصادر عن نهضة مصر كثير من الاقاصيص والحكايا تتعلق بأخص خصوصيات جيل من الطلاب المصريين السوربونيين الذين شاءت أقدارهم أن يتنفسوا هواء باريس العلمي والعملي، كما يضم ما تبقى من ذكريات ومواقف ومناسبات لم تعبث بها عوامل التعرية الزمانية على حد تعبيره، ومناقشات وأحاديث حول القضايا الدراسية هناك الى جانب مشكلاتهم الحياتية، وامتدت هذه النقاشات حول الصدمة الحضارية التي هزت جيل السبعينات والتي اعتبرها المؤلف من أصعب مراحل الانفتاح على الغرب فهذه الفترة شهدت ثورة في انقلاب القيم أو تبدلها، وشهدت تفكك الاتحاد السوفيتي واجتياح الليبرالية العالم أجمع، إضافة الى انفجار المعلوماتية والكمبيوتر والنت، وتسيد الاقتصاد الحر حركة التاريخ.. وإنزواء أفكار كانت لها الغلبة لعشرات السنين لتحل محلها أفكار أخرى، وتضعض بنيان أفكار القومية والثورية وتكافؤ الفرص والتكافل الاجتماعي، ليصبح الصوت الاعلى لمنطق السوق وهيمنة مبدأ تسليع الانسان والثقافة، يقول د. اللاوندي.. في أجواء هذا الزلزال القيمي والسياسي والاقتصادي حاول أبناء جيله أن يقبضوا في باريس على خصوصيتهم فكانوا أشبه بالقابض على الجمر، ولكن ذلك لم يمنع من سقوط بعضهم لهشاشته الفكرية أو لضعف بنيانه الثقافي، أو لسوء تقديره للمواقف، وهنا تُطرح تساؤلات عدة منها الى أي مدى تؤثر الغربة في طريقة تفكيرنا واتخاذنا القرارات أو تقيمنا للأمور؟ هل هي قرارات وتقييمات ثابتة؟ ألا يمكن أن تتبدل مع الوقت بتبدل الاوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية؟ وما هي الاسس التي بناء عليها نحكم على الاخر؟ هل هي أسس عامة أو وقتية؟ مناقشات وذكريات:من القضايا التي أثيرت خلال مناقاشاتهم مقتل "فرج فودة" وحرية الكتابة، وماذا يجب على الكٌتاب أن يكتبوا أو ماذا يريد القراء من العامة أن يكتب لهم؟ كما اشار د. اللاوندي الى حديثه مع البعض في مصر إبان اغتيال فرج فودة ليتعرف على وجهة نظرهم بما حدث، وقال البعض لم يعرف من هو فرج فودة، والبعض لم يهتموا لسؤاله، أما النسبة الاكبر كانت التي كفرته ووجدت أن اغتياله حلال فهو يستحق هذه النهاية، لانه زنديق الا أن المفارقة في الامر أن أي منهم لم يقرأ لفودة كتاباً، كما شملت المناقشات "عبد الرحمن بدوي" عندما قدم كتابه "سيرة حياة" الى إحدى دور النشر المصرية لتنشره فأتاه الجواب بالرفض بينما تمتلئ عشرات ومئات الكتب التي تروي قصة حياة بنت اسمها شريهان وحكاية ولد اسمه عدوية، فكيف يرفض نشر كتاب عن سيرة فيلسوف مصري الذي وضع أكثر من مؤلف في تاريخ الفكر الانساني، وتناول سلوكيات وممارسات الجاليات العربية والاسلامية في أوروبا مثل ما يحدث في مناسبة عيد الاضحى من ممارسات الذبح، فيقول بأن العرب يستسهلون عملية الذبح في المنازل داخل الحمامات وفي البانيو تحديداً وهو أمر غير مستساغ من عدة جوانب، كما تطرق الى قضية رفض فرنسا اعطاء تأشيرات لدخول 50 واعظاً وقارئاً مصرياً وجزائرياً وردة فعل العرب هناك على هذا القرار، وتناول الفرق بين عقلية وثقافة الاوروبي الباريسي وعقلية العربي من خلال عدة مواقف، وامتدت المناقشات الى عدة شخصيات عربية وغربية مثل البروفسور الجزائري محمد أركون ورئيس الوزراء الفرنسي الاسبق "بيير بيرجوفوا" الذي انتحر بعد نضال سياسي امتد لنحو نصف قرن، والمفكر والفيلسوف الفرنسي ديبريه، والمستشرق الفرنسي جاك بيرك، الشاعر السوداني صلاح أحمد ابراهيم، وحمادي الصيد مدير بعثة جامعة الدول العربية الاسبق في باريس، الاذاعي الللبناني حكمت وهبي، وفي باب مغتربون تحدث الكاتب عن المفكر لطفي الخولي، ود. لويس عوض، الناقد زكي مبارك، وغيرهم إضافة الى ذكرياته مع شخصيات عربية تواجدت في باريس لعدة أسباب شرح من خلالها بصورة مبسطة أحوالهم المعيشية والاجتماعية هناك وما يواجهونه في الغربة، ونذكر هنا أن د. سعيد اللاوندي حاصل على دكتوراة في الفلسفة السياسية جامعة باريس 1987، وخبير في العلاقات السياسية، وعضو المجلس المصري للشؤون الداخلية، استاذ محاضر في جامعات مصر وسويسرا وبلجيكا، قدم برامج سياسية وثقافية في اذاعتي مونتي كارلو والشروق وابرونيوز، رأس تحرير جريدة أخبار الجالية المصرية كما رأس اتحاد المصريين بباريس لعدة سنوات، أسس المركز المصري لحوار الثقافات في باريس، كاتب صحفي بجريدة الاهرام.
سلوى اللوباني من القاهرة: لا يكف المغترب عن الحفاظ على هويته والبحث عن مكان له في غربته... وقد يكون المكان قهوة أو مكتبة أو معلم حضاري أو غيره... ولكنه مكان يبعث الطمأنينة في نفسه ويساعده على استدعاء ذكرياته وثقافته...فتنشأ علاقة وجدانية بين المغترب وبين مكانه الذي اختاره.. وما يدعو الى التساؤل هنا الى أي مدى تستمر هذه العلاقة الوجدانية... وهل تأثيرها وقتي أم يستمر بعد مغادرة المكان؟ فقد اختار د. سعيد اللاوندي برج إيفل منذ وصوله الى باريس عام 1980 ليصبح مكانه الاثيري، المكان الذي يلتقي به مع رفاق الغربة ليتذكروا أيامهم الخوالي في مصر، يقول في كتابه "ثرثرة تحت برج إيفل..هموم جيل مغترب" أصبح البرج ملاذي الذي ألجأ اليه كل فترة، واعتدت أنا ورفاقي أن نلتقي هناك بموعد أو بدون موعد، وكما ذكر أنه كان يهرب اليه من ضوضاء الحياة الباريسية ليجد الهدوء والراحة في الحديقة الممتدة بجوار البرج.
الحكم على الآخر:ضم في كتابه الصادر عن نهضة مصر كثير من الاقاصيص والحكايا تتعلق بأخص خصوصيات جيل من الطلاب المصريين السوربونيين الذين شاءت أقدارهم أن يتنفسوا هواء باريس العلمي والعملي، كما يضم ما تبقى من ذكريات ومواقف ومناسبات لم تعبث بها عوامل التعرية الزمانية على حد تعبيره، ومناقشات وأحاديث حول القضايا الدراسية هناك الى جانب مشكلاتهم الحياتية، وامتدت هذه النقاشات حول الصدمة الحضارية التي هزت جيل السبعينات والتي اعتبرها المؤلف من أصعب مراحل الانفتاح على الغرب فهذه الفترة شهدت ثورة في انقلاب القيم أو تبدلها، وشهدت تفكك الاتحاد السوفيتي واجتياح الليبرالية العالم أجمع، إضافة الى انفجار المعلوماتية والكمبيوتر والنت، وتسيد الاقتصاد الحر حركة التاريخ.. وإنزواء أفكار كانت لها الغلبة لعشرات السنين لتحل محلها أفكار أخرى، وتضعض بنيان أفكار القومية والثورية وتكافؤ الفرص والتكافل الاجتماعي، ليصبح الصوت الاعلى لمنطق السوق وهيمنة مبدأ تسليع الانسان والثقافة، يقول د. اللاوندي.. في أجواء هذا الزلزال القيمي والسياسي والاقتصادي حاول أبناء جيله أن يقبضوا في باريس على خصوصيتهم فكانوا أشبه بالقابض على الجمر، ولكن ذلك لم يمنع من سقوط بعضهم لهشاشته الفكرية أو لضعف بنيانه الثقافي، أو لسوء تقديره للمواقف، وهنا تُطرح تساؤلات عدة منها الى أي مدى تؤثر الغربة في طريقة تفكيرنا واتخاذنا القرارات أو تقيمنا للأمور؟ هل هي قرارات وتقييمات ثابتة؟ ألا يمكن أن تتبدل مع الوقت بتبدل الاوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية؟ وما هي الاسس التي بناء عليها نحكم على الاخر؟ هل هي أسس عامة أو وقتية؟
مناقشات وذكريات:من القضايا التي أثيرت خلال مناقاشاتهم مقتل "فرج فودة" وحرية الكتابة، وماذا يجب على الكٌتاب أن يكتبوا أو ماذا يريد القراء من العامة أن يكتب لهم؟ كما اشار د. اللاوندي الى حديثه مع البعض في مصر إبان اغتيال فرج فودة ليتعرف على وجهة نظرهم بما حدث، وقال البعض لم يعرف من هو فرج فودة، والبعض لم يهتموا لسؤاله، أما النسبة الاكبر كانت التي كفرته ووجدت أن اغتياله حلال فهو يستحق هذه النهاية، لانه زنديق الا أن المفارقة في الامر أن أي منهم لم يقرأ لفودة كتاباً، كما شملت المناقشات "عبد الرحمن بدوي" عندما قدم كتابه "سيرة حياة" الى إحدى دور النشر المصرية لتنشره فأتاه الجواب بالرفض بينما تمتلئ عشرات ومئات الكتب التي تروي قصة حياة بنت اسمها شريهان وحكاية ولد اسمه عدوية، فكيف يرفض نشر كتاب عن سيرة فيلسوف مصري الذي وضع أكثر من مؤلف في تاريخ الفكر الانساني، وتناول سلوكيات وممارسات الجاليات العربية والاسلامية في أوروبا مثل ما يحدث في مناسبة عيد الاضحى من ممارسات الذبح، فيقول بأن العرب يستسهلون عملية الذبح في المنازل داخل الحمامات وفي البانيو تحديداً وهو أمر غير مستساغ من عدة جوانب، كما تطرق الى قضية رفض فرنسا اعطاء تأشيرات لدخول 50 واعظاً وقارئاً مصرياً وجزائرياً وردة فعل العرب هناك على هذا القرار، وتناول الفرق بين عقلية وثقافة الاوروبي الباريسي وعقلية العربي من خلال عدة مواقف، وامتدت المناقشات الى عدة شخصيات عربية وغربية مثل البروفسور الجزائري محمد أركون ورئيس الوزراء الفرنسي الاسبق "بيير بيرجوفوا" الذي انتحر بعد نضال سياسي امتد لنحو نصف قرن، والمفكر والفيلسوف الفرنسي ديبريه، والمستشرق الفرنسي جاك بيرك، الشاعر السوداني صلاح أحمد ابراهيم، وحمادي الصيد مدير بعثة جامعة الدول العربية الاسبق في باريس، الاذاعي الللبناني حكمت وهبي، وفي باب مغتربون تحدث الكاتب عن المفكر لطفي الخولي، ود. لويس عوض، الناقد زكي مبارك، وغيرهم إضافة الى ذكرياته مع شخصيات عربية تواجدت في باريس لعدة أسباب شرح من خلالها بصورة مبسطة أحوالهم المعيشية والاجتماعية هناك وما يواجهونه في الغربة، ونذكر هنا أن د. سعيد اللاوندي حاصل على دكتوراة في الفلسفة السياسية جامعة باريس 1987، وخبير في العلاقات السياسية، وعضو المجلس المصري للشؤون الداخلية، استاذ محاضر في جامعات مصر وسويسرا وبلجيكا، قدم برامج سياسية وثقافية في اذاعتي مونتي كارلو والشروق وابرونيوز، رأس تحرير جريدة أخبار الجالية المصرية كما رأس اتحاد المصريين بباريس لعدة سنوات، أسس المركز المصري لحوار الثقافات في باريس، كاتب صحفي بجريدة الاهرام.
http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?c=Article&cid=1158492136208&pagename=Albayan%2FArticle%2FFullDetail
مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور مالكوم سي. ليونز أستاذ التاريخ والأدب العربي في قسم الدراسات الشرقية بجامعة كامبردج. وكان قد نشر في العام الماضي كتابا ضخما مؤلفا من ثلاثة أجزاء تحت عنوان: الملحمة العربية.
وفي هذا الكتاب الجديد الذي صدر مؤخرا يتحدث الباحث الإنكليزي عن إحدى أهم الشخصيات في التاريخ العربي الإسلامي: صلاح الدين الأيوبي. فمن هو هذا الرجل يا ترى؟ يقول المؤلف بما معناه: ولد صلاح الدين في عائلة كردية بمدينة تكريت عام 1137م.
وكان ينتمي مع والده أيوب وعمه شيركوه إلى عائلة عسكرية كردية واقعة في خدمة الأمير التركي لحلب: نور الدين. وبعد أن كبر ولفت الأنظار إلى مواهبه السياسية والعسكرية أرسله الأمير نور الدين إلى مصر لمساندة السلالة الفاطمية التي كانت تعاني من صعوبات جمة في مواجهة الصليبيين.
وفي عام 1169 أصبح وزيرا لدى الخليفة الفاطمي وحل بذلك محل عمه في هذا المنصب. ثم استطاع بعدئذ أن يعيد تنظيم الجيش المصري وينعش الاقتصاد وينفخ روح الثقة في البلاد.
وبعد أن أصبح ذا شعبية كبيرة وقويت عزيمته وشهرته راح يلغي الخلافة الفاطمية عام 1171 ويؤسس محلها السلالة الأيوبية. وهكذا وضع حدا لإحدى أكثر الفترات ازدهارا وتسامحا في التاريخ الإسلامي لمصر. وبدأ عهدا جديدا مليئا بالوعود والأمجاد.
وهكذا أصبح صلاح الدين الأيوبي سلطانا على مصر وعلى الرغم من أن العديد من السلجوقيين الأتراك رفضوا الخضوع له والعمل في خدمته لأنه كردي! ولكنه استطاع بمهارته ومعونة إخوته أن يرسخ أقدامه في مصر ويجعل منها مملكة للعائلة الأيوبية. كما أنه أعاد المذهب السني إليها بعد سنوات طويلة من الحكم الشيعي الفاطمي. ويقال بأن أوضاع المسيحيين واليهود تدهورت بعدئذ ولم تعد مريحة كما كان عليه الحال في السابق.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبعدئذ حصلت المنافسة بينه وبين حاكم سوريا نور الدين. واشتدت الخصومة إلى درجة أنهما أوشكا على الاشتباك مع بعضهما البعض لولا أن نور الدين مات فجأة عام 1174. وعندئذ أصبحت الفرصة سانحة أمام صلاح الدين لكي يفتح سوريا ويشكل مملكة قوية قادرة على دحر الصليبيين. وبالفعل فقد سار على دمشق وفتحها بشكل سلمي واستقبل استقبالا حافلا من قبل السكان. وعلى الرغم من أنه لم يفتح حلب والموصل إلا أنه استطاع أن يمدّ نفوذه عليهما عامي 1176-1186 على التوالي.
ولم يتحرش بمملكة الصليبيين أثناء تلك الفترة كلها لأنه كان مشغولا بترسيخ سلطته على سوريا. وكان يحضر نفسه لليوم الموعود ولا يريد أن يستبق الأمور قبل أن تتشكل لديه القوة الكافية.
وهذه هي طبيعة القادة العسكريين الكبار. فهم يعدون للأمور عدتها ولا يغامرون بشكل ارتجالي دون أي تفكير عميق أو تخطيط محكم. والواقع أنه عاش ظروفا صعبة آنذاك، فلم يكن قد أكمل فتح سوريا كلها. يضاف إلى ذلك أن بودوان الرابع، ملك الصليبيين ألحق به هزيمة منكرة عام 1177.
وفي ذات الوقت راح أحد قادة الصليبيين واسمه رينو دو شاتيون يتحرش بالطرق التجارية السورية بل ويهدد بمهاجمة مكة المكرمة بواسطة أسطوله المتواجد في البحر الأحمر.
ولكنه بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ أصبح واثقا من نفسه وقوته. ولذلك قرر الانتقام من أعدائه عام 1187 حيث جرت معركة حطين الشهيرة التي انتصر فيها انتصارا باهرا على الصليبيين.
واستطاع أن يأسر ذلك الشخص الذي أراد غزو مكة ثم نفذ فيه حكم الإعدام فورا. ثم دخل القدس فاتحا في الثاني من أكتوبر عام 1187. واستعاد أيضا كل المدن الأخرى من الصليبيين ما عدا صور.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكنه أبدى شهامة وفروسية قل نظيرها في تلك العصور. فقد أعطى الأمان للمسيحيين وسمح لهم بأن يلتحقوا بالشواطئ وأن يأخذوا معهم بعض ممتلكاتهم. وهو كرم حاتمي واستثنائي نادرا أن يصدر عن المنتصر في العصور الوسطى.
وقد ترك للمسيحيين كنيستهم في القدس، وكذلك أعاد لليهود حائط المبكى وكل صوامعهم. ومعلوم أن الصليبيين كانوا قد استولوا عليها وحرموهم منها نظرا للعداء التاريخي القديم بين اليهود والمسيحيين. ومعلوم أن هؤلاء الأخيرين كانوا يتهمونهم بقتل المسيح أو على الأقل بالتواطؤ مع القتلة الرومانيين.
ولكن معركة حطين وسقوط القدس في أيدي المسلمين أديا إلى حصول الحملة الصليبية الثالثة كرد فعل. واستطاعت هذه الحملة أن تستولي على عكا وأن تهزم صلاح الدين عام 1191 على يد ملك انكلترا ريتشارد الأول. ولكن على الرغم من ذلك فإن العلاقات بين الرجلين كانت جيدة.
وعندما سمع صلاح الدين بأن الملك المسيحي جرح في الحرب اقترح عليه طبيبه الشخصي لكي يعالجه! وهذا الطبيب لم يكن إلا الفيلسوف اليهودي الكبير: موسى ابن ميمون الذي لا يقل أهمية عن ابن رشد في تلك العصور. وربما كان من تلامذته أو ممن استفادوا من علمه الغزير.
وعندما فقد الملك ريتشارد حصانه في المعركة أرسل له صلاح الدين الأيوبي حصانين مكانه! ثم توصل الطرفان إلى اتفاق حول القدس عام 1192. وكان يقضي بأن تظل إسلامية ولكن تفتح أبوابها للحجاج المسيحيين.
وبعد عودة الملك الإنكليزي إلى بلاده بفترة قصيرة مات صلاح الدين الأيوبي في دمشق عام 1193 عن عمر لا يتجاوز السادسة والخمسين عاما. ولكنه كان قد دخل التاريخ من أوسع أبوابه بصفته الرجل الذي استطاع توحيد الامبراطورية العربية بجناحيها السوري والمصري. كما واستطاع أن يهزم الصليبيين في واحدة من أشهر معارك التاريخ.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكنه دخل التاريخ أيضا بميزاته الفروسية وشهامته التي أدهشت كل معاصريه. وقد أعجب به حتى أعداءه من الصليبيين. وتشكلت حوله الأساطير في أوروبا المسيحية بل وكتبت عنه القصائد والأشعار بصفته أفضل خصم أو أرقى عدو يمكن أن يحلم به الإنسان.
