واشنطن: محمد علي صالح
أصبح جورج سوروس، المهاجر من المجر، واحدا من اشهر البليونيرات في اميركا، وذلك بسبب مضارباته واستثماراته، قبل عشر سنوات تقريبا (اهتز العالم بسبب ازمة ارصدة اجنبية لدول في آسيا، وراهن هو على الجنيه الاسترليني، وكسب).
لكنه لم يكتف بثروته فقط، وإنما أصدر عدة كتب ينتقد فيها السياسة الاميركية، خاصة الخارجية. وكان من أوائل الذين وقفوا ضد الحرب على العراق، وفيما بعد أصبح من أوائل الذين ينتقدون الحرب ضد الارهاب، ويخصص له كتاباً كاملاً
دعا جورج سوروس، مؤلف كتاب «عواقب الحرب ضد الارهاب»، الى اعادة النظر في حرب الارهاب حسب استراتيجية الرئيس جورج بوش، وقال ان اميركا تحتاج «الى تغيير قلبها»، اي تغيير نظرتها الى الاشياء، خاصة بعد هجوم 11 سبتمبر.
وجورج سوروس، المهاجر من المجر، صار واحدا من اشهر البليونيرات في اميركا، وذلك بسبب مضارباته واستثماراته، قبل عشر سنوات تقريبا (اهتز العالم بسبب ازمة ارصدة اجنبية لدول في آسيا، وراهن هو على الجنيه الاسترليني، وكسب).
ووظف سوروس ثروته: اولا، في تطوير الديمقراطية في المجر وبقية دول اوروبا الشرقية.
ثانيا، في تأسيس منظمات ليبرالية في اميركا، وصفها البعض بأنها «اعلان حرب» ضد الجمهوريين المحافظين والمسيحيين المتطرفين (الذين زاد تأثيرهم على السياسة الاميركية الداخلية والخارجية، خاصة خلال السنوات الست الاخيرة، بعد سيطرة الحزب الجمهوري على البيت الابيض ومجلسي الكونغرس مجتمعين).
ثالثا، في تشجيع سياسة خارجية اميركية «متوازنة» (خاصة في الشرق الاوسط)، وهو من الذين يدعمون «انترناشونال كرايسيس غروب» (اي سي جي) التي تصدر تقارير عن كيفية منع الكوارث السياسية الدولية قبل وقوعها.
شرح سوروس آراءه وانجازاته في ثمانية كتب كتبها، ومنها: «قراءة عقل السوق»، وتحدث فيه عن كيفية جمع ثروته، و«فتح النظام السوفييتي» عن الاستثمارات هناك بعد سقوط الشيوعية، و«تبني الديمقراطية» عن جهوده في شرق اوروبا، وكذلك «سوروس يكتب عن سوروس» الذي تحدث فيه عن نفسه، و«ازمة الرأسمالية العالمية» و«اصلاح الرأسمالية العالمية» و«العولمة» و«فقاعة التعالي الاميركي: ثمن حرب بوش في العراق».
وصدر الكتاب الاخير قبل سنة ونصف السنة، وأثار ضجة لأنه كان من اوائل الكتب الاميركية، بل ربما اول كتاب اميركي، ينتقد غزو العراق. واعتبر مراقبون وصحافيون ذلك شجاعة منه، رغم ان مؤيدي غزو العراق والرئيس بوش انتقدوه نقدا عنيفا.
وبدأ الكتاب الجديد، «عواقب الحرب ضد الارهاب»، يثير ضجة ايضا لانه اول كتاب ينتقد الحرب ضد الارهاب، واعتبر مراقبون وصحافيون هذا، ايضا، شجاعة منه.
وبدأ، فعلا، مؤيدو الرئيس بوش حملة ضد الكتاب وضد مؤلفه. وشكك، في الاسبوع الماضي، شين هانيتي، (مقدم برنامجين، اذاعي وتلفزيوني) في وطنية سوروس، واشار، غامزا، الى انه ولد في «شرق اوروبا الشيوعية»، وقال انه جاء الى اميركا واصبح بليونيرا و«نسي البروليتاريا»
وانتقده هانيتي وغيره سوروس، لأنه، كما قالوا، صرف ملايين الدولارات لاسقاط الرئيس بوش في الانتخابات الرئاسية سنة 2004، ويصرف الآن ملايين الدولارات ليفوز الحزب الديمقراطي بمقاعد كثيرة تجعله قادرا على السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، بعد ان ظل الحزب الجمهوري يسيطر عليهما لعشر سنوات تقريبا.