ولكن بعض المؤرخين يقولون بأن شهامته كانت نسبية على الرغم من كل شيء. فقد أمر بإعدام ثلاثمئة راهب صليبي بعد انتصاره. صحيح أنه ترك معظم السكان المسيحيين في القدس يغادرونها بسلام ولكنه طلب منهم جزية كبيرة وبخاصة من الأغنياء. ثم أطلق سراح سبعة آلاف فقير بعد أن دفعت عنهم الكنيسة مبلغا من المال.
وأما الباقون من الشباب والذين يتراوح عددهم بين أحد عشر ألفا وستة عشر ألفا فلم يدفع عنهم أحد. ولذلك تحولوا إلى عبيد عند المسلمين. وهكذا سقطت القدس في أيدي المسلمين بعد أقل من قرن على احتلالها من قبل الصليبيين. ويرى بعض الباحثين أنه لولا الخلاف الذي جرى بين الأمراء المسيحيين لما استطاع صلاح الدين أن ينتصر عليهم في معركة حطين الشهيرة. ولكن ذلك لا يقلل من عظمة صلاح الدين الأيوبي وعبقريته الاستراتيجية.
فهو لم يواجه الصليبيين صراحة على المكشوف إلا بعد أن وحّد جناحي الامبراطورية العربية الإسلامية: أي سوريا ومصر. والواقع أن هذا العمل كان بمثابة المعجزة في ذلك الزمان. فالانقسامات كانت كبيرة في بيت المسلمين أيضا.
فنور الدين الذي كان يحكم سوريا من حلب ضغط على صلاح الدين لكي يسلمه حكم مصر. ومعلوم أن صلاح الدين كان أحد ضباط نور الدين. كما وضغط عليه لكي تتم خطبة الجمعة في مساجد مصر باسم الخليفة العباسي في بغداد لا باسم الخليفة الفاطمي في القاهرة.
ولكنه تردد كثيرا قبل أن يلبي هذا الطلب خوفا من إثارة هبة شعبية ضده لأن سكان البلد كانوا متعلقين بالخلافة الفاطمية التي بنت الأزهر من جملة أشياء أخرى عديدة. ولكنه استغل موت الخليفة الفاطمي لكي يقفز على سدة السلطة ويأخذ محله.
مهما يكن من أمر فالرجل كان ذا عبقرية سياسية وعسكرية في آن معا. ولولا ذلك لما استطاع أن يتوصل إلى كل هذا المجد ويحقق كل هذه المنجزات في ظروف أقل ما يقال فيها أنها كانت مضطربة جدا وشديدة الصعوبة ومحفوفة بالمخاطر.
*الكتاب: صلاح الدين الأيوبي: سياسة الحرب المقدسة
*الناشر: الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2006
*الصفحات: 464 صفحة من القطع الكبير
Saladin : the politics of the holy war
Malcolm C. Lyons
Cambridge University Press2006
مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جاك دونزلز الأستاذ المحاضر في جامعة فانتير والمستشار في ما يخص الشؤون العمرانية والمدنية الفرنسية، وهو يقدم في كتابه الجديد لمحة عامة عن أزمة الضواحي الفرنسية الفقيرة التي انفجرت في أواخر العام الماضي على هيئة ثورة عارمة. ومعلوم أن الحرائق التي أشعلتها هذه الثورة الاجتماعية ملأت شاشات التلفزيون والفضائيات في العالم أجمع.
واعتقد الناس أنهم يعيشون أو يشهدون ثورة فرنسية جديدة أو نوعاً من كومونة باريس التي اندلعت في أواخر القرن التاسع عشر بسبب الفقر أيضاً واستغلال البرجوازية للطبقة العمالية الكادحة أبشع استغلال.ومعلوم أن الشرارة التي أدت إلى اندلاع ثورة الضواحي المليئة بالعمال المغتربين هي كلمة واحدة صدرت عن وزير الداخلية نقولا ساركوزي، فقد وصفهم بأنهم أوباش أو رعاع. وعندئذٍ انفجر هؤلاء الناس الذي يعيشون في ظروف بائسة جداً وفي أحياء وسخة وبشعة ومحرومة من كل عناية، لقد انفجروا دفاعاً عن كرامتهم وتعبيراً عن سخطهم على إهمال الدولة لهم وعدم اهتمامها بمعاناتهم ومشكلاتهم الاجتماعية العديدة.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن هذه الثورة العارمة لم تكن أول انتفاضة تقوم بها الضواحي المليئة بالعرب والسود عموماً. وهي الضواحي التي تحيط بالمدن الفرنسية الكبرى كباريس ومرسيليا وليون وسواها. ففي عام 1981 حصلت أول انتفاضة في ضواحي ليون، وكان ذلك بعد انتخاب أول رئيس اشتراكي للبلاد بفترة قصيرة: فرانسوا ميتران. وحاولت الحكومة الاشتراكية وقتها أن تأخذ مطالب المتمردين بعين الاعتبار. ولكن من دون أن تفعل شيئاً يُذكر على أرض الواقع. فالشيء الذي قدمته لم يكن كافياً أبداً. صحيح أنها راحت تتحدث عن ضرورة احترام التعددية العرقية والثقافية لفرنسا، وراحت تعترف بأنها أصبحت متعددة الأعراق والألوان. لقد أصبحت مشكَّلة من السود والبيض والعرب. وقدمت بعض المكاسب البسيطة للأحياء الفقيرة ثم اكتفت بذلك.
وبدءاً من عام 1983 راح اليمين المتطرف بقيادة جان ماري لوبن يستغل الوضع ويحذر الفرنسيين من خطورة هؤلاء العمال المغتربين عليهم. وهكذا وبدلاً من أن يتعاطف مع أناس فقراء قدموا دمهم وعرق جبينهم لفرنسا راح يشنّع بهم ويؤلِّب السكان الأصليين عليهم.
راح يقول للطبقات الشعبية الفرنسية: إن سبب مشكلاتكم الاقتصادية يعود إلى وجود هؤلاء العمال الأجانب الذين يسرقون عملكم ويأكلون لقمة عيشكم. وبالتالي فأموركم لا يمكن أن تتحسن إلا بعد طردهم من البلاد. والبطالة المتفشية بين صفوفكم تزداد وتتفاقم ما داموا هنا.
ولكن ماذا يمكن أن ننتظر من اليمين المتطرف؟ هل ننتظر منه النزعة الإنسانية والشفقة على الفقراء؟ مهما يكن من أمر فإن اليمين المتطرف ابتدأ في تلك اللحظة يكسب الأصوات العديدة في الانتخابات الفرنسية، بل وأصبح يمثل ما لا يقل عن 15% من عدد الأصوات. وهي نسبة مرتفعة جداً ما كان يحلم بها سابقاً أبداً.
في السابق لم تكن تتجاوز نسبته 5% على أحسن تقدير. وبالتالي فلو لم يلعب على وتر العصبية القومية الضيقة وكره الأجانب لما استطاع تحقيق كل هذا النجاح الانتخابي.ولكن من أين جاء كل هؤلاء العمال المغتربين؟
وكيف تشكلت هذه الضواحي البائسة حول المدن الفرنسية؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً: بعد الحرب العالمية الثانية خرجت فرنسا مدمرة من الحرب، وكانت بحاجة إلى عمال كثيرين لإعادة بنائها.
وبما أن الفرنسي كان يرفض ممارسة بعض الأعمال المرهقة في المصانع وأعمال البناء، خصوصاً أن أرباب العمل راحوا يبحثون عن العمال في البلاد الأجنبية. وهكذا سافروا بالطائرات إلى بلدان المغرب العربي لكي يستقدموا إليه العمالة الرخيصة من هناك.
وبالتالي ففي البداية كانت فرنسا هي الطالبة، وهي التي دعت هؤلاء الناس للمجيء إليها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وليس صحيحاً ما يقول اليمين المتطرف من أنهم غزوا البلاد أو دخلوها سراً لكي ينهبوا رزقها، ولكي يعيشوا على حساب الفرنسي.. هذه دعايات كاذبة.
في البداية جاء العامل المغربي أو التونسي أو الجزائري بناء على طلب السلطات الفرنسية لإدارة عجلة المصانع، وملء ورشات العمل والبناء. فيما بعد حصل دخول للعمال سري، ولكن ليس في البداية.يضاف إلى ذلك أن أرباب العمل الفرنسيين كانوا يعرفون أن العامل الأجنبي شديد الخضوع والطواعية على عكس العامل الفرنسي الذي ينتظم في نقابات عمالية ويقوم بالإضرابات ويتجرأ على تحدي الدولة وكبار القوم من بورجوازيين ورأسماليين.
أما العامل الأجنبي سواء أكان عربياً أم إفريقيا أسود فيخاف على نفسه ووظيفته، ولا يتجرأ على رفع رأسه أمام أرباب العمل. ولهذا السبب رغبوا به واستقدموه بعشرات الآلاف أو مئات الآلاف إلى فرنسا. وفي البداية كان الكثير من العمال يسكنون في أحياء الفرنسيين نفسها، ولكن بمرور الزمن تشكلت لهم أحياء خاصة بهم بعد أن استقدموا عائلاتهم لكي تلحق بهم. وعلى هذا النحو تشكلت الضواحي الفقيرة التي تثور اليوم.
والواقع أنها لم تثر ولم تنتفض إلا مؤخراً. والسبب بسيط: ففي البداية كان هناك عمل للجميع، وبالتالي فالرزق مؤمَّن ولا داعي للاحتجاج أو الثورة، فطيلة السنوات الثلاثين المجيدة والمزدهرة التي عاشتها فرنسا بين عامي (1950 ـ 1980) لم تكن هناك بطالة في البلاد، كل الناس تقريباً كانوا يجدون عملاً لهم إذا ما أرادوا.
ولكن بعد ذلك ابتدأت المشاكل الاقتصادية، وأصبح أرباب العمل يسرّحون العمال بالآلاف. وكان أول المسرحين العمال الأجانب بطبيعة الحال. وهكذا ازداد الفقر والتهميش في الضواحي التي أصبحت بائسة بعد أن كانت مزدهرة نسبياً. ثم نشأ الجيل الثاني والثالث من أولاد المغتربين في جو مزعج لا يكاد يحتمل. وهو الجيل الذي انتفض مؤخراً وحرق الأخضر واليابس وشوه سمعة فرنسا في الخارج.
فهذا الجيل عندما يعود إلى البيت يجد أباه عاطلاً عن العمل ولا يستطيع أن يقدم له شيئاً يذكر. ولذلك يسرح في الشوارع ويمارس التجارة بالمخدرات أحياناً لكي يكسب عيشه. وبما أن الفقر هو سبب كل الآفات الاجتماعية فإن الكثيرين يتحولون إلى عصابات زعران أو قطاع طرق تقريباً. ويصبحوا يخيفون الناس أو يعتدون عليهم أو يسرقونهم. ولذلك توجد أحياء في فرنسا لا يتجرأ حتى البوليس أن يدخل إليها.
إنها تستعصي على الدولة وتعيش خارج القانون.ثم يردف المؤلف قائلاً: إن الضغط يولد الانفجار فالحالة لم تعد تحتمل في هذه الضواحي المهمشة والمحتقرة من قبل الشعب الفرنسي. عموماً الناش يعيشون في «غيتوهات» مغلقة على ذاتها ومقطوعة عن العالم الخارجي: أي عن الشعب الفرنسي، وهكذا تفككت المدينة الفرنسية وأصبحت عدة مدن دفعة واحدة.
وهي مدن متجاورة ومتعادية في الوقت ذاته.ولذلك لجأ الكثيرون من الشباب إلى الدين كوسيلة لحل مشكلتهم، وبعضهم انخرط في الحركات الأصولية المتطرفة لأنها هي وحدها التي تعطيه الأمل والإحساس بإنسانيته، بهويته وجذوره.
وهكذا اندلعت مشاكل عديدة في المجتمع الفرنسي كان بغنى عنها. ولكن السياسة المتبعة من قبل اليمين أو اليسار حتى الآن لم تستطع أن تجد حلاً لمشكلة الضواحي. وبالتالي فهي من أكبر المشاكل المطروحة على المجتمع الفرنسي حالياً وفي السنوات المقبلة. ويرى بعض الخبراء أن الطبقة السياسية الفرنسية ترفض أن تدفع ثمن الحل: أي عدة مليارات من الدولارات أو اليورو.
وينصح المؤلف باتباع سياسة جديدة ومسؤولة لحل هذه المشكلة الخطيرة التي أصبحت تهدد ليس فقط الضواحي وإنما المجتمع الفرنسي كله. فالمدينة الفرنسية أصبحت مفككة ومقسومة إلى عدة دوائر منفصلة عن بعضها البعض بل ومتخاصمة.
وبالتالي فينبغي تغيير هذا الوضع عن طريق اتباع سياسة جديدة للمدن ومحاربة الفقر والتهميش الاجتماعي المنتشر بكثرة في أوساط العمال المغتربين وفي بعض الأوساط الفرنسية أيضاً. ينبغي انتهاج سياسة جديدة كاملة ومختلفة كلياً عما سبق للخروج من هذا المأزق الكبير.
*الكتاب:عندما تتفكك المدينة
ما هي السياسة التي ينبغي اتباعها تجاه أزمة الضواحي؟
*الناشر:سويل ـ باريس 2006
*الصفحات:188 صفحة من القطع الكبير
QUAND LA VILLE SE DEFAIT
QUELLE POLITIQUE FACE A LA CRISE
DES BANLIEUES
JACQUES DONZELOT
SEUIL-PARIS 2006
P.188
سيد قطب هو «سيد عصر الإرهاب»
رفعت السعيد يشن هجوماً عنيفا على «التأسلم السياسي» في كتاب جديد له
يناقش المؤلف في هذا الكتاب فكر الجماعات المتأسلمة الحديثة، فيرى أنه يقوم على التفسير النصي، مثال ماحدث عندما تعرض حسن البنا لأول خلاف داخل جماعته «اختلف معه بعض إخوانه عندما قبل دعما ماليا من شركة قناة السويس الاستعمارية فأمر بالمخالفين فضربوا وبرر ذلك مستندا إلى: من خرج على الجماعة فاضربوه بالسيف».
يقف الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع المصري موقفا معارضا من قضية استخدام الدين في العمل السياسي، حيث يرى أنه لا يجوز اتخاذ الدين سلعة في سوق السياسة المليء بالمتناقضات والمصالح المغرضة. ويتبلور هذا المفهوم بشكل جلي في كتاباته التي تعتمد على الجدل والحوار في فهم حقائق الأمور؛ وإعمال منطق العقل في النظر إليها، بما يخدم المصلحة العامة للمجتمع وللناس.
في إطار هذا المفهوم يتناول الدكتور رفعت في كتابه «التأسلم السياسي.. جماعة الإخوان المسلمين نموذجا» الصادر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، مسألة التأسلم السياسي بمعنى إلباس الموقف السياسي أو المصلحة السياسية ثيابا دينية، حيث يرى إن هذه المسألة التي بدأت من الصراع على السلطة في نهاية عهد الخلفاء الراشدين واستمرت خلال الدولة الأموية ثم العباسية وتمادت إلى أسلحة السياسة فأخذت تتخلق في ثنايا مقولات وأقاويل جماعة «الإخوان المسلمين» فتارة هم مجموعة الناطقين بالشهادتين في مواجهة الكفار الذين ينكرون على الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته، وتارة أخرى هم أهل الحل والعقد في الإسلام، وأخيرا استخدامهم منهجية التفسير النصي للقرآن الكريم، اي عدم الاعتداد بأسباب التنزيل وبواعثه وظروفه، مشيرا إلى أن فقه التفسيرالنصى يخلط بين الدين المعطى السماوي وبين الفكر الديني وهو بالضرورة معطى انساني. ويؤكد السعيد على أن عملية تسييس الدين أو نديي السياسة هي فعل خاطئ من الناحية المنهجية، فالسياسي الذي يطرح رأيا أو موقفا أو برنامجا فإن اختلفت معه كنت معارضا له أو معترضا عليه، لكن هذا الرأي إن جاء متشحا بالدين ومستخدما رداءً دينيا فهو يفرض على المسلمين بأن هذا الكلام هو الدين ذاته أو في أحسن الأحوال هو الرأي الصحيح في الدين وفي معطياته، فلا احد يخالفه لأن المخالفة له تعد مخالفة لصحيح الدين. ويوضح السعيد أن فكرة احتكار الدين لصالح جماعة سياسية يعطيها الحق في الاستقواء بالدين على جميع من عداها فتصبح هذه الجماعة هي الممسكة بمفاتيح الصحيح والخطأ لأنها الممسكة بمفاتيح الحلال والحرام وبالتالي لايجوز الخروج عما تراه هذه الجماعة صحيحا، فالخارجون عليها يجب ضربهم بالسيف. ومن ثم تنمو بذور العنف ويصبح أداة طيعة في يد تلك الجماعة لتأديب الخارجين.
ويناقش المؤلف فكر الجماعات المتأسلمة الحديثة، فيرى أنه يقوم على التفسير النصي، مثال ماحدث عندما تعرض حسن البنا لأول خلاف داخل جماعته «اختلف معه بعض إخوانه عندما قبل دعما ماليا من شركة قناة السويس الاستعمارية فأمر بالمخالفين فضربوا وبرر ذلك مستندا إلى: من خرج على الجماعة فاضربوه بالسيف». ويرصد المؤلف بعض مخاطر التأسلم السياسي فيما يسميه «التفيقه» أي محاولة اعتصار مواقف دينية حول مستجدات دنيوية لم ترد في أصول الشريعة ولا فروعها.
ويرى أن الدين مطلق الصحة وان الفكر الديني نسبي الصحة، لأنه رؤية إنسانية تتغير بتغير الزمان والمكان.
ويتناول الدكتور السعيد مفهوم التأسلم وروافده سعيا وراء فهم حقيقي لجماعة الإخوان المسلمين، نشأتها، وتاريخها، وفكرها، وممارستها ثم تداعياتها، وتوابعها، ويبدأ ببطاقة الهوية المطولة لمؤسس جماعة الإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا، ثم بطاقة الهوية للجماعة. وذلك في إطار مناقشة مستفيضة لمفهوم البيعة «السمع والطاعة»، والجهاز السري الذي بدأ بالجوالة ثم كتائب أنصار الله فموقف الجماعة من القضية الاجتماعية ودورهم في الحركة العمالية المصرية وتكفير كل من يتصل بالقانون الوضعي مع التأكيد على أسلوب المرونة والغموض، فمرة الإخوان دعوة سلفية وطريقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية. ومرة دعوة القرآن والحق الشامل، إلى أن وصلت إلى دعوة الثمرة الناضجة للشيخ سيد قطب الذي يدعو الى تكفير المجتمع الحاكم والمحكوم على السواء.
ثم يعقب المؤلف بقوله انه في ظل وجود قيادة لجماعة الإخوان المسلمين منغلقة على نفسها لا تمتلك لا الكفاءة الفكرية ولا التنظيمية التي اعتاد عليها الاخوانيون ومع بروز قيادات من الكوادر الوسطى اكتسبت في ظل ظروف محددة بعضا من وجود جماهيري وهي قيادات قدمت الى الجماعة من صفوف «كرة الثلج» التي ولدها سيد قطب، أي من صفوف الجماعات الجهادية كما يسمونها، فهم ـ حسب تعبير المؤلف ـ دخلوا الجماعة شبانا «طلابا أو خريجين جددا» صعدوا خطوة أو خطوتين ثم كفى، فالحصون العليا في قيادة الجماعة محصنة لا يمسها إلا «المقربون» ابن المرشد المؤسس وابن المرشد التالي، أما هؤلاء الغرباء فلا مكان لهم في قمم القيادة الاخوانية. ويستشهد المؤلف ببعض الأدلة على ذلك فيقول إن القيادة العليا في جماعة الإخوان المسلمين بدأت تلعب لعبة غريبة تورط قواعدها ولا تتورط هي فيها، فهم يسجنون وهي تنجو.
ثم تناول الدكتور السعيد شكل التنظيم الداخلي لجماعة الإخوان وطريقة استخدامها وممارستها للديمقراطية، حيث يرى أن الجماعة تفتقد أي شكل من أشكال الديمقراطية متسائلا: أية ديمقراطية مع من بايعت المستشار مأمون الهضيبي أو مصطفى مشهور أميرا أو مرشدا على السمع والطاعة في المنشط والمكره؟، وأية ديمقراطية فيما أسمى ببيعة المقابر؟ حيث وبشكل مفاجئ بويع مصطفى مشهور مرشدا عاما للجماعة خلال مراسم دفن المرشد السابق، بايعه المشيعون دون ترتيب ودون احتراز من أن يكون المبايعون لا يمثلون الجماعة تمثيلا حقيقيا أو حتى لا يكونوا أعضاء فيها.
ويرى المؤلف أن مثل هذه العوامل أدت إلى التململ في صفوف الكوادر الوسطى وظهرت تداعيات جديدة تمثلت في انشقاقات من الجماعة بعضها أسمى نفسه «حزب الوسط تحت التأسيس» وآخرون كثيرون متمردون صامتون أو منسجمون دون ضجيج أو يستعدون لذات الشيء.
ويخلص الدكتور رفعت السعيد إلى أن الإرهاب يبدأ فكرا اي انه يبدأ بفكرة خبيثة متأسلمة لا تلبث أن تقتاد صاحبها أو متلقيها خطوة في طريق المفاصلة مع المجتمع أو مع كل مختلف معه، ويصبح الآخر هو العدو، مؤكدا أن الفكر الانساني النسبي الصحة يروج له باعتباره ذات الدين «الالهي المحتوى والكلي الصحة» ولذلك فإن الآخر العدو يصبح بالضرورة الكافر الذي يجب أن يقام عليه الحد اي حد الردة ويصف المؤلف حسن البنا المرشد العام الأول للجماعة بأنه البذرة الصالحة وسيد قطب بأنه الثمرة الناضجة الذي دعا الى فكرة التكفير، وبالتالي لم يوجه اي اخواني أيا كان مرتبته اي نقد أو شبه نقد لممارسات سيد قطب الذي يعتبره المؤلف سيد عصر الإرهاب الحالي، مؤكدا ان كل الإرهابيين المتأسلمين الذين ملأوا الدنيا قتلا وسفكا للدماء هم قطبيون «نسبة إلى سيد قطب»، حيث بدأ سيد قطب في استقطاب أكثر عناصر شباب الجماعة تشددا ليكون منهم تيارا ينتقد اعتدال البعض من رموز الجماعة ويدعو إلى تكفير المجتمع وكان من ابرز هؤلاء تلميذه في السجن «شكري مصطفى» الذي سرعان ما كون بعد خروجه من السجن «الجماعة المسلمة أي التي أسميت إعلاميا بجماعة التكفير والهجرة ثم تولدت عن هذه الجماعة جماعات أخرى أكثر تشددا مثل جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية وما أفرزتاه من تكوينات تالية عانى منها المجتمع ولا يزال يعاني
أميركا تحتاج إلى تغيير قلبها
جورج سوروس يعتبر حرب الإرهاب خطأ تاريخياً في كتاب جديد له
أصبح جورج سوروس، المهاجر من المجر، واحدا من اشهر البليونيرات في اميركا، وذلك بسبب مضارباته واستثماراته، قبل عشر سنوات تقريبا (اهتز العالم بسبب ازمة ارصدة اجنبية لدول في آسيا، وراهن هو على الجنيه الاسترليني، وكسب).
لكنه لم يكتف بثروته فقط، وإنما أصدر عدة كتب ينتقد فيها السياسة الاميركية، خاصة الخارجية. وكان من أوائل الذين وقفوا ضد الحرب على العراق، وفيما بعد أصبح من أوائل الذين ينتقدون الحرب ضد الارهاب، ويخصص له كتاباً كاملاً
دعا جورج سوروس، مؤلف كتاب «عواقب الحرب ضد الارهاب»، الى اعادة النظر في حرب الارهاب حسب استراتيجية الرئيس جورج بوش، وقال ان اميركا تحتاج «الى تغيير قلبها»، اي تغيير نظرتها الى الاشياء، خاصة بعد هجوم 11 سبتمبر.
وجورج سوروس، المهاجر من المجر، صار واحدا من اشهر البليونيرات في اميركا، وذلك بسبب مضارباته واستثماراته، قبل عشر سنوات تقريبا (اهتز العالم بسبب ازمة ارصدة اجنبية لدول في آسيا، وراهن هو على الجنيه الاسترليني، وكسب).
ووظف سوروس ثروته: اولا، في تطوير الديمقراطية في المجر وبقية دول اوروبا الشرقية.
ثانيا، في تأسيس منظمات ليبرالية في اميركا، وصفها البعض بأنها «اعلان حرب» ضد الجمهوريين المحافظين والمسيحيين المتطرفين (الذين زاد تأثيرهم على السياسة الاميركية الداخلية والخارجية، خاصة خلال السنوات الست الاخيرة، بعد سيطرة الحزب الجمهوري على البيت الابيض ومجلسي الكونغرس مجتمعين).
ثالثا، في تشجيع سياسة خارجية اميركية «متوازنة» (خاصة في الشرق الاوسط)، وهو من الذين يدعمون «انترناشونال كرايسيس غروب» (اي سي جي) التي تصدر تقارير عن كيفية منع الكوارث السياسية الدولية قبل وقوعها.
شرح سوروس آراءه وانجازاته في ثمانية كتب كتبها، ومنها: «قراءة عقل السوق»، وتحدث فيه عن كيفية جمع ثروته، و«فتح النظام السوفييتي» عن الاستثمارات هناك بعد سقوط الشيوعية، و«تبني الديمقراطية» عن جهوده في شرق اوروبا، وكذلك «سوروس يكتب عن سوروس» الذي تحدث فيه عن نفسه، و«ازمة الرأسمالية العالمية» و«اصلاح الرأسمالية العالمية» و«العولمة» و«فقاعة التعالي الاميركي: ثمن حرب بوش في العراق».
وصدر الكتاب الاخير قبل سنة ونصف السنة، وأثار ضجة لأنه كان من اوائل الكتب الاميركية، بل ربما اول كتاب اميركي، ينتقد غزو العراق. واعتبر مراقبون وصحافيون ذلك شجاعة منه، رغم ان مؤيدي غزو العراق والرئيس بوش انتقدوه نقدا عنيفا.
وبدأ الكتاب الجديد، «عواقب الحرب ضد الارهاب»، يثير ضجة ايضا لانه اول كتاب ينتقد الحرب ضد الارهاب، واعتبر مراقبون وصحافيون هذا، ايضا، شجاعة منه.
وبدأ، فعلا، مؤيدو الرئيس بوش حملة ضد الكتاب وضد مؤلفه. وشكك، في الاسبوع الماضي، شين هانيتي، (مقدم برنامجين، اذاعي وتلفزيوني) في وطنية سوروس، واشار، غامزا، الى انه ولد في «شرق اوروبا الشيوعية»، وقال انه جاء الى اميركا واصبح بليونيرا و«نسي البروليتاريا»
وانتقده هانيتي وغيره سوروس، لأنه، كما قالوا، صرف ملايين الدولارات لاسقاط الرئيس بوش في الانتخابات الرئاسية سنة 2004، ويصرف الآن ملايين الدولارات ليفوز الحزب الديمقراطي بمقاعد كثيرة تجعله قادرا على السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، بعد ان ظل الحزب الجمهوري يسيطر عليهما لعشر سنوات تقريبا.
لم ينف سوروس انه يؤيد الحزب الديمقراطي، ويريده ان يفوز. لكنه انتقد قادة الحزب لأنهم، بعد هجوم 11 سبتمبر على اميركا، «يخافون من انتقادات الجمهوريين لهم بأنهم ليسوا حريصين على محاربة الارهاب، ولهذا ينافسون الجمهوريين في الحماس لحرب الارهاب».
لكن سوروس قال: «لست حريصا على اصلاح الحزب الديمقراطي بقدر ما انا حريص على ان تكون الولايات المتحدة دعامة الاستقرار في العالم، وحارسة حضارتنا». وانتقد السياسة الخارجية الاميركية (خاصة نحو الشرق الاوسط)، وقال انها، على الاقل، يجب ان تقتدي بالسياسة الخارجية الاوروبية.
واضاف: «انا اميركي، واخترت اميركا وطنا لي. لكنني اوروبي ايضا. وجعلني فشل السياسة الاميركية اتمنى لو انها صارت مثل السياسة الاوروبية».
واكد سوروس، مثلما اكد في كتب سابقة، انه فخور بجنسيته الاميركية وبانتمائه الى اميركا، رغم معارضته لسياستها الخارجية. واعترف بأنه لا يقدر على ان يفهم لماذا انتخب الشعب الاميركي الرئيس بوش للمرة الثانية في انتخابات سنة 2004، رغم خطأ غزو العراق.
وقال: «فكرت في هذا الموضوع كثيرا، ووصلت، كما يوضح هذا الكتاب، الى السبب الآتي: صار الاميركيون اقوى واحسن شعب في الارض، وتعودوا على حياة الراحة والكماليات والسعادة الابدية، ولم يعودوا يطيقون اي شيء يؤثر في راحتهم».
هجوم على تشيني ورمسفيلد
يرى سوروس ان هذه «الراحة الاميركية» جعلت الاميركيين يفوضون السياسيين ليديروا شؤون البلاد، وذلك للاسباب الآتية:
اولا، يفضل الاميركيون التخصص، ويعتبرون السياسيين متخصصين في السياسة. ثانيا، يرون السياسة مهنة ليست اخلاقية، او، على الاقل، كثيرة المشاكل، ويريدون تحاشيها.
ثالثا، يرونها «ازعاجا»، وهم يريدون «راحة».
وقال سوروس ان هذه الاسباب سهلت على «المخادعين» ان يسيطروا على الشعب الاميركي، بأن يزودوه بمعلومات غير صحيحة او غير كاملة. واشار، بالاسم، الى عدويه اللدودين: نائب الرئيس تشيني، ووزير الدفاع رامسفيلد، وقال انهما من النوع الذي «يؤمن بأن الحقيقة يمكن ان تزور». وانهما نجحا في شيئين:
اولا، «في اقناع رئيس عاد الى المسيحية».
ثانيا، «في اقناع شعب يريد حياة مريحة بدون اي مشاكل».
وانتقد سوروس الرجلين، والرئيس، والشعب، وقال ان «رئيس الشعب الذي يريد حلولا سهلة لكل شيء، وجد حلا سهلا لكل شيء، وسماه: الحرب ضد الارهاب». واضاف: «لكن الحرب ضد الارهاب حل خطأ لمشكلة خطأ»:
اولا، المشكلة الخطأ هي ان الاميركيين خائفون. لكن الاميركيين لم يخافوا ابدا من اي عدو، ومن اقوى عدو، ولم يخافوا حتى من الاتحاد السوفييتي. لكن بوش جعلهم يخافون من افراد لا دولة لهم ولا جيش لهم.
ثانيا، حتى اذا كانت هذه مشكلة، فحلها لا يكون باعلان حرب بدون نهاية، وضد عدو لا يقدر اي شخص على تعريفه وتحديده.
واضاف بأن خطأ المشكلة وخطأ الحل خلقا مشكلة ثالثة، وهي انخفاض شعبية اميركا في دول العالم الاخرى. وقال: «لن نقدر على حل هذه المشاكل بدون ان نغير تفسيرنا للارهاب وللحرب ضده». واضاف: «يجب الا نقول ان امننا في خطر، ولا بد من حمايته. يجب ان نقول ان امن الانسانية في خطر، ونحن، اقوى دولة في العالم، نتحمل مسؤولية حمايته».
وقال ان هذا هو المخرج الوحيد، ولا بد ان يقتنع الشعب الاميركي، آجلا او عاجلا، بأن الحرب ضد الارهاب «مغامرة، لا نصر فيها، ولا خروج منها».
واعترف سوروس بصعوبة اقناع الاميركيين بهذا الرأي، وذلك لأن «الذين مع بوش والذين ضد بوش اقتنعوا بأن الحرب ضد الارهاب رد منطقي لهجوم 11 سبتمبر». وقال انه لا ينكر ان الهجوم كان مؤلما ومدمرا، لكن:
اولا، «صارت طريقة رد بوش على الهجوم خيالية، لأنها زورت الحقيقة».
ثانيا، «صارت سياسية، لأنه سخر الحرب ضد الارهاب لخدمة مصالحه ومصالح الحزب الجمهوري».
ثالثا، «قادته الى الحرب في العراق».
وانتقد سوروس نتيجة الحربين، الحرب ضد الارهاب وحرب العراق، وذلك لانهما «قتلتا مدنيين. ولهذا صارت النتيجة لا تختلف عن هجوم 11 سبتمبر الذي قتل مدنيين ايضا». ومثلما غضب الاميركيون على الهجوم واعلنوا حرب الارهاب، زاد «عدد الذين يريدون التضحية بحياتهم للهجوم على الاميركيين عن ما كان عليه قبل الهجوم».
وانتقد سوروس مصطلح «ارهاب»، متسائلاً: «هل معناه ان هناك من يرهبنا، او انه مجرد احساس؟» وقال: «الحقيقة هي ان الارهاب كلمة غير محددة، ولا يعقل ان نعلن حربا ضد هدف غير محدد».
واضاف: «قتلنا في العراق مدنيين اكثر من المدنيين الذين قتلهم هجوم 11 سبتمبر» (لا يبدو هذا الرقم معقولا، لان آخر احصائية نشرتها جريدة «واشنطن بوست» في الاسبوع الماضي قالت ان عدد المدنيين العراقيين الذين قتلوا منذ بداية الحرب قارب الخمسين الف شخص).
وقال: «هناك القتل والجرح، وهناك الاحتقار والاساءة. نحن لم نقتل ونجرح العراقيين فقط. نحن احتقرناهم، وتعمدنا ذلك».
واضاف: «عندما نقتل ونجرح ونحتقر، نصبح مثل الارهابيين. لكننا لا يمكن ان ننظر الى انفسنا كإرهابيين. نحن نقول لأنفسنا: نحن لسنا ارهابيين. نقول ذلك رغم ان ما نفعله في غيرنا جعلهم يقتنعون بأننا ارهابيون».
وقال سوروس: «جاء وقت تحدي الذين يقولون ان الحكومات لا يمكن ان تكون ارهابية». لم يقل ان الحكومة الاميركية ارهابية، لكنه قال ان آخرين ينظرون اليها كإرهابية.
لكنه قال ان حكومات اخرى قلدت الحكومة الاميركية واصبحت ارهابية (واشار الى حكومات في الشرق الاوسط وآسيا الوسطى).
واعترف سوروس: «لم اقدر على ان انتقد حرب الارهاب في كتابي «فقاعة التعالي الاميركي»، رغم اني كنت اؤمن في ذلك الوقت بما اقول الآن. والسبب هو أني خفت من إغضاب القراء.» واضاف: «لكني في هذا الكتاب اقدر على ان اقول ذلك لأني اعتقد ان القراء صاروا يقبلون ما اقول».
واخيرا، على الاقل، كان سوروس من اوائل الذين انتقدوا حرب العراق في كتاب «فقاعة التعالي الاميركي». وها هو الآن من اوائل الذين ينتقدون الحرب ضد الارهاب، واول من يقول ذلك في كتاب.
«حالة إنكار» يتسبب في «حالة إحراج»
«نيويورك تايمز» تسبق «واشنطن بوست» بعرض مقتطفات من كتاب مساعد رئيس تحريرها بوب وودورد
رفضت جولي الاجابة عن اسئلة «الشرق الاوسط» عن هذا الموضوع. لكن د. تيري مايكل، مدير مركز «جورنالزم آند بوليتكز» (الصحافة والسياسة) في واشنطن، قال لـ «الشرق الاوسط» انه شم رائحة «مؤامرة» بأن ثلاثة اطراف اشتركت في ماحدث: جريدة «نيويورك تايمز»، والشركة التي نشرت الكتاب، ومؤلف الكتاب نفسه.
تحدثت جولي حديثا مهذبا وودودا، وقالت انها كانت تعمل في قسم الاقتصاد في «نيويورك تايمز»، قبل ان تتحول الى قسم الكتب. استعرضت جولي، في آخر ملحق كتب، كتاب «داخل القاعدة» الذي كتبه «عمر نصيري». وقالت ان هذا اسم مستعار لان المؤلف الحقيقي، الذي عمل داخل «القاعدة»، يختفي في مكان، واتفق مع دار نشر اميركية على نشر مذكراته دون الاشارة الى اسمه.
جولي صديقة مورين دود، كاتبة عمود في «نيويورك تايمز» انتقدت الرئيس بوش لسنوات (قبل ان ينتقده وودوورد في كتابه الاخير). واشارت مورين الى صديقتها جولي في كتاب «هل لا بد من الرجال؟»، وقالت انها، مثلها، تؤمن بأن، نعم، لا بد من الرجال.
لكن جولي فازت على كثير من الرجال عندما حصلت على كتاب وودروود الجديد. لكنها قالت لـ «الشرق الاوسط» انها لا تقدر على الحديث عن طريقة حصولها على الكتاب لأن ادارة الجريدة منعتها من الحديث. واقترحت رئيستها كاثرين ماثيس. لكن كاثرين، ايضا، رفضت الحديث، واقترحت ابي سرفوس، مدير قسم العلاقات العامة في الجريدة. وطلب سرفوس اسئلة مكتوبة. ورد ردا مقتضبا: «اشترت صحافية الكتاب قبل ان تصدره دار النشر».
ربما بسبب هذا قال تيري مايكل، مدير مركز «جورنالزم آند بوليتكز» لـ «الشرق الاوسط» انه يشم رائحة «مؤامرة» بأن ثلاثة اطراف اشتركت في ماحدث: اولا، شركة «سايمون آند شوستر». قال: «تريد، مثل اي شركة، ان تربح ربحا كبيرا. ربما خططت مسبقا لما حدث بأن سربت نسخة من الكتاب الى «نيويورك تايمز». ربما توقعت هذه الاثارة حول من نشر اجزاء من الكتاب قبل من. اعتقد بأن الشركة لا تهتم كثيرا بالفرق بين «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، بقدر ما تهتم بزيادة بيع الكتاب».
ثانيا، «نيويورك تايمز». قال انها «مثل اي جريدة، تريد ان تنتصر على الجرائد الاخرى. وحققت، طبعا، نصرا على منافستها اللدودة. لا اعرف كيف حصلت على نسخة مسبقة من الكتاب: هل اشترته، كما قالت؟ او هل حصلت عليه من دار النشر؟ اعتقد بأنها لا تهتم بهذه التفاصيل بقدرما تهتم بأنها انتصرت».
ثالثا، وودورد نفسه. قال مايكل: «ليس عندي دليل بأن وودورد تعمد ان تنشر جريدة اخرى مقتطفات من كتابه قبل الجريدة التي يعمل فيها. لكنه، مثل اي مؤلف كتاب، لا يرفض اي اثارة تساعد على زيادة مبيعات كتابه».
وقلل مايكل من اهمية الحديث عن هزيمة «واشنطن بوست» في هذا الموضوع، وقال ان ما حدث كان مجرد «احراج صغير» احس به صحافيون في غرفة الاخبار. وان «واشنطن بوست»، في الحقيقة، انتصرت لأن اسمها واسم وودورد واسم الكتاب اشتهروا داخل اميركا وفي العالم منذ اسبوع تقريبا.
وقلل مايكل، ايضا، من النقاش حول وضع وودوورد في الجريدة. وكان صحافيون، داخل الجريدة وخارجها، اشتكوا بأن وودورد لا يحضر الى المكتب الا نادرا. وانه اصيب بسبب شهرته بمرض الاستعلاء والاستكبار. وانه يجب ان يترك وظيفة مساعد رئيس تحرير تنفيذي لشخص آخر يتفرغ لها. لكن مايكل قال: «لتعترف واشنطن بوست بان وودوورد صار وجهها اللامع. صحيح، ربما لا يعرفون هل هو صحافي او كاتب عمود او كاتب كتب. لكنه «نجم» ولا يقل عن نجوم التلفزيون والسينما. هل يصرفون له راتبا من بند التحرير؟ او من بند العلاقات العامة؟ او من بند الاعلانات؟ لا اعرف. لكني اعرف ان هذه تفاصيل غير مهمة».