لم ينف سوروس انه يؤيد الحزب الديمقراطي، ويريده ان يفوز. لكنه انتقد قادة الحزب لأنهم، بعد هجوم 11 سبتمبر على اميركا، «يخافون من انتقادات الجمهوريين لهم بأنهم ليسوا حريصين على محاربة الارهاب، ولهذا ينافسون الجمهوريين في الحماس لحرب الارهاب».
لكن سوروس قال: «لست حريصا على اصلاح الحزب الديمقراطي بقدر ما انا حريص على ان تكون الولايات المتحدة دعامة الاستقرار في العالم، وحارسة حضارتنا». وانتقد السياسة الخارجية الاميركية (خاصة نحو الشرق الاوسط)، وقال انها، على الاقل، يجب ان تقتدي بالسياسة الخارجية الاوروبية.
واضاف: «انا اميركي، واخترت اميركا وطنا لي. لكنني اوروبي ايضا. وجعلني فشل السياسة الاميركية اتمنى لو انها صارت مثل السياسة الاوروبية».
واكد سوروس، مثلما اكد في كتب سابقة، انه فخور بجنسيته الاميركية وبانتمائه الى اميركا، رغم معارضته لسياستها الخارجية. واعترف بأنه لا يقدر على ان يفهم لماذا انتخب الشعب الاميركي الرئيس بوش للمرة الثانية في انتخابات سنة 2004، رغم خطأ غزو العراق.
وقال: «فكرت في هذا الموضوع كثيرا، ووصلت، كما يوضح هذا الكتاب، الى السبب الآتي: صار الاميركيون اقوى واحسن شعب في الارض، وتعودوا على حياة الراحة والكماليات والسعادة الابدية، ولم يعودوا يطيقون اي شيء يؤثر في راحتهم».
هجوم على تشيني ورمسفيلد
يرى سوروس ان هذه «الراحة الاميركية» جعلت الاميركيين يفوضون السياسيين ليديروا شؤون البلاد، وذلك للاسباب الآتية:
اولا، يفضل الاميركيون التخصص، ويعتبرون السياسيين متخصصين في السياسة. ثانيا، يرون السياسة مهنة ليست اخلاقية، او، على الاقل، كثيرة المشاكل، ويريدون تحاشيها.
ثالثا، يرونها «ازعاجا»، وهم يريدون «راحة».
وقال سوروس ان هذه الاسباب سهلت على «المخادعين» ان يسيطروا على الشعب الاميركي، بأن يزودوه بمعلومات غير صحيحة او غير كاملة. واشار، بالاسم، الى عدويه اللدودين: نائب الرئيس تشيني، ووزير الدفاع رامسفيلد، وقال انهما من النوع الذي «يؤمن بأن الحقيقة يمكن ان تزور». وانهما نجحا في شيئين:
اولا، «في اقناع رئيس عاد الى المسيحية».
ثانيا، «في اقناع شعب يريد حياة مريحة بدون اي مشاكل».
وانتقد سوروس الرجلين، والرئيس، والشعب، وقال ان «رئيس الشعب الذي يريد حلولا سهلة لكل شيء، وجد حلا سهلا لكل شيء، وسماه: الحرب ضد الارهاب». واضاف: «لكن الحرب ضد الارهاب حل خطأ لمشكلة خطأ»:
اولا، المشكلة الخطأ هي ان الاميركيين خائفون. لكن الاميركيين لم يخافوا ابدا من اي عدو، ومن اقوى عدو، ولم يخافوا حتى من الاتحاد السوفييتي. لكن بوش جعلهم يخافون من افراد لا دولة لهم ولا جيش لهم.
ثانيا، حتى اذا كانت هذه مشكلة، فحلها لا يكون باعلان حرب بدون نهاية، وضد عدو لا يقدر اي شخص على تعريفه وتحديده.