وبالعودة لمحتوى الكتاب الجديد فقد اثار ضجة لأنه كشف اسرارا، منها ان بوش كذب على الاميركيين عندما قال لهم ان غزو العراق لن يستغرق فترة طويلة (واستغرق فترة طويلة). وعندما قال لهم، بعد سنة ونصف سنة من الغزو: «انجزت المهمة» (ولم تنجز حتى الآن). وعندما قال لهم ان الهدف من حرب العراق هو القضاء على الارهاب (زادت حرب العراق عدد «الارهابيين»).
وكشف الكتاب، ايضا، ان عددا كبيرا من وزراء ومستشاري الرئيس بوش كانوا يريدون استقالة دونالد رمسفيلد، وزير الدفاع، بعد ان تأكد لهم ان غزو العراق لم يحقق اهدافه. وقال ان كولن باول، وزير الخارجية في ذلك الوقت، اول من ايد استقالة رمسفيل. (لم يكن هذا سرا). وايضا كونداليزا رايس، مستشارة الرئيس بوش في ذلك الوقت، ووزيرة الخارجية الآن. (كان هذا شبه سر). وايضا اندرو كارد، كبير موظفي البيت الابيض (كان هذا سرا). وايضا لورا بوش، زوجة الرئيس (كان هذا سرا). وايضا «بارني»، كلبه (كان هذا سرا). هذه اشارة الى فقرة في الكتاب بأن بوش قال انه لن يسحب القوات الاميركية من العراق حتى «اذا وافقت لورا وبارني».
وفي جميع الحالات فلم يكن كتاب «حالة انكار» اول كتاب كتبه وودوورد واثار نقاشا وضجة:
فاولا، اثار كتاب «الاخوان» (سنة 1979) ضجة لأنه كشف جوانب شخصية لأعضاء المحكمة العليا (التي تفسر الدستور). لم يكشف فضائح، لكنه كشف ان القضاة التسعة الذين يعتبرهم الاميركيون شبه مقدسين، هم، في النهاية، ناس ينسون، ويضحكون، ويغضبون، ويغيرون، ويحسدون بعضهم البعض. ثانيا، اثار كتاب «الحجاب» (سنة 1987) ضجة لانه كان عن انكار الرئيس ريغان بأنه لم يكن يعرف ان بعض وزرائه ومستشاريه اتفقوا سرا مع ايران لارسال اسلحة اميركية لها (عن طريق سمسار اسرائيلي). وان عائد هذه الصفقة السرية كان يستعمل لتأييد ثورا «الكونترا» المؤيدين لاميركا في نيكاراغوا (ضد حكومة «الساندنيستا» اليسارية). تطورت تلك الفضيحة واصبحت تعرف بفضيحة «ايران غيت»، وكادت ان تتسبب في استقالة الرئيس ريغان.
ثانيا، اثار كتاب «كوماندوز» (سنة 1991) ضجة لأنه كان عن حرب الخليج، وطرد القوات العراقية من الكويت، وكشف ان الجنرال كولن باول، قائد القوات الاميركية (وزير الخارجية فيما بعد) لم يكن متحمسا للتدخل الاميركي، وكان يريد الانتظار توقعا لنجاح الحصار الاقتصادي على العراق.
اثارت هذه الكتب، وغيرها، ضجة وسط الاميركيين لأنها كشفت اسرارا حصل عليها وودوورد من مصادره الخاصة. واثارت، ايضا، ضجة وسط الصحافيين والمراقبين لان وودوورد لم ينشر بعض هذه الاسرار في جريدة «واشنطن بوست»، وانتظر حتى صدرت كتبه. اي انه فضل مصلحته ومصلحة كتبه وشهرته على مصلحة الجريدة التي يعمل فيها، وعلى مصلحة الوطن ايضا.
ماذا اذا عرف الاميركيون، في الوقت المناسب، أن ريغان كان، حقيقة، يعرف ما انكر انه يعرف؟ ربما كانوا زادوا الضغط عليه حتى استقال. وماذا اذا عرف الاميركيون، في الوقت المناسب، ان باول، حقيقة، عارض التدخل الاميركي لطرد القوات العراقية من الكويت؟ ربما كانوا عارضوا التدخل (لكنهم ايدوه بنسبة 70 في المائة).
والآن، ماذا اذا عرف الاميركيون، في الوقت المناسب (اي قبل ثلاث سنوات) ان بوش، حقيقة، خدعهم عندما قال لهم ان النصر سهل في العراق؟ ربما كانوا سيغضبون عليه اكثر، ويجبرونه على سحب القوات الاميركية من العراق، (ويوفرون قتل اكثر من الفي جندي اميركي). لكن وودوورد لم يكشف هذا السر الا في كتابه في الاسبوع الماضي. وسأله مايك والاس، مقدم برنامج في تلفزيون «سي بي اس»، نفس هذا السؤال عن الكتاب الجديد. لكن، انكر وودوورد بانه كان يعرف ذلك السر قبل ثلاث سنوات. واثارت «حالة انكار» وودوورد اسئلة جديدة. وخاصة لأنه كتب كتابين عن الرئيس بوش خلال الاربع سنوات الماضية: الاول، «بوش في الحرب»، عن غزو افغانستان بعد هجوم 11 سبتمبر، والثاني، «خطة الهجوم»، عن غزو العراق. (غزت اميركا العراق بعد سنة ونصف سنة من هجوم 11 سبتمبر، لكن، بدأ وضع الخطة بعد الهجوم بشهرين).
ولاحظ صحافيون ومراقبون ان وودوورد عطف على الرئيس بوش في الكتابين، ولم ينتقده. ولاحظوا ان البيت الابيض اشترى نسخا كثيرة من الكتابين، وشجع قادة الحزب الجمهوري على شراء وقراءة الكتابين. وفعلا، استعمل هؤلاء فقرات ايجابية عن بوش خلال الانتخابات العامة قبل سنتين.
لماذا دافع وودوورد عن بوش في كتابين، ثم انتقده في الكتاب الثالث؟
اجاب فرانك رتش، كاتب عمود في جريدة «نيويورك تايمز»، ومن اوائل الذين عارضوا حرب العراق: «استمرت حرب العراق اكثر من الحرب العالمية الثانية». هذا غمز معناه ان وودوورد عارض الحرب بعد اكثر من ثلاث سنوات، لا عندما عارضها صحافيون شجعان (مثل فرانك رتش).
* وودورد.. أكثر من 30 عاما بين كتابة العناوين وتصدرها
* ولد بوب وودورد سنة 1943 في ولاية اللينوي، ودرس التاريخ والادب في جامعة ييل. وقد عمل اربع سنوات في البحرية الاميركية لانها كانت دفعت له تكاليف الدراسة الجامعية. وقد تخصص في الاستخبارات في البحرية الاميركية، وساعده هذا على تأسيس علاقات استخباراتية في وقت لاحق، وقد تقدم للعمل في جريدة «واشنطن بوست» سنة 1970، وقبل لفترة تجريبية لمدة اسبوعين، لكن رئيسه قال انه «لا يملك اي خبرة صحافية»، واستغنى عنه بعد اسبوعين. بعد ذلك عمل في جريدة «مونتغمري غازيت» التي تصدر في ضاحية من ضواحي واشنطن. وقدم للعمل في جريدة «واشنطن بوست» بعد سنة ونصف سنة، ونجح هذه المرة ليبدأ عمله في قسم الاخبار المحلية، وبعد نصف سنة كتب خبرا عن تسلل مجهولين الى مكتب الحزب الديمقراطي في مبنى «ووترغيت» في واشنطن، وكانت تلك بداية شهرته فيما عرف بعد ذلك بفضيحة «ووترغيت» التي تسببت بسقوط الرئيس الأميركي نيكسون من جهة، ومن جهة ثانية فتحت الباب امامه لنيل جوائز صحافية عدة خلال حياته من بينها جائزة «بولتزر». وقد وصفه بوب شيفر، كبير مذيعي تلفزيون «سي بي اس» بأنه «احسن مخبر في زماننا هذا، وربما في كل زمان». بوب وودورد متزوج، وزوجته اليسا والش، كانت معه في «واشنطن بوست»، ثم انتقلت الى مجلة «نيويوركر». ويعيشان في حي جورجتاون في واشنطن مع بنتيهما.
GMT 7:30:00 2006 الثلائاء 17 أكتوبر
حكمت الحاج
معجمٌ صغيرٌ مِنْ فْريدْ هَاليدايْ حولَ أكاذيبَ كبيرةٍ مِنَ العربِ والمسلمينَ.. حكمت الحاج من لندن: هذا كتاب جديد صادر هذا العام 2006 بطبعة عربية أنيقة عن (دار الساقي) بلندن، للباحث البريطاني من أصول ايرلندية (فريد هاليداي) أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، تحت عنوان (مائة وهم حول الشرق الأوسط) بدون ذكر اسم المترجم، بعد أن كانت أصدرت له نفس الدار من قبل كتابه (الإسلام والغرب: خرافة المواجهة الدين والسياسة في الشرق الأوسط) عام 1997، وكتاب (الأمة والدين في الشرق الأوسط) عام 2000 ، ثم (الكونية الجذرية لا العولمة المترددة) من ترجمة خالد الحروب عام 2002، وكتاب (ساعتان هزتا العالم.. أيلول/ سبتمبر 2001: الأسباب والنتائج) بترجمة من عبد الإله النعيمي عام 2002، فيما يبدو انه تخصص مفيد من دار نشر عربية مهمة مثل (الساقي) بنشر أعمال مستشرق معاصر على درجة من الأهمية مثل (فريد هاليداي)، الذي كثر القيل والقال حول علاقته ببعض الأمور السياسية الملتبسة، بنفس القدر من الأقاويل التي تصاحب أي كتاب ينشره هذا الرجل الذي تورط في درس العرب والمسلمين فما ناله منهم إلا كل أذى بعد حجاج.إليك مثلا ما كتبه ذات مرة السيد (محمد رضا نصر الله) في جريدة (الرياض) السعودية تحت عنوان دالٍ تماما هو (سقطة فريد هاليداي!) وذلك عند الحديث عن الرجل عندما سقط في مطار هيثرو عائداً من زيارةٍ وَجِلَةٍ إلى بغداد محاولاً التقاط حقيبته.. وكان سبب سقوطه ثقل المجلدات التي أعطيت له في بغداد، ولم يستطع التخلص منها.. أنى له ذلك، كما يقول نصر الله، وهي تنطوي على خطب صدام حسين.. لقد كان من المخاطرة أن يلقيها في سلة مهملات الفندق - كما قال - قد يكون لو فعل محل شبهة بالعمالة لأجهزة استخبارات بلده.. ربما!! رغم أن فريد هاليداي وهو من أبرز رموز اليسار البريطاني، تبنى قضايا عربية.. وله دراسات وكتب شهيرة عن إيران وافغانستان واليمن والجزيرة العربية.. وكان بعضها أثناء الحرب الباردة، ضمن أدبيات معارضة أبناء المنطقة إلى وقت قريب.. ويبدو أن زيارته إلى بغداد قد حدثت أواخر الثمانينيات، حيث أنشأ وبعض رفاقه من العراقيين جمعية تضامنية، في لندن، أطلق عليها اسم "اللجنة ضد القمع والديكتاتورية في العراق".. هكذا هو اسم اللجنة دون تعريف!! لتقف في وجه التيار الجارف - على حد تعبيره - في اليسار البريطاني، الذي قاد بعث صدام حسين إلى التواطؤ مع الفاشية والمجازر.. مما يؤشر إلى تورط عدد منهم في رشى النظام العراقي المخلوع.. وليس بعيداً عن ذلك فيما يبدو البرلماني المطرود مؤخراً جورج غالاوي.. كان واحداً من هؤلاء الذين أبدوا حماساً منقطع النظير في مناصرة صدام حسين ونظامه، حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة . تدخل هاليداي أيضا كما ذكر ذلك في مقالة له بجريدة الحياة، في فضيحة كوبونات صدام النفطية.. إن قائمة جريدة (المدى) البغدادية بمئات الأسماء العراقية والعربية والأوروبية والأمريكية، تشير إلى غالاوي.. لكن هل أشارت كذلك إلى الطبيب الكوبي الذي طلبه صدام من فيدل كاسترو لمعالجته، وبعدما توثقت علاقته به، أعاده إلى بلاده، عميلاً عراقياً ليقوم باستقطاب أبرز الأسماء في كوبا وأمريكا اللاتينية، إلى النظام العراقي، مقابل مكافآت صدام السخية؟! أما فريد هاليداي الذي حاول معارضة رفاقه البريطانيين، في اعتبار صدام حسين أحد طلائع الثورة الجديدة، ودائما مع محمد رضا نصر الله، فإنه بدا ضعيف الصوت، متوارياً عن الأنظار، لم يكد يقرأ له معجبوه في العالم العربي سطراً يبين وجه الحقيقة، إلا بعد سقوط صدام، واحتمال تعفن جسمه في سجن قوات الاحتلال، كما يتمنى . عندها.. أي بعدما طاح الجمل، شهر هاليداي قلمه الناري ليقتص - متأخراً - من صدام سقطته في مطار هيثرو، بعد إصابته بدوار خفيف جراء مكوثه في رحلته الطويلة من بغداد إلى لندن، أدى إلى سقوطه - وهو الطويل القامة، على الأرض.. والحق، والكلام على ذمة نصر الله، إن ما حدث له هو بسبب جبنه من ترك خطب صدام حسين وراءه في غرفة الفندق البغدادي، الذي يحتمل أن تكون ضيافته خمس نجوم.. لمَ لا؟ والضيف بحجم فريد هاليداي الأكاديمي المعروف، والكاتب البارز في الصحف والمحلل المرموق في التلفاز.. انه لم يجرؤ على ذلك.. بل جمع 12 مجلداً مكرراً من خطب صدام ..وحملها على ظهره حتى أدت به إلى ذلك السقوط.بيد أننا نرى، وبعيدا عن مزاعم من هذا النوع تطال دائما الشخصيات المهمة ذات الحراك المتصل بالشأن العام، والخائضة في وحل السياسة بشكل خاص، إن المعنى العام لهذا الكتاب الجديد لفريد هاليداي، يتطرق إلى صلب أحد اكثر المزاعم والادعاءات نفاذا ونفوذا في العصر الحديث وفي الثقافة والأيديولوجيا السياسيتين المعاصرتين، وهو التنطع بالتقاليد وادعاء العمق والتواصل التاريخي، ومن ثم استخدام هذا الماضي- التاريخ، وتلك التقاليد، لتفسير العالم على ما هو عليه اليوم، وكما من اجل توفير مجموعة من المبادئ الخلقية والدينية. لقد تم العمل على تعزيز هذه الدعاوى المرتكزة على تأويل النصوص المقدسة من اجل الذهاب اكثر فاكثر إلى ما يصطلح على تسميته اليوم بالأصولية الدينية.وما هذا الكتاب، كما يقول مؤلفه إلا بأنه محاولة لمقارعة هذا النزوع إلى الماضي-التاريخ، وهو جزء من مشروع أوسع لنقد الفكر القومي والديني ولإعادة تأسيس نظرية كوزموبوليتية وأممية على أمل أن يشكل بداية لا بد منها وخطوة للبحث والنقاش حول العلاقات الدولية المعاصرة. وليس أدل على هذا التوجه الأممي اليساري لدى فريد هاليداي من ذلك المقتبس الذي صدّر به المؤلف كتابه هذا، آخذا إياه من (فولتير) في رسائله الفلسفية (1828) حيث يقول (اذهبوا الى بورصة لندن.. سوف تجدون هناك ممثلين عن الأمم كلها، وهم مجتمعون لما فيه مصلحة الجنس البشري. هناك يعامل كل من اليهودي والمسلم والمسيحي، الآخر، كما لو انه من دين واحد، ولا يطلقون تسمية كفّار إلا على أولئك الذين أفلسوا).يحاول هذا الكتاب أن يستشرف مستقبل الشرق الأوسط من خلال تحليل الأوهام والخرافات التي تكوّن جزءا" كبيرا" من هويته ورصد العلاقات الملتبسة بين دوله،ودرس واقع الأقليات فيه كالأكراد والشيعة واليهود والمسيحيين...ويتحرى أيضا" تأثير الخرافة والأسطورة في الواقع والحضور السياسيين لكل واحدة من هذه الأثنيات، وفي صوغ علاقات بعضها ببعض وفي تحديد علاقاتها الخارجية. وبحسب ما جاء في كلمة لناشر هذا الكتاب جاءت على غلافه الأخير، فان الشرق الأوسط يعيش في غابة من الأثنيات والخرافات. وتكاد تنظم دوله بعضها ببعض، كما وعلاقة هذه الدول جمعاء بالعالم الخارجي,تنظمها هذه الأساطير ,وترسم إلى مدى كبير مسار أحداثها وصورة مستقبلها.لقد كتبت دراسات كثيرة عن منطقة الشرق الأوسط لكن أحدا" لم يستطع فهم كنه طبيعة هذه المنطقة الموغلة عميقا" في الأوهام والخرافات، وإدراك علاقات أثنياتها وشعوبها المتصادمة والمتناحرة.كذلك يبحث الدور المهم الذي اضطلعت به هذه الأساطير في إذكاء الحروب التي شهدها الشرق الأوسط منذ حروب الفرس والعرب مرورا" بالحرب الإيرانية-العراقية، وصولا" فريد هاليداي إلى حروب السودان والجزائر وليس انتهاءا" بالحرب الأهلية التي تعيش أهوالها شعوب الشرق الأوسط ،والحروب الجديدة المتوقع حدوثها. ولكن، ورغم هذا التعريف الجامع المانع من الناشر، وهذا حق له، فان الكتاب في محصلته ما هو إلا معجم صغير لأكاذيب كبيرة حول الشرق الأوسط، كتبه بذكاء وبراعة لا تضاهى، واحد من ألمع العقول الغربية المهتمة بالشرق الأوسط عامة وبالإسلام خاصة.خذ عندك مثلا هذه الأكذوبة أو لنسمها الأخدوعة: فمزاعم السياسيين الإسلاميين والصهاينة بأنهم يعيدون خلق ماض مفقود غير صحيحة. كيف ذلك؟ يفسر لنا هاليداي الأمر قائلا إن مفهوم الدولة الإسلامية الشيعية الذي قدمه الإمام الخميني وأطلقه عبر الثورة الإيرانية عام 1979 والمفهوم الآخر المتعلق بإحياء الخلافة الإسلامية الذي يسانده المحافظون والمتشددون السّنّة بمن فيهم (القاعدة)، هما مشروعان سياسيان حديثان. وليس لدولة إسرائيل باستثناء طرحها البلاغي، أية علاقة بمملكتي داوود وسليمان القديمتين. بل إن العديد من ابلغ الرموز في السياسات الراهنة هو ادعاءات حديثة. وتلك حال أسامة بن لادن حين يشير إلى السعودية بأنها (بلاد الحرمين) فان هذا التعبير من ابتكاره الشخصي ومن بنات أفكاره.إن كل دول الشرق الأوسط تدعي شرعية قديمة خاضعة للطقوس في حين أنها كيانات حديثة النشوء تم خلقها في القرن العشرين. ولقد وصل الأمر إلى حد أن يجلب الضحك بعد الشفقة ونحن نسمع صباح مساء كيف أن لهذه الدولة العربية أو تلك تاريخ موغل في القدم يرقى إلى اكثر من 4 آلاف عام بينما لم تتورع دويلة عربية ما أن تقول إن عمر الحضارة فيها يصل إلى 7 آلاف عام قبل الميلاد. ولا داعي لذكر الأسماء فجلها معروفة للقاصي والداني.على الجانب الفلسطيني ربما يكون الرمز الأكثر شيوعا هو الكوفية المزركشة التي كان يعتمرها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وتبناها مؤيدو القضية الفلسطينية في أرجاء العالم. والواقع كما يقول لنا فريد هاليداي إنها مشتقة من غطاء رأس عسكري صممته مؤسسة تجارية في مانشستر – وتعود إلى اصل سوري – في العشرينات من القرن الماضي، وكان شعارا مخصصا لفرقة (الفيلق العربي) المشكلة حديثا حينذاك في الأردن.وفي الوهم رقم 84 على الصفحة 164 من الكتاب الذي بين أيدينا، يورد لنا المؤلف كيف انه من الخرافة أن نقول إن مدينة (القدس) كانت طوال قرون موضع تبجيل من المسيحيين واليهود والمسلمين. صحيح إن المسيحيين جعلوا من القدس موقع صلب المسيح لكن مراكز أخرى للسلطات السياسية والدينية خصوصا روما وبيزنطة كانت اكثر أهمية تاريخيا. وأظهر استيلاء الصليبين على القدس عام 1099 ميلادية والمذبحة التي ارتكبوها ضد سكانها اليهود والمسلمين، قلة احترامهم وتقديسهم لهذه المدينة، وكان النزاع بشأن ملكية مفاتيح كنيسة القيامة قد أطلق شرارة حرب القرم عام 1854.وجدير بالملاحظة، كما ينقل لنا المؤلف، انه وأثناء حكم الإمبراطورية العثمانية الذي امتد قرونا فان اليهود استوطنوا العديد من مدن الشرق الأوسط بينما قصدت قلة قليلة منهم القدس للعيش فيها. ويرى المسلمون إن القدس هي موقع المسجد الأقصى الذي يقال انه معراج النبي محمد إلى السماء، ولكن في الجزء الأطول من القرون الأربعة عشر الماضية من التاريخ الإسلامي، ظلت القدس بالنسبة إلى المسلمين مجرد بلدة ريفية. ولم تكن في ظل الإمبراطورية العثمانية حتى عاصمة مقاطعة منفصلة أو حتى ولاية. إن المزاعم الدينية بشأن القدس وترسيخها الإلهي المفترض، على حد زعم فريد هاليداي، تشير بقدر ما يمكن لهذا الادعاء أن يتمتع بالصحة، إلى نسبة ضئيلة من منطقة بلدية القدس الحالية التي خططها المسؤولون الإسرائيليون بعد عام 1967. والمدينة التاريخية التي تعود المزاعم إليها لا تزيد مساحتها على الميل المربع الواحد من المنطقة المسورة. ويربط المؤلف كعادته في هذا الكتاب وفي كتبه السابقة بين أحداث منفصلة في الزمان والمكان ضمن حدود الشرق الأوسط ليقول انه ربما تكون الحقيقة بشأن القدس قد تم إعطاؤها بطريقة غير مقصودة بعد عام 2003 من قبل القوميين الأكراد الذين طالبوا بمدينة كركوك التي يتنازعها الأكراد والعرب والتي تعتبر بالنسبة إليهم (القدس الكردية) أو (قدس الأكراد). وهنا لا يفوت المؤلف أن يدلو بدلوه في هذه القضية الشائكة جدا ليحلها بجرة قلم عندما يقول انه إذا كانت هذه العبارة ترمي إلى تحميل كركوك طابعا تاريخيا ومقدسا، فذلك زائف برمته، لكن إذا كانوا يقصدون إن المدينة أصبحت بسبب القومية الحديثة والهجرة المعاصرة، موقعا للصراع بين الأثنيات والأقليات، فهذا صحيح، ولكن كتعليق ينطبق على القدس اكثر مما ينطبق على كركوك. لماذا؟ لا يعطينا مؤلفنا الجواب الشافي، ولكنه في الخلاصة، وفي معزل عما إذا كانت كركوك هي (القدس الكردية) أم أن القدس قد أصبحت (كركوك العرب واليهود)، فقد تم تحويلها إلى (فيتش) أو تعويذة شوفينية مبالغ فيها، وموضوع للادعاءات القومية المتصلبة والاستنسابية من الجانبين. وسيكون معقولا الافتراض، حسب المؤلف، إن أي طرف في المنطقة لن يوافق على خلاصة كهذه، سواء أكان يهوديا أم عربيا أم كرديا، لكن يستدرك مؤلف الكتاب قائلا إن ذاك لا يقلل من صحتها.وعلى الصفحة 175 نرى إلى فريد هاليداي مؤلف كتاب مائة وهم أو خرافة حول الشرق الأوسط وهو يفند منطوق الوهم رقم 90 القائل بان الحجاب فرض على النساء المسلمات. فليست هنالك أية في القرآن تأمر بتغطية النساء لشعورهن أو رؤوسهن. وتنصح الآية 59 من سورة (الأحزاب) زوجات النبي بتغطية شعورهن. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).وتتحدث الآية 31 من سورة (النور) عن حجب النساء لزينتهن عن عيون الغرباء. (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).لكنّ ممارسةَ إلزامية تغطية الرأس (الحجاب) وتغطية أسفل الوجه حتى العينين (اللثام) لا تمتلك، على حد زعم المؤلف، أية سلطة مستمدة من الشريعة. كما لا تفرض أي من المذاهب الإسلامية الخمس الكبرى في الإسلام الحجاب الإلزامي ولا تأمر به. فهذه عادة اجتماعية انتشرت مع الأصولية الحديثة، ونتجت عن سوء استنباط وتزمت في ممارسة ما أسماه المؤلف (سياسات الهوية).. والحجاب الكامل هو ممارسة مدينية (نسبة إلى المدينة عكس الريف) حديثة بشكل كبير. فمن نافل القول إن أكثرية النساء المسلمات عبر العصور، اللواتي كن يعملن في الحقول الزراعية والسهول، لم يكن يغطين وجوههن، ولا يفعلن ذلك حتى هذا اليوم.وعلى هذا المنوال السالف الذكر بشأن الوهمين أو الخرافتين أو الأكذوبتين أو الأخدوعتين المذكورتين أعلاه حول منطقة الشرق الأوسط بِقَضِّها وقَضيضها، فليقس القارئ الكريم باقي أوهام الكتاب المائة، أهمية وخطورة. على إن ذلك المسرد بالمصطلحات والذي يحتل الصفحات من 197 إلى 279 وجاء تحت عنوان (أزمة 11 أيلول سبتمبر وعواقبها اللغوية) لا يقل أهمية وخطورة عن متن الكتاب الأصلي. انه هذا المسرد هو محاولة فائقة الابتكار من فريد هاليداي لتسجيل التغييرات التي طرأت على اللغة والكلام بعد أحداث أيلول سبتمبر 2001 ، وتهدف إلى تبيان معاني بعض الكلمات والأسماء التي دفعتها الأزمة إلى الصدارة. فعلى سبيل المثال لا الحصر سنعرف ان الاسم المستعار لأسامة بن لادن في الثمانينات كان (أبو كاكا) وان اسمه ارتبط بالانتفاضة السنية في سوريا عام 1982. أما اسمه عند البريطانيين فهو (بن لاينر) أي ما يعادل في المنطوق البريطاني (كيس نفايات).وفي اللغة العالمية العولمية الجديدة مصطلحاً ومفهوماً بعد 11 أيلول سبتمبر 2001، ودائما مع فريد هاليداي، سنتعرف على مفردات جديدة لمدلولات أجد، من مثل (السّعْودة)و(البحْرنة)و(الأمرتة)و(العومنة) حيث تستخدم لوصف سياسات استبدال الأجانب بالمواطنين المحليين في سوق العمل الخليجية خاصة السعودية والبحرين والإمارات وعُمان. وعلى الرغم من الكثير من الحوافز التي تقدمها هذه الدول، فإن قطاعي الأعمال الأجنبي والمحلي قاوما هذه السياسة.أما عن (الفن الإسلامي) فإن هذا مصطلح زائف، حسب ما يقول المؤلف، وليس له أي أساس تاريخي أو فني أو لاهوتي، بل ابتدعه مدراء المتاحف ومنظمو المزادات لتغطية تشكيلة واسعة من أعمال ثقافية وجغرافية مختلفة.وفي السياق نفسه، نفهم ان (الشارع العربي) ما هو في الغرب إلا تعبير لازدراء الرأي العام العربي المجافي للواقع، والمتكون في غالبه في غرف الجلوس او غرف الطعام أثناء مشاهدة التلفزيون. وعلى غرار (الروح العربية) يفترض عدم وجود وجهة نظر عامة موحدة.ويأمل المؤلف من لائحته الضخمة هذه أن تحمل برهانا على قدرة البشر على إعادة تشكيل اللغة في مواجهة الأحداث الجديدة. واللائحة إن كان عمادها اللغة الإنكليزية فإنها ليست مغلقة ولا مكتملة بأي حال من الأحوال، ويمكن إضافة المزيد من المواد إليها من أدبيات الشرق والغرب السياسية كل يوم، وَلِمَ لا، بلسانٍ عربيٍ مبينٍ.
معجمٌ صغيرٌ مِنْ فْريدْ هَاليدايْ حولَ أكاذيبَ كبيرةٍ مِنَ العربِ والمسلمينَ..
حكمت الحاج من لندن: هذا كتاب جديد صادر هذا العام 2006 بطبعة عربية أنيقة عن (دار الساقي) بلندن، للباحث البريطاني من أصول ايرلندية (فريد هاليداي) أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، تحت عنوان (مائة وهم حول الشرق الأوسط) بدون ذكر اسم المترجم، بعد أن كانت أصدرت له نفس الدار من قبل كتابه (الإسلام والغرب: خرافة المواجهة الدين والسياسة في الشرق الأوسط) عام 1997، وكتاب (الأمة والدين في الشرق الأوسط) عام 2000 ، ثم (الكونية الجذرية لا العولمة المترددة) من ترجمة خالد الحروب عام 2002، وكتاب (ساعتان هزتا العالم.. أيلول/ سبتمبر 2001: الأسباب والنتائج) بترجمة من عبد الإله النعيمي عام 2002، فيما يبدو انه تخصص مفيد من دار نشر عربية مهمة مثل (الساقي) بنشر أعمال مستشرق معاصر على درجة من الأهمية مثل (فريد هاليداي)، الذي كثر القيل والقال حول علاقته ببعض الأمور السياسية الملتبسة، بنفس القدر من الأقاويل التي تصاحب أي كتاب ينشره هذا الرجل الذي تورط في درس العرب والمسلمين فما ناله منهم إلا كل أذى بعد حجاج.إليك مثلا ما كتبه ذات مرة السيد (محمد رضا نصر الله) في جريدة (الرياض) السعودية تحت عنوان دالٍ تماما هو (سقطة فريد هاليداي!) وذلك عند الحديث عن الرجل عندما سقط في مطار هيثرو عائداً من زيارةٍ وَجِلَةٍ إلى بغداد محاولاً التقاط حقيبته.. وكان سبب سقوطه ثقل المجلدات التي أعطيت له في بغداد، ولم يستطع التخلص منها.. أنى له ذلك، كما يقول نصر الله، وهي تنطوي على خطب صدام حسين.. لقد كان من المخاطرة أن يلقيها في سلة مهملات الفندق - كما قال - قد يكون لو فعل محل شبهة بالعمالة لأجهزة استخبارات بلده.. ربما!! رغم أن فريد هاليداي وهو من أبرز رموز اليسار البريطاني، تبنى قضايا عربية.. وله دراسات وكتب شهيرة عن إيران وافغانستان واليمن والجزيرة العربية.. وكان بعضها أثناء الحرب الباردة، ضمن أدبيات معارضة أبناء المنطقة إلى وقت قريب.. ويبدو أن زيارته إلى بغداد قد حدثت أواخر الثمانينيات، حيث أنشأ وبعض رفاقه من العراقيين جمعية تضامنية، في لندن، أطلق عليها اسم "اللجنة ضد القمع والديكتاتورية في العراق".. هكذا هو اسم اللجنة دون تعريف!! لتقف في وجه التيار الجارف - على حد تعبيره - في اليسار البريطاني، الذي قاد بعث صدام حسين إلى التواطؤ مع الفاشية والمجازر.. مما يؤشر إلى تورط عدد منهم في رشى النظام العراقي المخلوع.. وليس بعيداً عن ذلك فيما يبدو البرلماني المطرود مؤخراً جورج غالاوي.. كان واحداً من هؤلاء الذين أبدوا حماساً منقطع النظير في مناصرة صدام حسين ونظامه، حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة . تدخل هاليداي أيضا كما ذكر ذلك في مقالة له بجريدة الحياة، في فضيحة كوبونات صدام النفطية.. إن قائمة جريدة (المدى) البغدادية بمئات الأسماء العراقية والعربية والأوروبية والأمريكية، تشير إلى غالاوي.. لكن هل أشارت كذلك إلى الطبيب الكوبي الذي طلبه صدام من فيدل كاسترو لمعالجته، وبعدما توثقت علاقته به، أعاده إلى بلاده، عميلاً عراقياً ليقوم باستقطاب أبرز الأسماء في كوبا وأمريكا اللاتينية، إلى النظام العراقي، مقابل مكافآت صدام السخية؟! أما فريد هاليداي الذي حاول معارضة رفاقه البريطانيين، في اعتبار صدام حسين أحد طلائع الثورة الجديدة، ودائما مع محمد رضا نصر الله، فإنه بدا ضعيف الصوت، متوارياً عن الأنظار، لم يكد يقرأ له معجبوه في العالم العربي سطراً يبين وجه الحقيقة، إلا بعد سقوط صدام، واحتمال تعفن جسمه في سجن قوات الاحتلال، كما يتمنى . عندها.. أي بعدما طاح الجمل، شهر هاليداي قلمه الناري ليقتص - متأخراً - من صدام سقطته في مطار هيثرو، بعد إصابته بدوار خفيف جراء مكوثه في رحلته الطويلة من بغداد إلى لندن، أدى إلى سقوطه - وهو الطويل القامة، على الأرض.. والحق، والكلام على ذمة نصر الله، إن ما حدث له هو بسبب جبنه من ترك خطب صدام حسين وراءه في غرفة الفندق البغدادي، الذي يحتمل أن تكون ضيافته خمس نجوم.. لمَ لا؟ والضيف بحجم فريد هاليداي الأكاديمي المعروف، والكاتب البارز في الصحف والمحلل المرموق في التلفاز.. انه لم يجرؤ على ذلك.. بل جمع 12 مجلداً مكرراً من خطب صدام ..وحملها على ظهره حتى أدت به إلى ذلك السقوط.بيد أننا نرى، وبعيدا عن مزاعم من هذا النوع تطال دائما الشخصيات المهمة ذات الحراك المتصل بالشأن العام، والخائضة في وحل السياسة بشكل خاص، إن المعنى العام لهذا الكتاب الجديد لفريد هاليداي، يتطرق إلى صلب أحد اكثر المزاعم والادعاءات نفاذا ونفوذا في العصر الحديث وفي الثقافة والأيديولوجيا السياسيتين المعاصرتين، وهو التنطع بالتقاليد وادعاء العمق والتواصل التاريخي، ومن ثم استخدام هذا الماضي- التاريخ، وتلك التقاليد، لتفسير العالم على ما هو عليه اليوم، وكما من اجل توفير مجموعة من المبادئ الخلقية والدينية. لقد تم العمل على تعزيز هذه الدعاوى المرتكزة على تأويل النصوص المقدسة من اجل الذهاب اكثر فاكثر إلى ما يصطلح على تسميته اليوم بالأصولية الدينية.وما هذا الكتاب، كما يقول مؤلفه إلا بأنه محاولة لمقارعة هذا النزوع إلى الماضي-التاريخ، وهو جزء من مشروع أوسع لنقد الفكر القومي والديني ولإعادة تأسيس نظرية كوزموبوليتية وأممية على أمل أن يشكل بداية لا بد منها وخطوة للبحث والنقاش حول العلاقات الدولية المعاصرة. وليس أدل على هذا التوجه الأممي اليساري لدى فريد هاليداي من ذلك المقتبس الذي صدّر به المؤلف كتابه هذا، آخذا إياه من (فولتير) في رسائله الفلسفية (1828) حيث يقول (اذهبوا الى بورصة لندن.. سوف تجدون هناك ممثلين عن الأمم كلها، وهم مجتمعون لما فيه مصلحة الجنس البشري. هناك يعامل كل من اليهودي والمسلم والمسيحي، الآخر، كما لو انه من دين واحد، ولا يطلقون تسمية كفّار إلا على أولئك الذين أفلسوا).يحاول هذا الكتاب أن يستشرف مستقبل الشرق الأوسط من خلال تحليل الأوهام والخرافات التي تكوّن جزءا" كبيرا" من هويته ورصد العلاقات الملتبسة بين دوله،ودرس واقع الأقليات فيه كالأكراد والشيعة واليهود والمسيحيين...ويتحرى أيضا" تأثير الخرافة والأسطورة في الواقع والحضور السياسيين لكل واحدة من هذه الأثنيات، وفي صوغ علاقات بعضها ببعض وفي تحديد علاقاتها الخارجية. وبحسب ما جاء في كلمة لناشر هذا الكتاب جاءت على غلافه الأخير، فان الشرق الأوسط يعيش في غابة من الأثنيات والخرافات. وتكاد تنظم دوله بعضها ببعض، كما وعلاقة هذه الدول جمعاء بالعالم الخارجي,تنظمها هذه الأساطير ,وترسم إلى مدى كبير مسار أحداثها وصورة مستقبلها.لقد كتبت دراسات كثيرة عن منطقة الشرق الأوسط لكن أحدا" لم يستطع فهم كنه طبيعة هذه المنطقة الموغلة عميقا" في الأوهام والخرافات، وإدراك علاقات أثنياتها وشعوبها المتصادمة والمتناحرة.كذلك يبحث الدور المهم الذي اضطلعت به هذه الأساطير في إذكاء الحروب التي شهدها الشرق الأوسط منذ حروب الفرس والعرب مرورا" بالحرب الإيرانية-العراقية، وصولا" فريد هاليداي