واضاف بأن خطأ المشكلة وخطأ الحل خلقا مشكلة ثالثة، وهي انخفاض شعبية اميركا في دول العالم الاخرى. وقال: «لن نقدر على حل هذه المشاكل بدون ان نغير تفسيرنا للارهاب وللحرب ضده». واضاف: «يجب الا نقول ان امننا في خطر، ولا بد من حمايته. يجب ان نقول ان امن الانسانية في خطر، ونحن، اقوى دولة في العالم، نتحمل مسؤولية حمايته».
وقال ان هذا هو المخرج الوحيد، ولا بد ان يقتنع الشعب الاميركي، آجلا او عاجلا، بأن الحرب ضد الارهاب «مغامرة، لا نصر فيها، ولا خروج منها».
واعترف سوروس بصعوبة اقناع الاميركيين بهذا الرأي، وذلك لأن «الذين مع بوش والذين ضد بوش اقتنعوا بأن الحرب ضد الارهاب رد منطقي لهجوم 11 سبتمبر». وقال انه لا ينكر ان الهجوم كان مؤلما ومدمرا، لكن:
اولا، «صارت طريقة رد بوش على الهجوم خيالية، لأنها زورت الحقيقة».
ثانيا، «صارت سياسية، لأنه سخر الحرب ضد الارهاب لخدمة مصالحه ومصالح الحزب الجمهوري».
ثالثا، «قادته الى الحرب في العراق».
وانتقد سوروس نتيجة الحربين، الحرب ضد الارهاب وحرب العراق، وذلك لانهما «قتلتا مدنيين. ولهذا صارت النتيجة لا تختلف عن هجوم 11 سبتمبر الذي قتل مدنيين ايضا». ومثلما غضب الاميركيون على الهجوم واعلنوا حرب الارهاب، زاد «عدد الذين يريدون التضحية بحياتهم للهجوم على الاميركيين عن ما كان عليه قبل الهجوم».
وانتقد سوروس مصطلح «ارهاب»، متسائلاً: «هل معناه ان هناك من يرهبنا، او انه مجرد احساس؟» وقال: «الحقيقة هي ان الارهاب كلمة غير محددة، ولا يعقل ان نعلن حربا ضد هدف غير محدد».
واضاف: «قتلنا في العراق مدنيين اكثر من المدنيين الذين قتلهم هجوم 11 سبتمبر» (لا يبدو هذا الرقم معقولا، لان آخر احصائية نشرتها جريدة «واشنطن بوست» في الاسبوع الماضي قالت ان عدد المدنيين العراقيين الذين قتلوا منذ بداية الحرب قارب الخمسين الف شخص).
وقال: «هناك القتل والجرح، وهناك الاحتقار والاساءة. نحن لم نقتل ونجرح العراقيين فقط. نحن احتقرناهم، وتعمدنا ذلك».
واضاف: «عندما نقتل ونجرح ونحتقر، نصبح مثل الارهابيين. لكننا لا يمكن ان ننظر الى انفسنا كإرهابيين. نحن نقول لأنفسنا: نحن لسنا ارهابيين. نقول ذلك رغم ان ما نفعله في غيرنا جعلهم يقتنعون بأننا ارهابيون».
وقال سوروس: «جاء وقت تحدي الذين يقولون ان الحكومات لا يمكن ان تكون ارهابية». لم يقل ان الحكومة الاميركية ارهابية، لكنه قال ان آخرين ينظرون اليها كإرهابية.
لكنه قال ان حكومات اخرى قلدت الحكومة الاميركية واصبحت ارهابية (واشار الى حكومات في الشرق الاوسط وآسيا الوسطى).
واعترف سوروس: «لم اقدر على ان انتقد حرب الارهاب في كتابي «فقاعة التعالي الاميركي»، رغم اني كنت اؤمن في ذلك الوقت بما اقول الآن. والسبب هو أني خفت من إغضاب القراء.» واضاف: «لكني في هذا الكتاب اقدر على ان اقول ذلك لأني اعتقد ان القراء صاروا يقبلون ما اقول».
واخيرا، على الاقل، كان سوروس من اوائل الذين انتقدوا حرب العراق في كتاب «فقاعة التعالي الاميركي». وها هو الآن من اوائل الذين ينتقدون الحرب ضد الارهاب، واول من يقول ذلك في كتاب.