إلى حروب السودان والجزائر وليس انتهاءا" بالحرب الأهلية التي تعيش أهوالها شعوب الشرق الأوسط ،والحروب الجديدة المتوقع حدوثها. ولكن، ورغم هذا التعريف الجامع المانع من الناشر، وهذا حق له، فان الكتاب في محصلته ما هو إلا معجم صغير لأكاذيب كبيرة حول الشرق الأوسط، كتبه بذكاء وبراعة لا تضاهى، واحد من ألمع العقول الغربية المهتمة بالشرق الأوسط عامة وبالإسلام خاصة.خذ عندك مثلا هذه الأكذوبة أو لنسمها الأخدوعة: فمزاعم السياسيين الإسلاميين والصهاينة بأنهم يعيدون خلق ماض مفقود غير صحيحة. كيف ذلك؟ يفسر لنا هاليداي الأمر قائلا إن مفهوم الدولة الإسلامية الشيعية الذي قدمه الإمام الخميني وأطلقه عبر الثورة الإيرانية عام 1979 والمفهوم الآخر المتعلق بإحياء الخلافة الإسلامية الذي يسانده المحافظون والمتشددون السّنّة بمن فيهم (القاعدة)، هما مشروعان سياسيان حديثان. وليس لدولة إسرائيل باستثناء طرحها البلاغي، أية علاقة بمملكتي داوود وسليمان القديمتين. بل إن العديد من ابلغ الرموز في السياسات الراهنة هو ادعاءات حديثة. وتلك حال أسامة بن لادن حين يشير إلى السعودية بأنها (بلاد الحرمين) فان هذا التعبير من ابتكاره الشخصي ومن بنات أفكاره.إن كل دول الشرق الأوسط تدعي شرعية قديمة خاضعة للطقوس في حين أنها كيانات حديثة النشوء تم خلقها في القرن العشرين. ولقد وصل الأمر إلى حد أن يجلب الضحك بعد الشفقة ونحن نسمع صباح مساء كيف أن لهذه الدولة العربية أو تلك تاريخ موغل في القدم يرقى إلى اكثر من 4 آلاف عام بينما لم تتورع دويلة عربية ما أن تقول إن عمر الحضارة فيها يصل إلى 7 آلاف عام قبل الميلاد. ولا داعي لذكر الأسماء فجلها معروفة للقاصي والداني.على الجانب الفلسطيني ربما يكون الرمز الأكثر شيوعا هو الكوفية المزركشة التي كان يعتمرها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وتبناها مؤيدو القضية الفلسطينية في أرجاء العالم. والواقع كما يقول لنا فريد هاليداي إنها مشتقة من غطاء رأس عسكري صممته مؤسسة تجارية في مانشستر – وتعود إلى اصل سوري – في العشرينات من القرن الماضي، وكان شعارا مخصصا لفرقة (الفيلق العربي) المشكلة حديثا حينذاك في الأردن.وفي الوهم رقم 84 على الصفحة 164 من الكتاب الذي بين أيدينا، يورد لنا المؤلف كيف انه من الخرافة أن نقول إن مدينة (القدس) كانت طوال قرون موضع تبجيل من المسيحيين واليهود والمسلمين. صحيح إن المسيحيين جعلوا من القدس موقع صلب المسيح لكن مراكز أخرى للسلطات السياسية والدينية خصوصا روما وبيزنطة كانت اكثر أهمية تاريخيا. وأظهر استيلاء الصليبين على القدس عام 1099 ميلادية والمذبحة التي ارتكبوها ضد سكانها اليهود والمسلمين، قلة احترامهم وتقديسهم لهذه المدينة، وكان النزاع بشأن ملكية مفاتيح كنيسة القيامة قد أطلق شرارة حرب القرم عام 1854.وجدير بالملاحظة، كما ينقل لنا المؤلف، انه وأثناء حكم الإمبراطورية العثمانية الذي امتد قرونا فان اليهود استوطنوا العديد من مدن الشرق الأوسط بينما قصدت قلة قليلة منهم القدس للعيش فيها. ويرى المسلمون إن القدس هي موقع المسجد الأقصى الذي يقال انه معراج النبي محمد إلى السماء، ولكن في الجزء الأطول من القرون الأربعة عشر الماضية من التاريخ الإسلامي، ظلت القدس بالنسبة إلى المسلمين مجرد بلدة ريفية. ولم تكن في ظل الإمبراطورية العثمانية حتى عاصمة مقاطعة منفصلة أو حتى ولاية. إن المزاعم الدينية بشأن القدس وترسيخها الإلهي المفترض، على حد زعم فريد هاليداي، تشير بقدر ما يمكن لهذا الادعاء أن يتمتع بالصحة، إلى نسبة ضئيلة من منطقة بلدية القدس الحالية التي خططها المسؤولون الإسرائيليون بعد عام 1967. والمدينة التاريخية التي تعود المزاعم إليها لا تزيد مساحتها على الميل المربع الواحد من المنطقة المسورة. ويربط المؤلف كعادته في هذا الكتاب وفي كتبه السابقة بين أحداث منفصلة في الزمان والمكان ضمن حدود الشرق الأوسط ليقول انه ربما تكون الحقيقة بشأن القدس قد تم إعطاؤها بطريقة غير مقصودة بعد عام 2003 من قبل القوميين الأكراد الذين طالبوا بمدينة كركوك التي يتنازعها الأكراد والعرب والتي تعتبر بالنسبة إليهم (القدس الكردية) أو (قدس الأكراد). وهنا لا يفوت المؤلف أن يدلو بدلوه في هذه القضية الشائكة جدا ليحلها بجرة قلم عندما يقول انه إذا كانت هذه العبارة ترمي إلى تحميل كركوك طابعا تاريخيا ومقدسا، فذلك زائف برمته، لكن إذا كانوا يقصدون إن المدينة أصبحت بسبب القومية الحديثة والهجرة المعاصرة، موقعا للصراع بين الأثنيات والأقليات، فهذا صحيح، ولكن كتعليق ينطبق على القدس اكثر مما ينطبق على كركوك. لماذا؟ لا يعطينا مؤلفنا الجواب الشافي، ولكنه في الخلاصة، وفي معزل عما إذا كانت كركوك هي (القدس الكردية) أم أن القدس قد أصبحت (كركوك العرب واليهود)، فقد تم تحويلها إلى (فيتش) أو تعويذة شوفينية مبالغ فيها، وموضوع للادعاءات القومية المتصلبة والاستنسابية من الجانبين. وسيكون معقولا الافتراض، حسب المؤلف، إن أي طرف في المنطقة لن يوافق على خلاصة كهذه، سواء أكان يهوديا أم عربيا أم كرديا، لكن يستدرك مؤلف الكتاب قائلا إن ذاك لا يقلل من صحتها.وعلى الصفحة 175 نرى إلى فريد هاليداي مؤلف كتاب مائة وهم أو خرافة حول الشرق الأوسط وهو يفند منطوق الوهم رقم 90 القائل بان الحجاب فرض على النساء المسلمات. فليست هنالك أية في القرآن تأمر بتغطية النساء لشعورهن أو رؤوسهن. وتنصح الآية 59 من سورة (الأحزاب) زوجات النبي بتغطية شعورهن. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).وتتحدث الآية 31 من سورة (النور) عن حجب النساء لزينتهن عن عيون الغرباء. (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).لكنّ ممارسةَ إلزامية تغطية الرأس (الحجاب) وتغطية أسفل الوجه حتى العينين (اللثام) لا تمتلك، على حد زعم المؤلف، أية سلطة مستمدة من الشريعة. كما لا تفرض أي من المذاهب الإسلامية الخمس الكبرى في الإسلام الحجاب الإلزامي ولا تأمر به. فهذه عادة اجتماعية انتشرت مع الأصولية الحديثة، ونتجت عن سوء استنباط وتزمت في ممارسة ما أسماه المؤلف (سياسات الهوية).. والحجاب الكامل هو ممارسة مدينية (نسبة إلى المدينة عكس الريف) حديثة بشكل كبير. فمن نافل القول إن أكثرية النساء المسلمات عبر العصور، اللواتي كن يعملن في الحقول الزراعية والسهول، لم يكن يغطين وجوههن، ولا يفعلن ذلك حتى هذا اليوم.وعلى هذا المنوال السالف الذكر بشأن الوهمين أو الخرافتين أو الأكذوبتين أو الأخدوعتين المذكورتين أعلاه حول منطقة الشرق الأوسط بِقَضِّها وقَضيضها، فليقس القارئ الكريم باقي أوهام الكتاب المائة، أهمية وخطورة. على إن ذلك المسرد بالمصطلحات والذي يحتل الصفحات من 197 إلى 279 وجاء تحت عنوان (أزمة 11 أيلول سبتمبر وعواقبها اللغوية) لا يقل أهمية وخطورة عن متن الكتاب الأصلي. انه هذا المسرد هو محاولة فائقة الابتكار من فريد هاليداي لتسجيل التغييرات التي طرأت على اللغة والكلام بعد أحداث أيلول سبتمبر 2001 ، وتهدف إلى تبيان معاني بعض الكلمات والأسماء التي دفعتها الأزمة إلى الصدارة. فعلى سبيل المثال لا الحصر سنعرف ان الاسم المستعار لأسامة بن لادن في الثمانينات كان (أبو كاكا) وان اسمه ارتبط بالانتفاضة السنية في سوريا عام 1982. أما اسمه عند البريطانيين فهو (بن لاينر) أي ما يعادل في المنطوق البريطاني (كيس نفايات).وفي اللغة العالمية العولمية الجديدة مصطلحاً ومفهوماً بعد 11 أيلول سبتمبر 2001، ودائما مع فريد هاليداي، سنتعرف على مفردات جديدة لمدلولات أجد، من مثل (السّعْودة)و(البحْرنة)و(الأمرتة)و(العومنة) حيث تستخدم لوصف سياسات استبدال الأجانب بالمواطنين المحليين في سوق العمل الخليجية خاصة السعودية والبحرين والإمارات وعُمان. وعلى الرغم من الكثير من الحوافز التي تقدمها هذه الدول، فإن قطاعي الأعمال الأجنبي والمحلي قاوما هذه السياسة.أما عن (الفن الإسلامي) فإن هذا مصطلح زائف، حسب ما يقول المؤلف، وليس له أي أساس تاريخي أو فني أو لاهوتي، بل ابتدعه مدراء المتاحف ومنظمو المزادات لتغطية تشكيلة واسعة من أعمال ثقافية وجغرافية مختلفة.وفي السياق نفسه، نفهم ان (الشارع العربي) ما هو في الغرب إلا تعبير لازدراء الرأي العام العربي المجافي للواقع، والمتكون في غالبه في غرف الجلوس او غرف الطعام أثناء مشاهدة التلفزيون. وعلى غرار (الروح العربية) يفترض عدم وجود وجهة نظر عامة موحدة.ويأمل المؤلف من لائحته الضخمة هذه أن تحمل برهانا على قدرة البشر على إعادة تشكيل اللغة في مواجهة الأحداث الجديدة. واللائحة إن كان عمادها اللغة الإنكليزية فإنها ليست مغلقة ولا مكتملة بأي حال من الأحوال، ويمكن إضافة المزيد من المواد إليها من أدبيات الشرق والغرب السياسية كل يوم، وَلِمَ لا، بلسانٍ عربيٍ مبينٍ.
النفط حين يتحول إلى نقمة
يضع العرب أمام خيارات مصيرية
هل بقي في موضوع النفط كلام لم يقل، وأبحاث ودراسات لم تتناوله تحليلا من زوايا مؤثراته المتعددة والمتنوعة؟ وهل يبقى في القلم شيء من الحبر وفي الرؤوس بعض من الافكار الجديدة لدخول هذا العالم الذي جعل الشرق الأوسط في مواجهة خيارات مصيرية ما كانت لتكون لو أن منابع النفط والاحتياط الأكبر منه يقع في باطن الأرض العربية، مما يجعل الموضوع شائكا وله جوانب مختلفة استراتيجية وتنموية وأمنية وعسكرية.
يعالج الدكتور هاني حبيب هذا الموضوع ليضيف اليه تشخيصه ومعالجته الخاصة بخبرة واسعة تراوحت بين دراسته في الاقتصاد السياسي وممارسة عملية في ادارة المنظمات والمؤتمرات الدولية، ومن تجربته سفيراً في الأمم المتحدة وواشنطن والمفوضية الاوروبية وغيرها من مراكز القرار المتصلة بالاقتصاد السياسي العالمي.
النفط مصدر للثروة والطاقة والازمات، وهو يضع العرب أمام خيارات مصيرية في مواجهة وقائع وحقائق موضوعية، تتلاطم فيها أحداث دولية ومصالح ومطامع سياسية وأيديولوجية. فهذه المادة هي مصدر الطاقات والسبيل للوصول الى المدنية، وأعظم متغير في التجارة العالمية. وصناعة النفط أهم الصناعات التي ولدت صناعات أخرى ساهمت في تطور الحضارة.
احتل النفط بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحروب الاقليمية والدولية اللاحقة، خاصة حروب الشرق الاوسط، دورا سياسيا وعسكريا في ادارة الصراعات الاقليمية والدولية، لم يكن آخرها احتلال العراق للكويت في 2 آب / أغسطس 1990، والذي فجر الصراع بين العالم بأسره، والذي تكتل لأول مرة على اختلاف أحلافه العسكرية والاقتصادية والسياسية لمواجهة العراق الذي كان يمكن أن يتحول الى قوة اقليمية كبرى ودولية ذات أهمية، وأن يعيد تركيب توازن القوى والمشاركة في صنع القرارات الدولية. وحين اكتشف نفط الخليج في عام 1936، وتبين أن العراق وايران والسعودية والبحرين، هي مركز الثقل للانتاج العالمي، كانت أميركا تنتج 90% من النفط العالمي، فاحتل الشرق الاوسط مذاك محور استراتيجية الحرب، وتوقف انتصار الجيوش الحليفة على نفط السعودية، الخزان الاكبر للنفط في العالم. واندفعت شركات دول المحور للحصول على امتيازات، إلا ان اميركا احبطت كافة المحاولات، واعتبرت ان النفط العربي عنصر رئيسي ومحوري في الاستراتيجية الاميركية ومصالحها، والعامل الجوهري لأمنها الاقتصادي والعسكري.
وازت نعمة النفط عظمة النقمة التي ابتلتها الدول العربية بسبب الاحتياطي الهائل لديها، وغزارة الانتاج وقلة التكاليف. فتسابقت شركات النفط والاحتكارات العالمية للسيطرة على منابعه بشتى الطرق، سواء عن طريق الابتزاز أو الضغط للحصول على الامتيازات بشروط مجحفة أو بالقوة والدسائس والمؤامرات. وسعت الى ربط دول النفط بمراكز النفوذ والاحلاف.
تحول النفط من ظاهرة اقتصادية الى ظاهرة سياسية تندمج في مفهوم الامن القومي، تعبر عن مقتضيات استراتيجية شاملة لاعادة تشكيل خريطة للنفط في العالم لتقزيم دور وأهمية النفط العربي. نجحت أميركا بتوجهها هذا، حيث أدى البحث والتنقيب الى اكتشاف مناطق نفطية جديدة في النرويج، وبحر الشمال، والاكوادور وألاسكا وكندا واستراليا. وتحول بحر قزوين والدول المجاورة له منطقة صراع للسيطرة على نفطه، كبديل مستقبلي عن النفط العربي. كما عملت أميركا على بناء نظام اقتصادي دولي جديد مرتبط بالسوق العالمية للنفط مركزاها: نيويورك والخليج العربي. وعملت على الغاء وتهميش الاسواق الثلاث المعروفة: الروسية ـ الصينية، والسوق الغربية، والسوق المشكلة من باقي دول العالم بدمجها في سوق دولية واحدة عن طريق منظمة التجارة العالمية. وبعد تحطيم الحواجز بين الاسواق الثلاث اخضعت النفط لسوق العرض والطلب. ويتضمن هذا النظام تزويد الدول الصناعية بالكميات التي تحتاجها من النفط وبالسعر الذي تقرره أميركا. بذلك هيمنت على الثروات الوطنية في دول العالم الثالث، خصوصا بعدما فرضت الغاء الحواجز والقوانين حامية الصناعات الوطنية، وانفتاح الحدود على مصراعيها، وانتقال الاستثمارات الضخمة الى حيث تتوافر العمالة الرخيصة. فعادت دورة التاريخ الاستعمارية بطريقة أخرى وبصورة ادهى وأشد ظلما. إن ظاهرة النفط متكاملة الجوانب والمراحل، تبدأ بالكشف عن المخزون النفطي وتتطور الى استخراجه ونقله وتصنيعه وتسويقه واستهلاكه. ونجد في هذه الدورة أن دور الدول المنتجة والمصدرة يبدأ وينتهي بمنح الامتيازات لتتولى الشركات متابعة سلسلة المراحل التنفيذية الأهم في اطار استراتيجية غربية واضحة المعالم تقودها الولايات المتحدة الاميركية. وتستند اضافة الى ما ذكرنا سابقا على افتعال الحروب واشعالها لطلب المزيد من السلاح لهدر أموال النفط واستعادتها. أو بالغزو المباشر كما في العراق لتحويل منابع النفط الى قواعد عسكرية تفرض سيطرتها من خلالها، سياسيا واقتصاديا على المستويين الاقليمي والدولي.
قامت الدول العربية بانشاء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، من أجل ادارة ثروتها الطبيعية، من خلال علاقة ترابطية بين الاقتصاد القومي والاقتصاد الوطني، وللرد والحد من الهيمنة. وخشت الولايات المتحدة ان يصبح العرب أسياد قرارهم النفطي، ويتحكموا بموارد ثروتهم النفطية التي تشكل 50% من واردات اميركا. لكن الأزمة استفحلت واستطاعت اميركا التحكم والهيمنة وتهميش أوبك بسبب الواقع العربي الممزق. مما يتطلب تجميع الطاقات العربية وتوحيدها. وتعزيز الثقة بين الدول العربية وتنمية الطاقات البشرية الواعية والمدربة لتستطيع استثمار الموارد المادية والثروات الطبيعية بصورة مثالية، في اطار خطة ونظام يحميانها من السيطرة والاستغلال. والتنبه الى خطورة امساك الولايات المتحدة الاميركية بالعالم وثرواته من خلال ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، القابض على اقتصاد العالم.
يعرض الكتاب لتاريخ اكتشاف النفط في منطقة الشرق، في المملكة العربية السعودية والعراق وايران والكويت والامارات العربية المتحدة، كما يعرض كيفية منح الامتيازات والاسباب والدوافع التي كانت وراء ذلك. ويكشف تفاصيل مرحلة تأميم النفط الايراني في عام 1951، وتأميم النفط العراقي، ويعالج اسباب قرار السوفيات باغراق الاسواق بالنفط السوفياتي ويعيدها لاسباب سياسية هدفه كما صرح «خروتشيف»: دفن الغرب الرأسمالي في بحر النفط، وتدمير الاستثمارات الغربية في الشرق الاوسط. وذلك لاضعاف حلف الناتو بشن حرب اقتصادية تطيح بالانظمة التي كانت سائدة وذلك في سياق الحرب الباردة.
ويعرض ايضا لأزمات الطاقة في العالم، من ازمة الطاقة في اوروبا عام 1947، اثر الحرب العالمية الثانية وحلول النفط محل الفحم الحجري في الصناعة وتوليد الطاقة المستورد من الشرق الاوسط لرخص ثمنه التنافسي، ولتوفره بكميات وفيرة ومضمونة ولجودته ولسهولة امداده وتوزيعه. فتم انشاء خط التابلاين لنقل النفط السعودي بسرعة ويسر لانعاش اوروبا المدمرة والمستنزفة. فكان لهذا الخط الدور الكبير في مشروع «مارشال» وتحول اوروبا الى عصر التقدم والتطور والازدهار واستعادة موقعها الصناعي بسرعة. ويقول المؤلف ان تأميم قناة السويس عام 1956، والعدوان الثلاثي على مصر واغلاق القناة، وقطع امدادات النفط بالكامل الى البحر الابيض المتوسط بعد ان فجر السوريون خط التابلاين في الاراضي السورية أوجد ازمة نفط خانقة في اوروبا. وكان من نتائج الحرب وموقف الولايات منها ان اصبحت الشريك الرئيسي في ادارة ملف النفط في العالم وتراجع دور بريطانيا.
اما في حرب 1967، فقد اصدر وزراء النفط العرب قراراً بحظر النفط العربي عن الدول الصديقة لاسرائيل. وطلب وزير النفط السعودي في 7 حزيران (يونيو) من شركة ارامكو التوقف عن شحن النفط الى الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تقلص تدفق النفط الى %60 وتوقف انتاجه بالكامل في كل من ليبيا والسعودية. والفارق بين ازمة 1956 وازمة 1967 ان الاولى انحصرت في مشكلة نقل النفط اما الثانية فكانت في حظره وعدم انتاجه. وتحول النفط العربي في حرب تشرين الأول (اكتوبر) 1973، الى سلاح حينما قررت الدول العربية المنتجة حظر وتخفيض وتقييد انتاج النفط في الوقت الذي غدا فيه دم الحياة الاقتصادية في العالم الصناعي. بلغ حجم النفط العربي المنتج قبل الحظر مباشرة 20.8 مليون برميل في اليوم وتناقص حتى 15.8، اي بفارق 5 ملايين برميل في اليوم، وعلى الرغم من الضآلة النسبية لهذا الحجم من الانتاج الا انه شكل خطورة على الغرب اذ كانت الولايات المتحدة قد استنفدت طاقتها الاحتياطية. ففي حظر 1956 و1967 كان الاحتياط النفطي الاميركي يعيد التوازن بين العرض والطلب ويخفف من ازمات الطاقة. اما في عام 1973 فقد غدت تأثيراته اكثر، فارتفعت اسعار النفط بشكل جنوني وتمكن المنتجون المصدرون من زيادة عائداتهم المالية رغم انخفاض حجم صادراتهم، كما احدث هذا الحظر انقسامات خطيرة في التحالف الغربي فسارعت فرنسا وبعض القوى الغربية لفك ارتباطاتها مع الولايات المتحدة واتخاذ مواقف اكثر ملاءمة مع العرب المنقسمين على انفسهم.
ويعرض المؤلف لأزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الايرانية العراقية والتي أدت الى الهيمنة الاميركية شبه الكاملة على العالم مع تفكك الاتحاد السوفيتي. وما تبع ذلك من احداث دراماتيكية كالسيطرة على افغانستان واحتلال العراق عام 2003، فأصبح معظم نفط العالم واحتياطه في متناول الولايات المتحدة مباشرة.
هل كانت حركة الأفغاني تهدف إلى الإصلاح الديني ؟
تأسيسا على معنى الإصلاح كما هو وارد في القرن السادس عشر
تتناول الدكتورة فريال حسن خليفة في كتابها «أهمية العقل.. الإصلاح الديني والتواصل الحضاري» الصادر حديثا عن «الهيئة العامة المصرية للكتاب» جهود الإصلاح عند كل من مارتن لوثر في أوروبا وجمال الدين الافغاني في العالم الاسلامي، وعلاقة الإصلاح الديني بالتواصل الحضاري، وكيف أن الإصلاح الديني يأتي على قمة أولويات برامج الإصلاح باعتبار أن الدين في مجتمعاتنا العربية يعد مقوماً رئيسياً في تراثها الثقافي.
وتبين المؤلفة في المقدمة أن علاقة الإصلاح الديني بالتواصل الحضاري تعتمد بشكل أساسي على القدرة على استخدام العقل وأهمية إعماله في الدين مستشهدة بحركة «مارتن لوثر» الإصلاحية وبمنهجه في الإصلاح الديني حين سخط على الأوضاع الدينية في أوروبا في القرن السادس عشر الميلادي معلياً من سلطة العقل ورافضاً الوصاية الكهنوتية التي فرضها رجال الدين على الناس في ذلك العصر.
وعقدت المؤلفة مقارنة بين حركة «لوثر» وبين تلك التي قام بها جمال الدين الأفغاني في الشرق، مؤكدة اختلاف الإصلاح الديني الذي نادى به الأفغاني عنه عند لوثر، مشيرة إلى أن الأفغاني رغم رفعه لشعار العقل إلا أنه لا يجعل أعماله في النص الديني إلا قياسا وبذا يصير العقل عنده مشروطا وليس شرطاً. ولفتت المؤلفة إلى أن المشروع الإصلاحي الذي تبناه الافغانى (الإحياء الديني في نهضة المسلمين حضاريا) لم يفلح في تحقيق هدفه كما ظن الافغاني، وانه لم يثمر إلا هذه الحركات الإسلامية المعاصرة التي تدفع بالمجتمعات العربية على الوقوع في فتنة طائفية.
وتوضح المؤلفة في الفصل الأول الذي يحمل عنوان «الإصلاح الديني عند مارتن لوثر» معنى الإصلاح الديني في القرن السادس عشر في أوروبا والأسس التي قام عليها ذلك الإصلاح، والمبررات والأسباب الدافعة لقيام حركة الإصلاح الديني، وفيما إذا كان رد فعل على تردي أوضاع الكنيسة المسيحية والممارسة الدينية الخاطئة في العصر الوسيط، أم كان نتيجة للإحساس الشديد بحدة التناقض بين الدين والحياة، وبين المثال والواقع، والتطورات المتلاحقة على مختلف مناحي الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في أوروبا خلال القرن الخامس عشر.
وتؤكد المؤلفة أن مختلف هذه الأوضاع في جملتها وعلى اتساعها تشكل الأسباب الحقيقية للإصلاح الديني الذي يمثل ضرورة ومطلباً حضارياً لكل نهضة مجتمعية، مشيرة الى أن ثمار هذا الإصلاح قد تبدت في كل جوانب المجتمع الأوروبي الفكرية والدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بشكل عام.
وتوضح المؤلفة أن الإصلاح الديني عند لوثر له شقان مترابطان: الأول إصلاح المعتقدات والثاني إصلاح المؤسسة الدينية. ويتطلب الإصلاح الأول إعمال العقل بحرية تامة وبجرأة وبلا خوف أو شروط في فهم النصوص الدينية وتفسيرها فيضع العقل حداً للمعتقدات التي لا تتسق والعقل، كما تتلاشى الرؤية الأحادية ويتأكد حق الإنسان في التفكير العقلي الحر، في فضاء حرية غير مشروطة إلا بالعقل ذاته، لا سلطة دينية عليه أو سلطة تراثية.
أما إصلاح المؤسسة الدينية فيقوم على هدم السلطة البابوية، هدم القانون الكنسي وتحديد مملكة الله بأنها كل فرد يستمع بصدق إلى صوت المسيح، وإلى كلماته، وتأكيد مبدأ الحرية والمساواة والديمقراطية في المجامع الكنسية وعدم الخلط بين قانون الروح والقانون المدني، فكل منهما له مجاله ولا تداخل مع الآخر، ويجب احترام الدولة السياسية والقانون المدني وأن يكون الناس سواسية أمام القانون. ومن ثم تؤكد المؤلفة أن الإصلاح الديني عند لوثر يهدف إلى تجديد الدين وإعادة بنائه وفقاً للعقل والكتاب المقدس وتعاليم المسيح، مشيرة إلى أن إعادة البناء ـ في فكر لوثر ـ تستلزم الهدم، هدم البابوية، هدم الطقوس والمعتقدات المزيفة خاصة أن القانون الكنسي ينص على أن البابا لـه سلطة تفسير تعاليم الكتاب المقدس وفقاً لإرادته ولا يسمح لأحد أن يفسره خلاف البابا الذي جعله القانون فوق كلمة الله وفوق البشر، فألغي عقل الجميع إلا عقله.
وتأسيساً على معنى الإصلاح، كما هو وارد في القرن السادس عشر، بدأت المؤلفة الفصل الثاني بعنوان «الإصلاح الديني عند جمال الدين الأفغاني» بتساؤل هام: إلى أي مدى يمكن أن نسمي حركة الأفغاني في العالم الإسلامي إصلاحا دينيا ؟
واقتضت الإجابة تحديد المعوقات الأساسية للإصلاح عند الأفغاني مما أفضى إلى تبين آثار الحركة الأفغانية على العالم الإسلامي ومستقبله الحضاري.
وتوضح المؤلفة أنه بدلا من أن يقدم الأفغاني رؤية جديدة في فهم الدين الإسلامي لتسمح للفرد والمجتمع بالانطلاق والتطور قدم لنا الدولة الدينية أو الجامعة الإسلامية لتكون وحدة الدين والدنيا، وحدة تتجاوز الجنسية أو الشعب أو القومية وهي هدف الأفغاني الأساسي ورؤيته المستقبلية، التي أراد منها قدرة المسلمين على مواجهة الغزو الاستعماري من الخارج والتخلف والتفكك في الداخل. وترى المؤلفة أن دعوة الأفغاني حول الهوية الإسلامية والحضارة الإسلامية نأت بهما عن مسار الحضارة الإنسانية.
عرب منسيون في معسكرات الاعتقال النازية
تعرضوا كغيرهم لصنوف من التعذيب والقهر والجوع والقتل
لماذا لم يُول ضحايا النازية والفاشية من العرب في كتابة التاريخ العربي وغير العربي اهتماماً حتى الآن، بل تمّ التركيز وبأبحاث مكثفة حول تعاون السياسيين العرب مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية ؟ هذا الكتاب الصادر بالألمانية هو محاولة لإنصاف ضحايا النازية المنسيين.
في هذا الكتاب، يتناول المؤلف فئة من ضحايا النازية الذين اعتقلوا في معسكرات الاعتقال الألمانية بين عامي 1939 ـ 1945 لتعريف الشعب الألماني والشعوب الأخرى بحقيقة أن العرب، مسلمين ومسيحيين، كانوا أيضاً من ضحايا الاجرام النازي، وأن من الواجب إخراج هذه الحقيقة من النسيان إلى التاريخ وإنهاء عملية احتكار دور الضحية، وتعريف العرب بخطر الفكر العنصري، الذي لا يستثني أحداً من إجرامه.
لقد تعرض العرب كغيرهم من المعتقلين في المعسكرات النازية لصنوف من التعذيب والقهر والجوع والقتل، لكنهم ظلوا منسيين على الرغم من أن عدد هؤلاء المعتقلين لم يكن قليلاً وممكنة مقارنته بعدد المعتقلين المنتمين إلى الأمم الأخرى.
وكان بعض المؤرخين قد حاول إضفاء صفة التواطؤ بين النازية والعرب لترويج الادعاء بأنهم ساهموا في شكل ما بالهولوكست، وأضفى بعضهم صفة الشيطان على أمين الحسيني حتى أن المؤرخ غرملتسا تجرأ على صياغة تفيد بأن «معاداة السامية لم تسُق بعد عربياً إلى غرفة غاز ألمانية».
من الظاهر أن هذا المؤرخ يحاول أن يقدّر أعداد ضحايا النازية من غير اليهود بأنها أقل من ضحايا اليهود، وأنه لا توجد لائحة بأسماء «المعتقلين ذوي العقيدة الإسلامية» في معسكرات الاعتقال الألمانية منذ ايار عام 1944، ليس لعدم وجود المسلمين بل بناء على إيعاز من هاينريش هملر، قائد منظمة وحدات الدفاع في الرايخ. والهدف من ذلك حمْل المسلمين على التطوع لصالح وحدات السلاح التي كانت تتألف على الأغلب من متطوعين بوسنيين وألبان، وكذلك من وحدات إسلامية من أسرى الحرب السوفييت السابقين. وقد ذكر رغم ذلك في هذه اللائحة أسماء 1130 رجلاً مسلماً و19 امرأة من أفريقيا وفرنسا واليونان وتركيا وغيرها من الدول.
أما العرب فلا يذكرون في هذه اللائحة، ذلك لأن معظم هؤلاء المعتقلين العرب كان يعتبر من التابعية الفرنسية أو الإيطالية أو الإسبانية أو غيرها. ولم يكن المعتقلون العرب الذين جرى توثيق اعتقالهم موجودين في معسكر واحد فحسب، بل في كل معسكرات الاعتقال النازية تقريباً، وكان معظمهم من شمال أفريقيا. وفي بعض معسكرات الاعتقال كان ثمّة وجود يمكن إثباته لنساء يحملن أسماء عربية، لكنهن في الحقيقة زوجات فرنسيات لمهاجرين عرب، وزجّ بآخرين كأسرى حرب من الجيش الفرنسي المهزوم الذي أدوا فيه الخدمة العسكرية بحكم كونهم ملتزمين بخدمة العلم.
على أن هذه الفئة من الضحايا، ومصير كل فرد منها، لم تجد لها مكاناً في الذاكرة الجماعية، ومن النادر أن تظهر أسماؤهم في السجلات التاريخية.
قد يكون السبب في هذا النسيان، كما ادّعى البعض، أن عدد المعتقلين العرب الموثقين يُقدر بألف معتقل، وأن هذا العدد أقل من أن يضمن لهم حيِّزاً في الذاكرة الجمعية للشعوب. لكن في مقابل هذه الحجّة هناك أعداد أقل كالألبان والسويسريين والاستونيين والأتراك كانوا ضحايا النازية يذكرون في أدبيات البحث ويحظون بالتقدير لهذا الاعتبار.
لقد اعتقل معظم العرب منذ عام 1943 في فرنسا، عن طريق شرطة الأمن. واعتقل البعض في النمسا وكولونيا وفرانكفورت وغيرها. كما حدثت عمليات نقل للمعتقلين من العرب من بروكسل وتونس وغيرهما، ويمكن استنتاج خمسة من أسباب الاعتقال على الأقل:
الفئة الأولى: «معتقلو الليل والضباب / NN»، أي المعتقلون على نحو غير قانوني. وكان يتم النظر إليهم على أنهم قاتلوا في صفوف المقاومة الفرنسية، وعزل هؤلاء في سجنهم عن العالم الخارجي وخضعوا لـ«معاملة خاصة».
الفئة الثانية : تتألف من العرب الذين قاتلوا في الحرب الأهلية الإسبانية إلى جانب الجمهوريين، وقد صنّفوا باسم «الإسبان الحمر» أي الشيوعيين.
الفئة الثالثة: من أطلق عليهم اسم معتقلي «يهود بنغازي» وهم من يهود ليبيا واليمن والمغرب والعراق. ولم يميزوا كيهود في معسكرات الاعتقال، بل تحت بند «الفئات المحايدة من الوجهة العرقية» وهو الأمر الذي حماهم من مصير أسوأ.
الفئة الرابعة: «منتهكو بنود عقود العمل» ممن كانوا قد أصبحوا عمال سخرة ملتزمين بالعمل في أوروبا المحتلة. وصدرت بحقهم أحكام من المحاكم بارتكاب «الجرائم بحق اقتصاد الحرب» أو «الابتعاد عن مكان العمل» وهم فئة استخفت أول الأمر فيما يسمّى «معسكرات التربية على العمل» واعتبروا «مفسدي الشعب» وبالتالي مفسدي المجتمع. وقد زجّ بهم في معسكر الإبعاد عن البلاد.
الفئة الخامسة: «الهاربون من خدمة العلم»، وكانت الأغلبية الساحقة من المعتقلين العرب (95%) يسجلون على أنهم فرنسيون تحت اسم «فرنسي معتقل بقصد الحماية» فيحملون إشارة الحرف «F». وكان نظام الفئات يؤدي إلى التفرقة وبث بذور الشقاق بين المعتقلين، ويكون له آخر الأمر القول الفصل في حياتهم أو موتهم. وفي بعض معسكرات الاعتقال فئات أضيفت عليها رموز قومية عربية مثل «سياسي فرنسي / الجزائر» وفئات تمثل العربي عموماً مثل «عامل، مدني، عربي» أو «عربي / سياسي» وغيرها من الفئات المنوعة حسب البلدان والأقاليم كالمصري أو عراقي وغير ذلك.
وتتوافر بعض المعلومات عن مؤهلات المعتقلين العرب وفئاتهم العمرية وكذلك عن أسباب الوفيات بينهم. فقد كانوا بمعظمهم عمالاً وبعضهم عمال متخصصون وأصحاب مهن يدوية وموظفون وعاملون في قطاع الخدمات، إضافة إلى ان القليل من بينهم كانوا من الفلاحين والعمال الزراعيين، ما يؤكد أن معظم المعتقلين العرب كانوا مهاجرين من أجل العمل، ومن الممكن أن نفترض أنهم كانوا على الأغلب، يحسنون القراءة والكتابة.
وكانت الاغلبية الكبرى منهم (70%) فوق سن العشرين ودون الاربعين، و(25%) فوق الأربعين، و(5%) دون العشرين. ومن الثابت أن (20%) أي خُمْس المعتقلين العرب لم يخرجوا أحياء من معسكرات الاعتقال. وتعود أسباب الوفاة إلى مرض السل والوهن الجسدي العام والإصابات بالعجز الدائم عن العمل أثناء الاعتقال والتعذيب.
100 عام من التاريخ السياسي لمنطقة الشرق الأوسط
الألماني هايكو فلوتاو يعبر عن قلقه مما ينتظر المنطقة من النيل الى تورابورا
«من النيل الى تورابورا» أحد أهم الكتب التي صدرت أخيرا في القاهرة للخبير في شؤون الشرق الأوسط، الصحافي الألماني هايكو فلوتاو الذي عمل مراسلا لصحيفة «سود دويتشي تسايتونج» الألمانية في الشرق الأوسط طيلة 15 عاما اختتمها بهذا الكتاب، الذي يعرض لمائة عام من التاريخ السياسي لمنطقة الشرق الأوسط بدءا من اتفاقية «سايكس بيكو» وانتهاء بسياستي بوش وبلير، في سياق استشراقي يطرح وجهتي نظر متعارضتين. حول هذا الكتاب وعدد من قضايا الشرق الأوسط التي شغل بها هايكو كان هذا الحوار:
> لماذا قررت، أولاً، كتابة تاريخ الشرق الأوسط طيلة مائة عام؟
ـ كتبت هذا الكتاب لأنني شعرت أن كثيرا من الأوروبيين والألمان على وجه الخصوص يجهلون جذور الصراع في الشرق الأوسط. فقررت أن أكتب بحثا شاملا يمتد لأكثر من مائة عام ويغطي منطقة الشرق الاوسط، موضحا أسباب الصراعات المختلفة في المنطقة وخلفياتها التاريخية، كما قررت عدم الاقتصار على الرؤية الأوروبية في سرد التاريخ السياسي للمنطقة فحاولت فهم الصراع من وجهة النظر العربية أيضا.
> ما هي مصادر هذه الرؤية العربية؟
ـ سافرت إلى جميع الدول العربية طوال 15 عاما من عملي مراسلا لصحيفة ألمانية في الشرق الأوسط. تحدثت الى اشخاص كثيرين من مختلف التيارات السياسية، وكان الشعب العربي هو المصدر الأول للرؤية العربية، اضافة الى قراءة عدد كبير من الدراسات والكتابات العربية التاريخية الموضوعية والعلمية المجردة من أية أسس ايديولوجية.
> هل تعتقد أنك نجحت في احداث هذا التوازن المأمول؟
ـ اعتقد ذلك، فقد كانت هناك ردود أفعال إيجابية في ألمانيا وتلقيت الكثير من التعليقات من القراء هناك حول مدى تأثير كتابي عليهم في فهم حقيقة الصراع في الشرق الأوسط، حتى أنني تلقيت رسائل من مدرسين ألمان أخبروني أنهم يستخدمون كتابي في تدريس مادة تاريخ الشرق الأوسط للطلاب في العديد من المدارس الألمانية. افترض أن هناك بعض النجاح. وهناك دليل آخر يتمثل في اهتمام دار نشر عربية بالكتاب وقيامها بترجمته ونشره في طبعة عربية جديدة.
> ما الفرضية الأساسية التي حاولت طرحها على القارئ الالماني؟
ـ الفكرة الأساسية كانت توضيح أصول الصراع العربي الإسرائيلي وجذوره التاريخية. إنها تعود لبريطانيا في القرن السابع عشر الميلادي، والى ما يسمى بالمسيحية الصهيونية حين بدأت انجلترا بالمناداة بضرورة (عودة) اليهود إلى أرض فلسطين، الأمر الذي تطور فيما بعد في الوعى الانجليزي، وصولا إلى إصدار وعد بلفور عام 1917 والدعم البريطاني لليهود القادمين من أوروبا آنذاك. وفي ثنايا بحثي توصلت إلى أننا نتحدث دوما عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 والثانية عام 2000، غير أن لدينا في الواقع انتفاضة ثالثة أو بالأحرى أولى، وهي انتفاضة الحسيني فيما بين عامي 1936 و1940.
> ما هي معوقات التقدم في العالم العربي برأيك؟
ـ أولا، هناك بعض النظم الاستبدادية التي تعمل على عدم ظهور مجتمع مدني قوي. يجب أن يكون هناك مجتمع مدني فعال، اضافة إلى وجود اقتصاد وطني قابل للنمو، وهذا ما تمثله اقتصاديات بعض الدول الخليجية، بيد أن هناك دولا أخرى تفتقر لمثل هذا الإنجاز، وهناك سبب ثالث غير أنه لا يعد اتهاما بقدر ما هو توضيح لواقع قائم، وهو أن المجتمع العربي لا يزال مجتمعا قبليا انتماءاته مرتبطة بالعائلة والقبيلة والمنطقة، ويبدو هذا جليا في الانتخابات التي تجرى في معظم الدول العربية. أما في أوروبا فالانتماء والتضامن أفقيان وليس رأسيا كما هو الحال عربيا.
> الأمر، إذن، متعلق بالثقافة الاجتماعية؟
ـ في أوروبا قامت المسيحية بقمع الديمقراطية والحريات لقرون عديدة، بعد ذلك حدث التطور الاجتماعي والسياسي والصناعي، لكن كان ذلك كله نتيجة لصراع الديمقراطية ضد سيطرة الكنيسة، غير أنه يجب ألا يعمم هذا النموذج على الثقافات الأخرى. دعني أقل لك إن المشكلة ليست في الثقافة، بل في طريقة التفكير، فحتى قبل الاسلام كان هناك الارتباط بالمصير المحتوم غير القابل للنقاش أو حتى محاولة التغيير. وهناك دول مسلمة غير عربية أحرزت نجاحات اقتصادية وسياسية هائلة مما يفند تلك المقولة حول علاقة الثقافة الإسلامية بالتطور. ربما تحتاج هذه الثقافة لتكييف خطابها مع العصر.
> وهل ترى امكانية للسلام العربي الإسرائيلي في ضوء المنظور التاريخي لمائة عام مضت من الصراع؟
ـ لا يوجد من الناحية السياسية الواقعية ما يسمى بعملية السلام. إنها ليست سوى حرب، والاختلاف فقط يتعلق بوتيرتها المتصاعدة تارة والمائلة للهدوء تارة أخرى. ومن المنظور التاريخي يسيطر التشاؤم واستحالة التوصل لحل على مجريات الواقع. الفلسطينيون يقولون إنهم في غضون عشر سنوات سيمثلون الأغلبية السكانية على أرض فلسطين التاريخية وستؤول الأمور في النهاية لهم، ولذلك قامت اسرائيل ببناء الجدار العازل. لذلك فرضيات الحل تظل صعبة جدا.
> مقاربتك التاريخية في كتابك بين احتلال بغداد من قبل البريطانيين عام 1917 والامريكيين عام 2003، هل أردت منها القول أن هناك تشابهاً في الأهداف؟ و«إن الذاكرة الاستعمارية» حسب تعبيرك، ما تزال طرية؟
ـ التشابة في الظروف والأهداف بل حتى في الكلمات والبيانات التى أصدرها البريطانيون في القرن الماضي والامريكيون في بداية هذا القرن، تؤكد أن الذاكرة الاستعمارية لا تزال نشطة وتجيد لعبة المصالح التي تخدم بالدرجة الأولى أهدافها قبل أهداف الشعوب (المحررة). أنظر الى كلمات مارك سايكس رجل الخارجية البريطانية التي وجهها إلى الشعب العراقي لدى دخوله بغداد عام 1917: «يا أهل بغداد تذكروا معي أجيالا ذاقت ألوانا من المعاناة تحت وطأة المستبدين الأجانب.. فلا يمكن للسلام وأسباب التقدم في الحياة أن تزدهر في ظل حكم يسوده القهر وسوء الادارة». قارن بين هذه الكلمات وما قاله جورج بوش قبل الحرب، من ضرورة مواجهة خطر صدام حسين واهمية تحرير 23 مليون عراقي من نير الاستبداد والديكتاتورية، لتتأكد من أن مشروع تغيير نظم الحكم ليست على الاطلاق وليدة فكر الرئيس الأمريكي جورج بوش، فالمحاولات المتعلقة بإعادة تشكيل الشرق الأدنى والأوسط، بحيث تقوم على خدمة دول الشرق للمصالح الغربية، لا تعد ولا تحصى.
> كيف ترى العراق في سياق المنظور التاريخي الذي حرصت على ابرازه في ثنايا بحثك؟
ـ العراق الموحد انتهى للأبد، فلدينا الآن بالفعل دولة كردية في الشمال لا ينقصها سوى الاعتراف الدولي. والباقي، أي الوسط والجنوب، سيتحول الى لبنان آخر وليس إلى دولتين مستقلتين. سيكون السنة والشيعة معا في تلك الدولة على غرار النموذج اللبناني وذلك في المستقبل المنظور.
> في ضوء دراستك للواقع العربي في الماضي والحاضر، والاستنتاجات التي توصلت إليها، ما ينبغي في رأيك على العرب فعله حيال ذلك؟
ـ أولا فك الارتباط مع سياسات الادارة الأمريكية الحالية وذلك لإعادة الثقة المفقودة بين الشعوب والأنظمة. كما يجب على الحكومات السعى من أجل الانبعاث الاقتصادي والاجتماعي في سبيل الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية. ولديكم موارد وطاقات تمكنكم من البدء في ذلك.
> وماذا عن المشهد الشرق أوسطي من النيل الى تورابورا الآن؟
ـ لدينا صراع سيستمر في فلسطين، وكان لدينا حرب في لبنان لن تكون الأخيرة، والعراق لا يزال في النفق المظلم الملطخ بالدماء، وهناك الأزمة النووية مع ايران، وفي افغانستان عادت طالبان بقوة والقاعدة لاتزال تمثل تهديدا حقيقيا للغرب. وهذا ما يمثل في حقيقة الأمر فشلا ذريعا للسياسات الغربية في منطقة الشرق الأوسط. أنظر الى الدول الكبرى التي لديها أسلحة نووية وفي نفس الوقت يعترضون على حيازة الآخرين لتلك الأسلحة. يجب العمل على تعميم التحريم لهذه الأسلحة المدمرة في هذه المنطقة وغيرها من مناطق العالم، بدلا من الانتقائية التي يمارسها الغرب على شعوب المنطقة. وفي النهاية ونتيجة لذلك كله لا أستطيع اخفاء قلقي وتشاؤمي مما ينتظر الشرق الأوسط من النيل الى تورابورا.
* هايكو فلوتاو في سطور
> ولد عام 1939 في برلين في اليوم الثاني لاندلاع الحرب العالمية الثانية.
> كان والده يعمل بالتدريس، وخدم مرغما في صفوف الجيش النازي.
> درس بجامعة «ساربروكين» الألمانية، حيث تخصص في التاريخ واللغة الانجليزية.
> في عام 1967 التحق بصحيفة «سود دويتشيه تسايتونج»، حيث عمل مراسلا للشئون المحلية.
> في عام 1976 أصبح مراسلا متجولا بين دول أوروبا الشرقية.
> في مطلع الثمانينات انتقل إلى دول البلقان لتغطية الأحداث هناك.
> في عام 1986 انتقل إلى الشرق الأوسط، حيث قام بتغطية أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى وغزو الكويت.
> في عام 1994 عاد مرة أخرى إلى أوروبا الشرقية حيث قضى عامين هناك، ليعود بعدها مجددا إلى الشرق الأوسط.
> له عدد من المؤلفات في السياسة الدولية، قائمة في معظمها على ما شهده خلال مسيرته الصحافية، من أبرزها «الجوع في بلاد الرب»، الذي تناول ظاهرة الفقر المدقع في الولايات المتحدة الأمريكية.
200 عائلة تحكم فرنسا
عادت الآن إلى سابق عهدها بعد أن فقدت نفوذها طويلاً
ساهم في تأليف هذا الكتاب الباحثان الفرنسيان بيير هنري دو منتون، واريك تريغييه. والأول هو رئيس تحرير مجلة شالانج (أي التحدي بالعربية). وهو مختص بالصحافة الاقتصادية والأسواق المصرفية أو المالية.
في هذا الكتاب الجديد والفريد من نوعه في اللغة الفرنسية نجد أسماء أغنى مائتي عائلة في فرنسا. وهي مرتبة بالتدريج طبقا لغناها. فالأغنى يذكر أولا، ثم الأقل غنى، وهكذا دواليك حتى النهاية. وفي المقدمة العامة للكتاب، يقول المؤلفان ما يلي: في عام 1934 ألقى رئيس وزراء فرنسا السابق ادوار دالادييه خطابا شهيرا في مؤتمر الحزب الراديكالي. وقد أدان فيه على الملأ المائتي عائلة التي تحكم فرنسا! وندّد فيه بالضغوط التي تمارسها الأوساط المصرفية والمالية على الحكومة الفرنسية.ومنذ ذلك الوقت ما انفك اليسار والحزب الشيوعي تحديدا يدينان الغنى الفاحش لبعض العائلات القليلة، ويدعوان إلى توزيعه على الشعب الفرنسي كله لكي ينتهي الفقر وتتحقق المساواة. وقال دالادييه بأن هذه العائلات الثرية هي التي تتحكم بمعظم أسهم بنك فرنسا. وبالتالي فمصير فرنسا في أيديها تتصرف به كما تشاء. وهذا شيء غير مقبول وغير معقول. فلماذا اندلعت الثورة الفرنسية إذن؟ ألم يكن هدفها القضاء على حكم الارستقراطية والإقطاعية الكبرى التي كانت تتحكم في رقاب الشعب طيلة عهود ملوك فرنسا، أي طيلة قرون وقرون؟ ألم يكن هدفها تحقيق الشعار الشهير المنقوش على واجهة كل المباني الرسمية للجمهورية الفرنسية: حرية، مساواة، إخاء؟ وهل ضحى الشعب الفرنسي بكل تلك التضحيات، أو سفك كل تلك الدماء لكي تتحكم فيه العائلات الغنية من جديد؟ بالطبع فإن معظم العائلات الجديدة أصبحت بورجوازية بعد أن كانت ارستقراطية سابقا. وهذا مفهوم. لأن فرنسا انتقلت من عهد الاقتصاد الزراعي الريفي، إلى عهد الاقتصاد الصناعي الحديث. وكان ذلك يعني حلول الطبقة البورجوازية محل الطبقة الإقطاعية.
الأمة كلها تتظاهر ضد حكم المائتي عائلة! وهكذا وجد الراديكاليون والاشتراكيون والشيوعيون قاسما مشتركا بينهم هو كره القوة المصرفية للطبقات الغنية. وقد لعب الحزب الشيوعي على هذه النقطة كثيرا فيما بعد وسعى إلى تغذية الصراع الطبقي في فرنسا وتأليب الطبقات العمالية والشعبية الواسعة على طبقة البورجوازية والرأسمالية التي لا تشكل أكثر من 5% من الشعب الفرنسي. ولكنها تتحكم في معظم ثرواته ووسائل انتاجه. ثم يردف المؤلفان قائلين: ولذلك فعندما وصلت الجبهة الشعبية إلى السلطة عام 1936، فإن أول قرار اتخذته هو تفكيك المائتي عائلة التي تتحكّم في الشعب الفرنسي. وقد استغل الكاتب الفرنسي «سيلين» المشهور بمعاداة السامية وقوة إبداعه الأدبي هذا الموضوع بطريقة متطرفة عندما قال في عبارة ذهبت مثلا: يتحدثون عن المائتي عائلة غنية التي تتحكم بفرنسا. وكان ينبغي عليهم أن يتحدثوا عن الخمسمائة ألف عائلة يهودية التي تحتل فرنسا!
وأول قرار اتخذه ميتران والاشتراكيون والشيوعيون عندما وصلوا إلى السلطة عام 1981 هو فرض ضريبة على الأغنياء الكبار وتوزيعها على الشعب الفقير المحتاج. ولهذا السبب فإن عائلة روتشيلد الغنية جدا حاولت الحفاظ على اسم البنك الخاص بها بعد أن أمّمه الاشتراكيون. ولكن هؤلاء رفضوا وغيروا اسم البنك فأصبح يدعى «بنك باريس أورليان». فالحكومة اليسارية لم تقبل إطلاقا بالمحافظة على هذا الاسم الشهير (روتشيلد) الذي يجسّد قمة الرأسمالية العائلية بل والعالمية. وبالتالي فإنه يجسّد قمة الاستغلال.
ولكن هذه العائلات الكبرى عادت الآن إلى سابق عهدها من جديد. وأكبر دليل على ذلك التصنيف الذي سنقدمه لاحقا والذي يظهر مدى غناها بمليارات اليورو وليس بالملايين!
فبالإضافة إلى عائلة روتشيلد هناك عائلات أخرى غنية مثلها أو حتى أغنى منها. فهي لا تجيء في الواقع إلا في المرتبة العاشرة! فهناك عائلة رئيس أرباب العمل الفرنسيين الارستقراطي ارنست انطوان سيليير دو لابورد، وهناك عائلة مارسيل داسو صانع طائرات الميراج الشهيرة، وهناك عائلة بويغ التي بنت الجامعات والقصور والمباني الرسمية في دول عديدة من العالم بما فيها السعودية، وهي تملك القناة الأولى في التلفزيون الفرنسي. وهناك عائلات أخرى عديدة سوف نتعرض لها لاحقا وبالتفصيل. ويبدو أن الطبقة التكنوقراطية الجديدة خريجة مدرسة الإدارة العليا ENA ومدرسة البوليتكنيك Polytechnique وغيرهما هي التي تسيطر الآن على الإدارة الفرنسية وقد حلت محل المائتي عائلة قديمة التي كانت سائدة في عهد دالادييه في الثلث الأول من القرن العشرين.
* بعض العائلات الكبرى الفرنسية مرتبة حسب غناها وثرواتها
* العائلة رقم (1): عائلة بيتينكور: وهي أغنى عائلة فرنسية في الوقت الراهن. وتبلغ ثروتها حتى عام 2003 ما يلي: ثلاثة عشر ألف مليار يورو وأربعمائة وخمسة وثلاثين مليونا. وهذا ما يقابل الخمسة عشر مليار دولار! وهي مختصة بالصناعات التجميلية وصباغات الشعر. وتسيطر العائلة حاليا على شركة «لوريال» الشهيرة L’OREAL. ومؤسس العائلة أندريه بيتنكور كان صديقا شخصيا لفرنسوا ميتران ووزيرا في حكومة شارل ديغول وجورج بومبيدو. وبالتالي فقد جمع بين صداقة اليمين واليسار معا!
* العائلة رقم 2: عائلة مولييز: وهي تسيطر على مخازن البيع الكبرى أو السوبرماركيت المدعوة أوشان AUCHAN وسواها. وتبلغ ثروتها عام 2003: 11 مليار يورو، أحد عشر مليار. ويعود أصل العائلة إلى مدينة روبيهROUBAIS ، وكانت معروفة في القرن التاسع عشر وتشتغل في الزراعة. ثم انضمت إلى الطبقة البورجوازية الصناعية في المدينة.
* العائلة رقم 3: عائلة آرنو: ثروتها عام 2003: عشرة مليارات يورو ومائتان وثمانية عشر مليونا. مختصة بصناعة التحف والكماليات الراقية والغالية.
* العائلة رقم 4: عائلة بينو: ثروتها أربعة مليارات يورو وخمسة وأربعون مليونا. وهي مختصة بصناعة الكماليات وتوزيع المواد الاستهلاكية في الأسواق الكبرى (السوبرماركيت). ويعتبر زعيم العائلة فرانسوا بينو من كبار رجال الأعمال الفرنسيين حاليا. وهو صديق لجاك شيراك وبعض كبار رجال السياسة الآخرين. كما أنه صديق للفيلسوف برنار هنري ليفي.
* العائلة رقم 5: وهي مؤلفة من ثلاث عائلات: دوما، بويش، غيران: ثروتها: ثلاثة مليارات يورو وستمائة وأربعة وثلاثون مليون. اختصاصها: تجارة الكماليات الترفيهية.
العائلة رقم 6: عائلة داسو : ثروتها: ثلاثة مليارات وثلاثمائة مليون يورو. والغريب أن هذه العائلة كانت في السابق أغنى عائلة في فرنسا. ولكنها الآن تراجعت إلى المرتبة السادسة. وكان عميدها مارسيل داسو المقرب من ديغول وشيراك والحزب الديغولي قبل أن يموت ويحل محله ابنه سيرج داسو، زعيم العائلة حاليا. وهي مختصة بصناعة الطيران، والمعلوماتية، والصحافة حيث تسيطر على عدة جرائد ومجلات في فرنسا.
* العائلة رقم 7: عائلة هالي: ثروتها: ثلاثة مليارات ومائة وأربعة وعشرون مليون يورو. مختصة بالتسويق الكبير أو التوزيع الكبير للمواد الاستهلاكية. وهي تمتلك أغلبية أسهم عدة مخازن تجارية ضخمة من أمثال «كارفور» .
* العائلة رقم 8: عائلة بيجو : ثروتها: ملياران وستمائة وأربعة وستون مليون يورو. اختصاصها: صناعة سيارات بيجو الشهيرة. فهي تمتلك 26,5% من أسهم أو رأسمال شركة بيجو للسيارات. وبالطبع فكبقية العائلات التي ذكرناها فإن الابن يرث الأب على رأس الشركة.
* العائلة رقم 9: عائلة لويس دريفوس: ثروتها: ملياران ومائتان وأربعون مليون يورو. اختصاصها: صناعة الأسلحة البحرية كالزوارق والغواصات وسواها، بالإضافة إلى التجارة الدولية.
* العائلة رقم 10: عائلة روتشيلد: ثروتها: مليار وستمائة وخمسة وسبعون مليون يورو. نشاطاتها تتم أساسا في مجال البنوك، وتجارة الخمور. وهي العائلة الأشهر في تاريخ اليهود الأوروبيين. وقد ابتدأت أسطورتها في القرن الثامن عشر في «غيتو» اليهود بمدينة فرانكفورت الألمانية، حيث كانت عائلة روتشيلد تمتلك متجرا صغيرا لبيع الأواني المنزلية. ولكنها كانت تقوم أيضا بالمضاربات في الأسواق المالية والمصرفية. وكان الجد الأكبر للعائلة يدعى ماير أمشيل MAYER AMSCHEL. وقد تاجر ببيع المواد الغذائية للمستعمرات في ظل الثورة الفرنسية. إلى هنا جرى ذكر العائلات الغنية التي تملك أكثر من مليار يورو. بعدئذ سوف ينزل الرقم أكثر فأكثر حتى نصل في نهاية الكتاب إلى العائلات التي لا تملك أكثر من ثلاثين مليون يورو. وهي تعتبر فقيرة بالطبع قياسا إلى العائلات الكبرى التي ذكرناها.ولكننا يمكن التوقف عند عائلتين اثنتين: الأولى هي عائلة رئيس أرباب العمل الفرنسيين ارنست انطوان سيليير الذي يلعب دورا مهما اليوم في الحياة الاقتصادية الفرنسية، والثانية هي عائلة بائع العطور والألبسة الباريسية الفخمة بيير كاردان، ذي الشهرة الكبيرة حتى في العالم العربي. وأخيرا يمكن القول بأن العائلات الكبرى المذكورة في بداية الكتاب، والتي تملك المليارات لها تأثير على السياسة الفرنسية بشكل مباشر أو غير مباشر. فشخصيات من أمثال داسو، وبويغ، ولاغاردير، وسيليير، وفرانسوا بينو، وروتشيلد، ودريفوس، وبيجو، إلخ، كثيرا ما ترافق رئيس الجمهورية جاك شيراك أو رئيس الوزراء في رحلاتهما إلى الخارج.
وكل ذلك من أجل الحصول على العقود التجارية أو الصفقات المهمة مع دول العالم. فرجال الأعمال الكبار هم في حالة بحث دائم عن الصفقات في أسواق العالم كله، بل وهم يتنافسون عليها. فالشركات الفرنسية تنافس الشركات الأمريكية أو سواها على الصفقات التجارية في البلدان النامية، أو بلدان الخليج العربي مثلا.
وهناك تنافس أيضا على أسواق التسلّح في العالم العربي، أو الإفريقي، أو الآسيوي. وأحيانا تعقد صفقات أسلحة بمليارات الدولارات. والواقع أن قوة العالم الرأسمالي من قوة شركاته. فكلما كانت له شركات ضخمة وذات كفاءة عالية وشهرة عالمية، كانت مكانته أكبر على الصعيد الدولي.
وقد ظل الغرب يحتكر الصناعات الثقيلة حتى أمد قريب. ولا يوجد أي بلد في العالم نجح في كسر هذا الاحتكار إلا اليابان بالطبع. ولكن مؤخرا استطاعت النمور الآسيوية ككوريا الجنوبية، وتايوان، وماليزيا، إلخ، الدخول إلى جنة الصناعة والرأسمالية. ومن المتوقع أن تلحق بها دول أخرى يوماً ما.
يبقى صحيحا القول مع ذلك، بأن ثروة العالم الكبرى لا تزال موجودة في الغرب الأوروبي ـ الأمريكي. فهو في كفة والعالم كله في كفة أخرى، إذا ما استثنينا اليابان بالطبع.